والله ﷾ أخبرنا أنه: «عليم»، «قدير»، «سميع»، «بصير»، «غفور»، «رحيم»، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ فنحن نفهم معنى ذلك، ونميِّزُ بيْنَ: العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلَّها اتفقتْ في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ؛ مثل: «محمد»، و«أحمد»، و«الماحي»، و«الحاشر»، و«العاقب».
وكذلك أسماء القرآن؛ مثل: «القرآن»، و«الفرقان»، و«الهدى»، و«النور»، و«التنزيل»، و«الشفاء»، وغير ذلك، ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها؛ هل هي من قبيل المترادفة؛ لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة؛ لتعدد الصفات، كما إذا قيل: «السيف»، و«الصارم»، و«المهند»؛ وقصد بالصارم معنى: الصَّرْم، وفي المهند: النسبة إلى الهند؟ والتحقيق أنها مترادفة في الذات، متباينة في الصفات.
[ ٤٠٢ ]
يبين الشيخ بناء على ما سبق من أن نصوص الأسماء والصفات معلومة لنا من وجه، أن أسماء الله التي أخبرنا بها مفهومة لنا، فنفهم أنها أسماء لله تعالى دالة على صفاته، فلذلك نفرق بينها لاختلاف ما تدل عليه من الصفات ونعلم أنها جميعًا دالة على ذات الرب سبحانه.
فلهذا قال الشيخ: (فهي متفقة متواطئة من حيث الذات …) إلخ، أي: هي متحدة في دلالتها على ذات الرب، فهي أعلام على ذات الرب دالة على صفاته، لا كما تقول المعتزلة: «إنها أعلامٌ محضة لا تدل على معانٍ»؛ بل أسماء الله تعالى تدل على ذات الرب تعالى، وتدل على معانٍ وصفات قائمة بالرب.
إذًا؛ فلا نقول: «إن أسماء الله مترادفة، ولا متباينة مطلقًا؛ بل: إنها مترادفة في دلالتها على ذات الرب، ومتباينة في دلالتها على الصفات»، وهذا مبني على أنَّ «كلَّ اسمٍ متضمنٌ لصفة»، فلهذا نعلم أنها جميعًا أسماء لله، ونفرِّق بين معانيها، فنفرِّق بين معنى المغفرة والرحمة، ومعنى السمع والبصر، والعزة والحكمة والقوة، وما أشبه ذلك.
ولهذا نقول: إن السميع هو البصير من حيث المسمى، فهما اسمان لمسمى واحد، ولكن السميع غير البصير من حيث المعنى والصفة، فالسميع يدل على صفة السمع، والبصير يدل على صفة البصر، وهكذا القول في سائر الأسماء.
[ ٤٠٣ ]
قوله: (وكذلك) أي: ونظير أسماء الله تعالى من حيث الاتفاق من وجه والاختلاف من وجه.
قوله: (مثل: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب») النبي ﷺ له أسماء كثيرة، وقد أخبر عن بعضها بقوله ﷺ: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب» والعاقب الذي ليس بعده نبي (^١).
فهذه الأسماء كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الرسول ﷺ، ولكن كل اسم له معنى، فهي متحدة من وجه، ومختلفة من وجه.
وهذه الأسماء أشار النبي ﷺ إلى معانيها: أمَّا «محمد»، وهو أشهر أسمائه، فهو عَلَمٌ، وصفةٌ في حقه ﷺ (^٢)، فهو علم عليه ﷺ، وله معنى هذا الاسم؛ وهو: كثرةُ حَمْدِ الغير له، فهو محمد يحمده الناس، والله تعالى يثني عليه، ف «محمَّدٌ» اسمُ مفعولٍ مشتقٌ من حُمِّدَ يُحَمَّد؛ فهو محمَّد.
وأمَّا اسمه «أحمد»؛ فهو أفعلُ تفضيلٍ يدلُ على كثرةِ حمدِهِ لربِّه تعالى، أو: كثرةِ حَمْدِ الغير له، فهو أحمدُ مِنْ غيرِه أي: أكثر حمدًا لربه تعالى مِنْ غيره، أو: أكثر نصيبًا من حَمْدِ الغير، أي: هو أحقُّ بالحمدِ مِنْ سائرِ الناس، فالاسمانِ متقاربان.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤) - واللفظ له - من حديث جبير بن مطعم ﵁.
(٢) تقدم نحوه في ص ٣٨.
[ ٤٠٤ ]
أمَّا «الحاشر»، و«العاقب»؛ فقد أشار النبي ﷺ إلى معناها بقوله: «الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي»، وهذا هو الحشر يوم القيامة، والرسول ﷺ يقول: «بُعِثتُ أنا والساعةَ؛ كهاتين» قال: «وضمَّ السبابةَ، والوسطى» (^١)، فالحاشرُ؛ هو النبي الخاتَم الذي ليس بعده إلا الساعة، وحشر الناس.
و«الماحي»؛ هو: الذي محا الله به الكفر، وليس المراد بمحو الكفر هنا إزالة جميع الكفر عن وجه الأرض،؛ بل المراد: أن الله تعالى محا به من الكفر ما لم يمحُ بدعوة نبي سواه، وهذا يظهر بكثرة الأتباع.
وأمَّا «العاقب»؛ فهو: الذي يأتي بعد غيره، والرسول ﷺ جاء بعد الأنبياء، فهو المقفي والعاقب لجميع النبيين؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أي: قد مضت من قبله جميع الرسل، فلا نبي بعده، وهو خاتَم النبيين، وأما ما جاء في ذكر المسيح: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥]؛ فلا يفهم على الإطلاق؛ بل بعده رسولٌ لم يأتِ، كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فمعنى الآية حينئذٍ: ما المسيحُ ابنُ مريمَ إلا رسولٌ قد خلت مِنْ قبله أكثرُ ومعظمُ الرسلِ، لا جميع الرسل، والله أعلم.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) - واللفظ له - من حديث أنس ﵁.
[ ٤٠٥ ]
قوله: (وكذلك أسماء القرآن) أي: ومن قبيل الأسماء التي تتحد من وجه؛ وهو: المسمى، وتختلف من وجه؛ وهو: المعنى؛ أسماء القرآن العظيم.
والقرآن؛ هو: «كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ، المحفوظ في الصدور، المكتوب في المصاحف، الموجود بين دفتي المصحف، المبدوء بالفاتحة، المختوم بسورة الناس».
قوله: (مثل: «القرآن»، و«الفرقان»، و«الهدى»، و«النور»، و«التنزيل»، و«الشفاء»، وغير ذلك) فهذه الأسماءُ كلُّها لمسمى واحد؛ وهو: هذا الكتاب، ولكلِّ اسم من هذه الأسماء معنى من المعاني، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي في أيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدي المؤمنين.
وهو «القرآن» من القَرْء بمعنى الجمع؛ لأنه مجموعٌ ومؤلف مِنْ حروفٍ، وكلمات، وسور، وآيات، أو: مِنْ القَرْء بمعنى الإظهار؛ لأنه كلام مُظْهَر بالتلاوة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه (١٨)﴾ [القيامة].
وهو «الفرقان»؛ لأنه فارِقٌ بين الحق والباطل، وبين أولياء الله وأعداء الله، وبين النافع والضار، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان].
وهو «الهدى» كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال فيه أيضًا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أي: يَدلُّ ويبيِّنُ الطريقةَ
[ ٤٠٦ ]
المثلى، ويهدي إلى الصراط المستقيم، فهو هدى لجميع الناس، ولكن لا ينتفع به إلا المؤمنون؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين (٢)﴾ [البقرة]، وقال في الآية الأخرى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين (٢)﴾ [النمل].
فهذه أسماءٌ لمسمى واحد؛ وهو: كلام الله المنزل على محمد ﷺ، المكتوب في المصاحف، وكل اسم يدل على صفة ثابتة للقرآن الكريم.
ونظير هذا في اللغة العربية؛ أسماء السيف؛ وهو: «الآلة الحادة المعروفة»، فهو يسمى عند العرب: («الصارم»، و«الحسام»، و«المهند»)، و«البتار» (^١)، فهذه أسماء لشيء واحد، وكل اسم منها يدل على معنى.
ولكن لا تكون هذه الأسماء متباينة في الصفات إلا إذا قُصدت معانيها، وإذا لم تقصد معانيها؛ فإنها تكون أعلامًا فقط، فإذا قيل في السيف المصنوع في غير الهند: «المهند»؛ فإن هذا الاسم يكون علمًا فقط، وإذا قيل: «خذ الصارم»، ولم يلاحظ معنى: «الصَّرم، والقطع»؛ فإنه حينئذٍ يكون علمًا، فقط، ولكن إذا قيل: «خذ الصارم»، يعني: السيف القاطع، ولوحظ معنى: «الصرم والقطع»؛ فإن هذا الاسم يكون علمًا، وصفة.
وكذا إذا قيل: «خذ المهند»، وهو مصنوع في الهند فِعلًا؛ فإنه يكون حينئذٍ علمًا، وصفة، ولهذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: (كما إذا قيل: «السيف»، و«الصارم»، و«المهند»)، وقصد بالصارم معنى: (الصرم)، وفي
_________________
(١) «المخصص» ٦/ ٢٠ و٢٥، و«القاموس المحيط» ص ٤٤٠.
[ ٤٠٧ ]
(المهند) النسبة إلى الهند؛ أي: أنه لا بدَّ أن تكون هذه المعاني مقصودة، وإلا كانتْ هذه الأسماءُ مجردَ أعلامٍ.
إذًا؛ فنظير أسماء الله تعالى من حيث إنها متفقةٌ في الذات، ومختلفة في الصفات؛ أسماء القرآن العظيم، وأسماء النبي ﷺ، وأسماء السيف. والله أعلم.
قوله: (ومثل هذه الأسماء) أي: الأسماء التي تكون متحدة من وجه؛ وهو: المسمى، ومختلفة من وجه؛ وهو: المعنى والصفة.
قوله: (والتحقيق أنها مترادفة في الذات، متباينة في الصفات)، ولهذا لا يصح أن تقول: (إن أسماءه مترادفة)، ولا أن تقول: (إنها متباينة)، فلا بدَّ من التقييد، فهي مترادفة من حيث دلالتها على الذات، ومتباينة من حيث دلالتها على الصفات.
وهذا كلُّه على طريقة أهل السنة والجماعة، وأمَّا على طريقة المعتزلة؛ فإنها مترادفة؛ لأنهم يجعلون أسماءه أعلامًا محضة لا تدل إلا على الذات، فلا فرق عندهم بين: (السميع)، و(البصير)، و(العليم)، و(الحكيم)؛ لأنها لمسمى واحد، ولا فرق بينها من جهة المعنى؛ لأنها عندهم لا تدل على معانٍ أصلًا. والله أعلم.
* * *
[ ٤٠٨ ]