والتوسل الجائز أنواع:
أولها: التوسل بأسمائه تعالى وصفاته، فقولك: «يا الله»، «يا رحمن»، «يا رب»، هو توسل بأسماء الله، وهذا التوسل قد يكون بصيغة الدعاء، وقد يكون بالباء؛ كقولك: «أسألك باسمك العظيم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت»، «أسألك بأنك الله لا إله إلا أنت»، وهكذا.
قوله: («سميت به نفسك») هذا هو شأن كلِّ أسماء الله تعالى، فهو الذي سمى بها نفسه، ولا يجوز لأحد من العباد أن يخترع له اسمًا.
قوله: («أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك») عطفُ هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام، وما أنزله تعالى فيما شاء من كتبه داخل فيما علَّمه، فما يعلمه بعض عباده قد يكون في شيء مِنْ كتبه، وقد لا يكون، فقوله ﷺ: «أو علمته أحدًا من خلقك» أعمُّ من قوله: «أو أنزلته في كتابك» فكل ما أنزله في كتابه؛ فإنه قد علمه بعض عباده.
ولكن قد يعلم بعض عباده مِنْ أسمائه ما لم يكن في كتابه، ومثال هذا أنه جاء في السنة من أسماء الله تعالى ما لم يأتِ في القرآن الكريم، مثل: «الشَّافي» (^١)، و«الحَكَم» (^٢)، ولكن أكثر الأسماء التي علمنا الله تعالى هي في القرآن.
_________________
(١) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «أذهب الباس رب الناس، واشفِ أنت الشافي». رواه البخاري (٥٦٥٧)، مسلم (٢١٩١).
(٢) عن أبي شريح الحارثي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله هو: الحَكَم، وإليه الحُكْم» رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٨١٣)، وأبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي ٨/ ٢٢٦، وصححه ابن حبان (٥٠٤)، والحاكم ١/ ٢٤.
[ ٣٩٩ ]
وفي هذا الحديث أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في تسعة وتسعين، كما قد يتوهم ذلك بعض الناس من قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (^١)، فالتحقيق أن هذا الحديث لا يدل على حصر الأسماء في هذا العدد (^٢)، لكن فيه الإخبار عن بعض أسماء الله تعالى، وأن من أسماء الله تسعة وتسعين من شأنها، ومن فضلها أن من أحصاها دخل الجنة.
وهذا الأسلوب لا يدل على الحصر، كما إذا قيل: «إن لله اسمًا إذا دُعي به أجاب»؛ فإنه لا يدل على أنه ليس له إلا هذا الاسم، فالله تعالى له أسماء كثيرة سمى بها نفسه، فمنها ما أنزله فيما شاء من كتبه، ومنها ما علمه بعض عباده، ومنها ما اختص به واستأثر به في علم الغيب عنده، ولا تنحصر الأسماء التي في كتبه، أو أنزلها في القرآن، أو علمها لمن شاء؛ في تسعة وتسعين، والحديث لا يدل على الحصر.
وخبر «إنَّ» في الحديث؛ هو قوله ﷺ: «مَنْ أحصاها دخل الجنة»، وعلى هذا يكون قوله: «لله» - الجار والمجرور - حالًا من هذه الأسماء.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والصواب الذي عليه جمهور العلماء … ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا؛ فإنه في الحديث الآخر … قال: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» … وثبت أن النبي ﷺ كان يقول … «لا أحصي ثناء عليك» فأخبر أنه ﷺ لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه؛ لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه». «درء تعارض العقل والنقل» ٢/ ٣٣٢، باختصار، وانظر: «بدائع الفوائد» ١/ ٢٩٣، و«فتح الباري» لابن حجر ١١/ ٢٢٠.
[ ٤٠٠ ]
ويحتمل أن يكون خبر «إنَّ» هو قوله: «لله»، فيكون خبرًا مقدمًا (^١).
وعندي: أن الأول أظهر. والله أعلم.
وإحصاء هذه الأسماء على مراتب (^٢)؛ فإنه يكون ب:
* معرفةِ ألفاظها.
* وعَدِّها.
* ويكون بفهمِ معانيها.
* ومِن إحصائها أيضًا: القيام بمقتضاها.
وليس المقصود هو الإحصاء العددي فقط، ولكنه نوع إحصاء، فلا شك أن معرفة كون أسماء الله: «كذا وكذا»، من العلم النافع.
_________________
(١) «شأن الدعاء» ص ٢٤.
(٢) «شأن الدعاء» ص ٢٦، و«بدائع الفوائد» ١/ ٢٨٨.
[ ٤٠١ ]