أن من انتسب منهم إلى الملل من المسلمين واليهود والنصارى هم مضطربون في ما جاءت به الأنبياء في المعاد فالمحققون منهم يعلمون أن حججهم على قدم العالم ونفي معاد الأبدان ضعيفة، فيقبلون من الرسل ما جاءوا به ومنهم قوم واقفة متحيرون لتعارض الأدلة وتكافئها عندهم ومنهم قوم أصروا على التكذيب ثم زعموا أن ما جاءت به الرسل هو أمثال مضروبة لتفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء إذا حقق عليهم الأمر صرحوا بأن الرسل تكذب لمصلحة العالم وإذا حسنوا العبارة قالوا إنهم يخيلون الحقائق في أمثال خيالية، وقالوا إن خاصة النبوة تخييل الحقائق للمخاطبين وأنه لا يمكن خطاب الجمهور إلا بهذا الطريق كما يزعم ذلك الفارابي وأمثاله، مع أن الفارابي له في معاد الأرواح ثلاثة أقوال متناقضة تارة يقول لا تعاد وينكر المعاد بالكلية، وتارة يقول إنها تعاد، وتارة يفرق بين الأنفس العالمة والجاهلة فيقر بمعاد العالمة دون الجاهلة ولهم في تفضيل النبي على الفيلسوف أو بالعكس نزاع فعقلاؤهم كابن سينا وأمثاله يفضل النبي على الفيلسوف وأما غلاتهم فيفضلون الفيلسوف، ولا ريب أن أوليهم ليس لهم في النبوات كلام محصل وكلامهم في الإلهيات قليل، وإنما توسع القوم في الأمور الطبيعية والرياضية ومصنفات معلمهم الأول أرسطو عامتها من ذلك والذي فيها من الإلهيات أمر في غاية القلة مع اضطرابه وتناقضه. فإذا عرف ذلك فما جاء به السمع من أمر المعاد قرره عليهم النظار بطريقين:
أحدهما: ببيان الكلام الصريح في إثبات معاد الأبدان وتفاصيل ذلك.
والثاني: أن العلم بالرسل جاءت بذلك علم ضروري فإن كل من سمع القرآن والأحاديث المتواترة وتفسير الصحابة والتابعين لذلك علم بالاضطرار أن الرسول ﷺ أخبر بمعاد الأبدان وأن القدح في ذلك كالقدح في أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق ونحو ذلك، والقرامطة الباطنية- وهم من الفلاسفة- أنكروا هذا وهذا وزعموا أن هذه كلها رموز وإشارات إلى
[ ٢٢٥ ]
علوم باطنة كما يقولون: إن الصلاة معرفة أسرارنا والصيام كتمان أسرارنا والحج زيارة شيوخنا المقدسين ونحو ذلك ممّا هو مذكور في الكتب المؤلفة في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، ولهؤلاء القرامطة صنفت رسائل إخوان الصفا وهم الذين يقال لهم: الإسماعيلية لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر.
قال ابن سينا: كان أبي وأخي من أهل دعوتهم ولهذا اشتغلت بالفلسفة. وأما الفلاسفة الذين لم يدخلوا في القرمطة المحضة فهم لا ينكرون العبادات والشرائع العملية بل قد يوجبون اتباعها والعمل بها لا سيما من دخل منهم في التصوف أو الكلام لكن منهم من يوجب اتباعها على العامة دون الخاصة أو يوجبها من غير الوجه الذي أوجبها الرسول كما يجوزون أن يكون بعد محمد ﷺ من يأتي بشريعة أخرى ويقولون إن أحدهم يخاطبه الله ﷾ كما خاطب موسى بن عمران، ويعرج به كما عرج بالنبيّ ﷺ وأمثال هذه المقالات التي كثرت لما ظهرت الفلسفة التي أفسدت طوائف من أهل التصوف والكلام.