قلت: وكلام أهل الحديث والسنة في هذا الأصل كثير جدّا.
وأما الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل فكثيرة جدّا يتعذر أو يتعسر حصرها، ولكن نذكر بعضها، وقد جمع الإمام أحمد كثيرا من الآيات الدالة على هذا الأصل وغيره مما يقوله النفاة، وذكرها عنه الخلال في كتاب السنة وذلك كقوله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) «٨» وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) «٩».
وقوله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) «١٠» وقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) «١١» فوقت النداء بقوله: «فلما» وبقوله: «إذ» فعلم أنه كان في وقت مخصوص لم يناداه قبل ذلك، وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) «١٢».
_________________
(١) سورة طه، الآية: ٤٦.
(٢) سورة الشعراء، الآية: ١٥.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
(٤) سورة المجادلة، الآية: ١.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٨١.
(٦) سورة الشعراء، الآيتان: ٢١٨ - ٢١٩.
(٧) سورة التوبة، الآية: ١٠٥.
(٨) سورة طه، الآيات: ١١ - ١٣.
(٩) سورة الشعراء، الآية: ١٠.
(١٠) سورة القصص، الآية: ٣٠.
(١١) سورة النازعات، الآيتان: ١٥ - ١٦.
(١٢) سورة القصص، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.
[ ٨١ ]
وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ «١» فأخبر سبحانه أنه قال لهم ذلك بعد أن خلق آدم وصوره لا قبل ذلك، وقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) «٢» وقال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ «٣» وقال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) «٤» وقال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «٥» وإذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، وأن الفعل المضارع للاستقبال.
وقال تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ «٦» وقال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٧» وقال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٨» وقال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ «٩» وقال تعالى:
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «١٠» وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ «١١» وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ «١٢» وقال تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١٣» وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ «١٤» وقال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦) «١٥» قال تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ «١٦» وقال تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١٧» وقال موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا «١٨» وقال إسماعيل: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «١٩» وقال صاحب مدين لموسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «٢٠» وأدوات الشرط تخلص الفعل للاستقبال.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١١.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٥٩.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٧٣.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١١٧.
(٥) سورة يس، الآية: ٨٢.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
(٨) سورة التوبة، الآية: ١٠٥.
(٩) سورة فصلت، الآية: ١١.
(١٠) سورة الأعراف، الآية: ٥٤.
(١١) سورة البقرة، الآية: ٢١٠.
(١٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
(١٣) سورة الفجر، الآية: ٢٢.
(١٤) سورة يونس، الآية: ١٤.
(١٥) سورة الإسراء، الآية: ١٦.
(١٦) سورة الرعد، الآية: ١١.
(١٧) سورة الفتح، الآية: ٢٧.
(١٨) سورة الكهف، الآية: ١٠.
(١٩) سورة الصافات، الآية: ١٠٢.
(٢٠) سورة القصص، الآية: ٢٧.
[ ٨٢ ]
ومن هذا الباب قوله ﷺ: «من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك» «١» رواه أهل السنن، واتفق الفقهاء على ذلك، وكذلك ما في الصحيحين من قول النبيّ ﷺ عن سليمان أنه قال: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تأتي كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق ولد، قال النبيّ ﷺ: فلو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين» «٢».
وقال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «٣» وقال تعالى: فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٤» وقال تعالى لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «٥» وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) «٦» وقال تعالى:
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ «٧» وقال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها «٨».
وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ «٩» وقال تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) «١٠» وقال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا «١١» وقال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ «١٢» وقال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) «١٣».
وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ «١٤» وقال
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه برقم (١٥٣١) وأبو داود في سننه برقم (٣٢٦٢) والنسائي في سننه الكبرى برقم (٤٧٣٥) وفي الصغرى (٧/ ١٢) وابن ماجه في سننه برقم (٢١٠٥) وأحمد في المسند بالأرقام (٤٥١٠ و٥٣٦٢ و٥٣٦٣ و٦٤١٤) والبيهقي في سننه (١٠/ ٤٦) وابن حبان في صحيحه برقم (٤٣٤٢) من حديث ابن عمر ﵄. والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٢٧٩٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٢٨١٩ و٣٤٢٤ و٥٢٤٢ و٦٦٣٩ و٦٧٢٠ و٧٤٦٩) ومسلم في صحيحه برقم (١٦٥٤) وأحمد في المسند برقم (٧١٣٧ و٧٧١٥) وابن حبان في صحيحه برقم (٤٣٣٨) والنسائي في سننه (٧/ ٢٥ - ٢٦) البغوي في شرح السنة برقم (٧٩) والبيهقي في سننه (١٠/ ٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) سورة الرحمن، الآية: ٢٩.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ١٥.
(٥) سورة طه، الآية: ٤٦.
(٦) سورة الزخرف، الآية: ٨٠.
(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٨١.
(٨) سورة المجادلة، الآية: ١.
(٩) سورة الزمر، الآية: ٢٣.
(١٠) سورة الأعراف، الآية: ١٨٥.
(١١) سورة النساء، الآية: ٨٧.
(١٢) سورة الزخرف، الآية: ٥٥.
(١٣) سورة محمد، الآية: ٢٨.
(١٤) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
[ ٨٣ ]
تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ «١» فأخبر أن طاعته سبب لمحبته ورضاه، ومعصيته سبب لسخطه وأسفه، وقال تعالى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ «٢» وجواب الشرط مع الشرط كالسبب مع مسببه.
ومثله في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، ومن تقرّب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» «٣».
وقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣) «٤» وأما أفعاله المتعدية إلى المفعول به الحادثة وذكرها في القرآن العزيز فكثير جدّا، كقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) «٥» وقوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) «٦» فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) «٧» وقوله تعالى: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) «٨» وقوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) «٩».
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «١٠» وقوله تعالى: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) «١١» وقوله ﵎:
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٠٥) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٥) والترمذي في سننه برقم (٣٦٠٣) والنسائي في سننه الكبرى برقم (٧٧٣٠) وابن ماجه في سننه برقم (٣٨٢٢) وأحمد في المسند بالأرقام (٧٤٢٢، ٩٣٥١، ١٠٢٢٤، ١٠٦٨٤، ١٠٧٠٤، ١٠٧٨٢، ١٠٩٠٩) والبغوي في شرح السنة برقم (١٢٥١) وابن حبان في صحيحه برقم (٨١١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) سورة النساء، الآية: ٩٣.
(٥) سورة الضحى، الآية: ٥.
(٦) سورة الليل، الآية: ٧.
(٧) سورة الليل، الآية: ١٠.
(٨) سورة الانشقاق، الآية: ٨.
(٩) سورة عبس، الآيات: ١٩ - ٢٦.
(١٠) سورة الروم، الآية: ٢٧.
(١١) سورة المرسلات، الآيتان: ١٦ - ١٧.
[ ٨٤ ]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) «١».
وقال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) «٢».
وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) «٣».
وقوله تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها «٤» وقال تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «٥».
قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) «٦» وقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا «٧».
ومثل هذا كثير في القرآن والاحتجاج به ظاهر على قول الجمهور الذين يجعلون الخلق غير المخلوق وهو الصواب فإن الذين يقولون: الخلق هو المخلوق قولهم فاسد.
وقد بينا فساده في غير هذا الموضع وشبهتهم أنه لو كان غيره لكان إن كان قديما لزم قدم المخلوق وإن كان محدثا احتاج إلى خلق آخر فيلزم التسلسل وإن كان قائما به فيكون محلّا للحوادث.
وقد أجابهم الناس عن هذا كل قوم بجواب يبيّن فساد قولهم، وطائفة منعت قدم المخلوق كالإرادة فإنهم سلموا أنها قديمة مع حدوث المراد، وطائفة منعت قيامه به وقالت: لا يقوم به الخلق فلأن يكون محلّا للحوادث، فإذا قالوا: إن الخلق هو المخلوق ولا يقوم به فلأن يجوز أن يكون غير المخلوق ولا يقوم به
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيات: ١٢ - ١٤.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦.
(٣) سورة النازعات، الآيات: ٢٧ - ٣١.
(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٤٤.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٥٤.
(٦) سورة الجاثية، الآية: ١٨.
(٧) سورة فاطر، الآية: ٣٢.
[ ٨٥ ]
أولى، وطائفة قالت: لا نسلم أنه إذا افتقر المخلوق المنفصل إلى خلق أن يفتقر ما يقوم به من الخلق إلى خلق آخر بل يكتفي فيه القدرة والمشيئة فإنكم إذا جوزتم وجود الحادث الذي يباينه بمجرد القدرة والمشيئة فوجود ما لا يباينه أولى بالجواز وهؤلاء وغيرهم يمانعونهم في قيام الحوادث به، وطائفة منعت امتناع التسلسل في الآثار والأفعال وقالت: إنما يمتنع في الفاعلين لا في الفعل كما قد بسط في موضع آخر.