«وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ» .
[٩٥] واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم [فكروا] في الرب، فأدخلوا لم وكيف، وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم فجاءوا بالكفر عيانا لا يخفي أنه كفر، وأكفروا الخلق واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل.
وقال بعض العلماء - منهم أحمد بن حنبل ﵁ -: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث ولا يورث؛ لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة، [ولا عيدين] ولا صدقة، وقالوا: إن من لم يقل: القرآن مخلوق فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ، وخالفوا من كان قبلهم، وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ، ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطلوا الجهاد، وعملوا في
[ ٩٦ ]
الفرقة، وخالفوا الآثار، وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر، ولا حوض ولا شفاعة، والجنة والنار لم يخلقا، وأنكروا كثيرا مما قال رسول الله ﷺ، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه؛ لأن من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثرا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة [وأوهنوهما] وصارتا مكتومين؛ لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس، وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيها الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرياسة، فكانت فتنة عظيمة لم ينج منها إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه، أو يتابعهم أو يزعم أنهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكا، فهلك الخلق، حتى كان أيام جعفر - الذي يقال له المتوكل - فأطفأ الله به البدع، وأظهر به
[ ٩٧ ]
الحق، وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم، مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا [هذا] والرسم وأعلام الضلالة قد بقي قوم يعملون بها، ويدعون إليها، لا مانع يمنعهم، ولا أحد يحجزهم عما يقولون ويعملون.
[٩٦] واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وهم علماء السوء، أصحاب الطمع والبدع.
[٩٧] واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله مع قلتهم عند الاختلاف، وقال: ﴿الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فاستثناهم فقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
[ ٩٨ ]
وقال رسول الله ﷺ: «لا [تزال عصابة] من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» .
[٩٨] واعلم – رحمك الله - أن العلم ليس بكثرة الرواية [والكتب]، إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم [والكتب] ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم [والكتب] .
[٩٩] واعلم – رحمك الله - أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم، فهو من المتكلفين، والحق ما جاء من عند الله، والسنة سنة رسول الله ﷺ، والجماعة ما اجتمع عليه
[ ٩٩ ]
أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر [وعثمان] ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ، وما كان عليه [أصحابه و] الجماعة فلج على أهل البدع كلها، واستراح بدنه وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «ستفترق أمتي» وبين لنا رسول الله ﷺ الناجي منها فقال: «ما كنت أنا عليه اليوم وأصحابي» .
فهذا هو الشفاء والبيان والأمر الواضح والمنار المستنير.
وقال رسول الله ﷺ: «إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق» .
[١٠٠] واعلم أن العتيق ما كان من وفاة رسول الله ﷺ إلى
[ ١٠٠ ]
قتل عثمان بن عفان وكان قتله أول الفُرقة، وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة وتفرقت واتبعت الطمع والأهواء والميل إلى الدنيا، فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه مما لم يكن عليه أصحاب محمد رسول الله ﷺ، أو يكون [رجل] يدعو إلى شيء أحدثه من قبله [أو من قبل رجل] من أهل البدع، فهو كمن أحدثه، فمن زعم ذلك أو قال به، فقد رد السنة وخالف [الحق و] الجماعة، وأباح البدع، وهو أضر على هذه الأمة من إبليس.
ومن عرف ما ترك أصحاب البدع من السنة، وما فارقوا فيه فتمسك به فهو صاحب سنة وصاحب جماعة، وحقيق أن يتبع وأن يعان، وأن يحفظ، وهو ممن أوصى به رسول الله ﷺ.
[١٠١] واعلموا – رحمكم الله - أن أصول البدع أربعة أبواب،
[ ١٠١ ]