لم يكن شيخ الإسلام عالما يصدر الفتاوى، ويؤلف الكتب، ويجلس للطلاب في حلقات العلم فحسب، ولم يكن يعيش في معزل عن مجتمعه، بعيدا
_________________
(١) ناحية من حياة شيخ الإسلام لإبراهيم بن أحمد الغياني ص ٣٠، ٣٢.
(٢) الأعلام العلية ص ٤٨.
(٣) المصدر السابق ص ٤٨ - ٤٩.
(٤) المصدر السابق ص ٤٤ - ٤٥.
[ ١٣ ]
عن واقعه، لا يعلم ما يدور حوله، بل عايشه بقلبه وقالبه. وإذا قضى حياته مجاهدا بقلمه ولسانه، فقد كان من حملة السيف، وأبطال المعارك، ترجم علمه بعمله، وقوله بفعله، ولنأخذ أنموذجا وموقفا من مواقفه الجهادية التي خاض غمارها وشق غبارها، ومن خلالها يمكن أن نستشف ما كان يتمتع به هذا الرجل من روح جهادية، خلدت اسمه ورفعت شأنه.
عاش شيخ الإسلام عصرا محموما يعج بالفتن والقلاقل كانت الأمة الإسلامية فيه مليئة بالأحداث الجسام والمصائب المتلاحقة، تعيش تمزقا لم يسبق له مثيل، فما كادت الحملات الصليبية تنتهي، إلا وفجعت أمة الإسلام بالجيش التتري الغاشم يجتاح العالم الإسلامي، ويأتي على الرطب واليابس، وأصبحت ممالك المسلمين تتساقط في أيديهم الواحدة تلو الأخرى. وهم يعيثون فيها خرابا، وسلبا ونهبا، وأسرا وقتلا، حتى أتوا على حاضرة العالم الإسلامي «بغداد» وطوقوها عام ٦٥٦ هـ وسقطت في أيديهم بعد أن قتلوا الخليفة العباسي «المستعصم» وما صاحب ذلك من سفك الدماء ودمار شامل لم يعرف التاريخ له نظيرا «١».
وبهذا أصبح شبح التتار يثير الرعب في نفوس المسلمين وترتعد له القلوب خوفا ورهبا.
وفي سنة ٦٩٩ هـ عزم «قازان» حاكم التتار على غزو الشام- وسبقت الإشارة إلى موقف شيخ الإسلام من هذا ومقابلته قازان، ورجوع الأخير عن عزمه- «٢».
وفي رجب سنة ٧٠٢ هـ شاعت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فأصاب الناس ذعر وهلع وخوف شديد، وبدءوا في الخروج إلى الديار المصرية، وهنا يبرز أثر الشيخ فيقف ويهدّئ الناس ويطمئنهم ويعدهم النصر، ويحثهم على الجهاد، ويأمرهم بالصبر والمصابرة، ويكثر من الابتهال إلى الله والتضرع إليه.
وفي هذه الأثناء سار إلى السلطان وحثه على قتال التتار فأجابه إلى ذلك، وكان يحلف للأمراء والناس أنهم لمنصورون، فيقول له الأمراء: قل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وكان يتلو بعض الآيات في ذلك.
وقد حصل عند الناس شبهة، وتردد في قتالهم، على أي شيء يقاتلون!
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في: البداية والنهاية (١٣/ ٢٠٠ - ٢٠٤)، سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٨١ - ١٨٣)، دول الإسلام للذهبي ص ٣٦٠ - ٣٦٢.
(٢) انظر: «شجاعة شيخ الإسلام وقوته».
[ ١٤ ]
فإن الظاهر منهم هو الإسلام. فسارع شيخ الإسلام وأزال هذه الشبهة وأوضح للناس أنهم من قبيل الخوارج الذين قاتلهم الصحابة﵃- وقال لهم بكل قوة وعزيمة: «إذا رأيتموني من ذلك الجانب- أي في جانب التتار- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني». اه وبهذا زال ما وجد لدى بعض الناس وقويت عزائمهم.
وطلب منه السلطان أن يقف معه في المعركة، فقال له الشيخ: «السنّة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن مع جيش الشام لا نقف إلا معهم».
وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وليكون هذا أقبل للنفوس أوضح هذا عمليّا، فكان يدور على الأمراء والجند، ويأكل من شيء معه في يده.
ويقول: «إن الفطر أقوى لكم» ويتأول فعل النبي ﷺ في غزوة الفتح حيث أصبح مفطرا.
وابتدأت المعركة، وكانت الدائرة في النهاية للمسلمين، وأعز الله جنده.
وكان لشيخ الإسلام فيها أعظم المواقف، وهي ما عرفت في التاريخ باسم «معركة شقحب» «١».
يقول ابن عبد الهادي في ذكر بعض مواقف الشيخ البطولية في هذه المعركة:
«ولقد أخبرني أمير من أمراء الشاميين ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ- يعني شيخ الإسلام- يوم اللقاء، وقد تراءى الجمعان:
يا فلان أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو، وهم منحدرون كالسيل، تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم.
ثم قلت له: يا سيدي، هذا موقف الموت، وهذا العدو، وقد أقبل تحت هذه الغبر، فدونك وما تريد إلى أن قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته، حتى فتح الله ونصر قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما، تحريضا على القتال، وتخويفا للناس من الفرار. اه «٢».
وبهذا تبوأ ابن تيمية منزلة جهادية لا يستهان بها، وكان له الأثر الواضح في ميدان المعارك تنبئ عن هذا الإمام بأنه ليس إمام قلم فقط بل إمام قلم وسيف، وإنه رجل المواقف.
_________________
(١) انظر تفصيل هذه المعركة في: البداية والنهاية (١٤/ ٢٣ - ٢٧)، دول الإسلام ص ٣٩٩ - ٤٠٠، العقود الدرية ص ١٧٥ - ١٧٧، ذيل مرآة الزمان لليونيني (١/ ٨٥).
(٢) العقود الدرية ص ١٧٧ - ١٧٨.
[ ١٥ ]