ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام:
فالمؤمنون المتقون؛ هم له، وبه؛ يعبدونه، ويستعينونه.
وطائفة تعبده مِنْ غير استعانة، ولا صبر؛ فتجد عند أحدهم تحرِّيًا للطاعة والورع، ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل، واستعانة، وصبر؛ بل فيهم عجز، وجزع.
وطائفة فيهم استعانة، وتوكل، وصبرٌ مِنْ غير استقامة على الأمر، ولا متابعة للسنة، فقد يُمكَّن أحدهم، ويكون له نوعٌ من الحال باطنًا وظاهرًا، ويُعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول، ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى.
فالأولون لهم دين ضعيف، ولكنه مستمر باقٍ؛ إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حالٌ وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر، واتبع فيه السنة.
وشرُّ الأقسام؛ مَنْ لا يعبده، ولا يستعينه؛ فهو لا يشهد أن عمله لله، ولا أنه بالله.
[ ٧١٦ ]
فالمعتزلة ونحوهم مِنْ القدرية الذين أنكروا القدر؛ هم في تعظيم الأمر والنهي، والوعد والوعيد؛ خيرٌ من هؤلاء الجبرية القدرية، الذين يعرضون عن الشرع، والأمر والنهي.
والصوفية؛ هم في القدر، ومشاهدة «توحيد الربوبية»؛ خيرٌ من المعتزلة، ولكن فيهم مَنْ فيه نوعُ بدعٍ، مع إعراض عن بعض الأمر والنهي، والوعد والوعيد، حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة «توحيد الربوبية» والفناء في ذلك، فيصيرون - أيضًا - معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم؛ فهم معتزلة من هذا الوجه، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة؛ شرًا من بدعة أولئك المعتزلة، وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة.
وإنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله ﷺ، خير القرون، وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله بعد النبيين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فرضي عن السابقين الأولين رضاء مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.
وقد قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة: «خيرُ القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣) من حديث ابن مسعود، والبخاري (٣٦٥٠)، ومسلم (٢٥٣٥) من حديث عمران بن حصين، والبخاري (٣٥٥٧)، ومسلم (٢٥٣٤) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٥٣٦) من حديث عائشة ﵃، بألفاظ نحو ما ذكر شيخ الإسلام.
[ ٧١٧ ]
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «من كان منكم مستنًَّا؛ فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» (^١).
وقال حذيفة بن اليمان ﵄: «يا معشر القراء استقيموا، وخذوا طريق مَنْ كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم؛ لقد سُبِقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا؛ لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا» (^٢).
وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: «خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا سبيل الله، وهذه سُبُلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» (^٣).
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» ٢/ ٩٧، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام وأهله» (٧٥٨) بلفظ قريب منه، من طريق قتادة عنه، ولم يسمع منه. كما في «المراسيل» ص ٣٢١. وروى أبو نعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٣٠٥ نحوه عن ابن عمر ﵄.
(٢) رواه البخاري (٧٢٨٢) مختصرًا، ورواه بلفظ أقرب لما ذكره المؤلف: ابن المبارك في «الزهد» (٣٩)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١٩/ ٢٥١.
(٣) رواه أبو داود الطيالسي (٢٤١)، وأحمد ١/ ٤٣٥، والدارمي ١/ ٧٢، وصححه ابن حبان (٦ و٧)، والحاكم ٢/ ٣١٨.
[ ٧١٨ ]
وقد أمرنا ﷾ أن نقول في صلاتنا: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين (٧)﴾ [الفاتحة] (^١)، قال النبي ﷺ: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» (^٢)، وذلك أن اليهود عرفوا الحق، ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم.
ولهذا كان يقال: «تعوذوا بالله مِنْ فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون» (^٣).
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه]، قال ابن عباس ﵄: «تكفَّل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة» (^٤)، وقرأ هذه الآية.
وكذلك قوله ﵎: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (٣) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون (٤) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ
_________________
(١) على لسان رسوله ﷺ فقال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه البخاري (٧٥٦) ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت ﵄.
(٢) رواه أحمد ٤/ ٣٧٨، والترمذي (٢٩٥٣) - وقال حسن غريب -، وصححه ابن حبان (٧٢٠٦).
(٣) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٧٦، و٧/ ٣٦، والبيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى» (٥٤٤) عن سفيان الثوري ﵀ قال: «كان يقال: تعوذوا …». كذا في «الحلية» عنه من طريقين.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١٥/ ٤٤٦، والطبري في «تفسيره» ١٦/ ١٩١، وصححه الحاكم ٢/ ٣٨١ من طرق عنه ﵁، وألفاظ مختلفة بمعنى ما ذكر شيخ الإسلام ﵀.
[ ٧١٩ ]
رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٥)﴾ [البقرة]، فأخبر ﷾ أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم من: النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه، عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
يذكر الشيخ هنا أن الناس في عبادة الله تعالى، واستعانته أربعة أقسام (^١):
القسم الأول: الذين يعبدون الله تعالى، ويستعينون به وحده دون سواه، وهؤلاء هم المؤمنون، وهم خير الأقسام.
القسم الثاني: أهل عبادة، ولكنهم ليس عندهم استعانة بالله ولا صبر على المقدور، وهذا الوصف ينطبق على المعتزلة، أي: على نفاة القدر؛ لأنهم يثبتون الأمر والنهي، ويغلون في الوعد والوعيد، وينكرون القدر.
ويُشْبِههم من يغفل عن ربه وعن الاستعانة به، وهذا يناسب من يعجبون بأعمالهم، ويغفلون عن ربهم، وهؤلاء لا يكون عندهم صبر على المصائب؛ لأن نظرهم واستحضارهم للقدر ضعيف.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ١/ ٣٦ و١٠/ ٦٧١ و١١/ ٣١ و١٣/ ٣٢٣، و«التحفة العراقية» ص ٣٢.
[ ٧٢٠ ]
القسم الثالث: من لهم استعانة وصبر، ولكنهم ليسوا أهل عبادة، فهم معرضون عن الأمر والنهي، أو أن إيمانهم بالأمر والنهي ضعيف، فنظرهم واقف على القدر، وهذا ينطبق على الجبرية من الجهمية، والصوفية، ونحوهم، وقد تقدم أن جهمَ بن صفوان كان يقول بالإرجاء، مع قوله بالجبر (^١).
وعند الموازنة بين القسم الثاني والثالث، أي: بين المعتزلة والجبرية؛ نجد أن الجبرية خيرٌ من المعتزلة في باب القدر، والمعتزلة خيرٌ من الجبرية في باب الأمر والنهي.
أما من ناحية الموازنة العامة؛ فنقول إن المعتزلة - على نفيهم القدر - خيرٌ من الجبرية؛ لأن إنكار القدر مع إثبات الأمر والنهي؛ خيرٌ وأفضل من إثبات القدر مع الإعراض عن الأمر والنهي.
القسم الرابع: وهو شر الأقسام؛ وهم: من لا يعبدون الله، ولا يستعينون به، وهذا ينطبق على الملاحدة، وقد يصدق على المفرطين من المعتزلة؛ لأنهم في الأصل ينكرون القدر، فلا استعانة عندهم ولا صبر، ثم إذا فرط أحدهم في الأمر والنهي؛ صار من هذا القسم.
وقد يقرب من هذا ويشبهه: المفرطون مِنْ فُسَّاق المسلمين عمومًا، المفرطون في العبادة، والمعرضون عن ربهم، فلا يستعينون به، ولا يذكرونه إلا في أشد الشدائد أحيانًا.
_________________
(١) ص ٦٢٢.
[ ٧٢١ ]
ثم ختم الشيخ ﵀ هذه الرسالة القيِّمة المشتملة على بيان حقيقة الأصلين: التوحيد والصفات، والشرع والقدر، وبيان المذهب الحق فيهما، بالأدلة العقلية والنقلية، وما تبع ذلك من أصول وقواعد وفوائد، وتقسيمات؛ ختمها: بأن دين الله تعالى هو ما بعث به رسله، وأنه هو الصراط المستقيم، وهو ما مضى عليه سلف هذه الأمة مِنْ الصحابة والتابعين.
وذكر آثارًا تدل على فضل الصحابة، وأنهم القدوة لمن جاء بعدهم، وأن اتباعهم إنما يتحقق بالعلم والعمل، بمعرفة الحق واتباعه؛ فإن هذا هو صراط المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، خلاف طريق المغضوب عليهم والضالين.
نسأله ﷾ أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا مِنْ المنعم عليهم بمنه وكرمه، وجزى الله شيخ الإسلام على ما بينه خير الجزاء، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *
[ ٧٢٢ ]