والفناء يراد به ثلاثة أمور:
أحدها؛ وهو: الفناء الديني الشرعي، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب؛ هو: أن يفنى عمَّا لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه.
بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فهذا كله؛ هو ممَّا أمر الله به ورسوله.
وأما الفناء الثاني: - وهو الذي يذكره بعض الصوفية -؛ وهو: أن يفنى عن شهود ما سِوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله؛ فهذا حال ناقص، قد يعرض لبعض
[ ٦٩٦ ]
السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرض مثل هذا للنبي ﷺ، والسابقين الأولين.
ومن جعل هذا نهاية السالكين؛ فهو ضال ضلالًا مبينًا، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله؛ فهو مخطئ؛ بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك.
وأما الثالث؛ فهو: الفناء عن وجود السِّوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق؛ هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهذا قول أهل الإلحاد والاتحاد، الذين هم من أضل العباد.
وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يَطْرُدَ قوله؛ فإنه إذا كان مشاهدًا للقدر مِنْ غير تمييز بين المأمور والمحظور، فعومل بموجب ذلك، مثل: أن يُضرب ويُجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع؛ فإن لامَ مَنْ فعل ذلك به وعابه؛ فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا الذي فعله مَقضيٌ مقدور، فخلقُ الله وقدره، ومشيئته؛ متناولٌ لك وله، وهو يَعُمُّكما، فإن كان القدر حجة لك؛ فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك، ولا له.
فقد تبيَّن بضرورة العقل؛ فساد قول مَنْ ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي.
[ ٦٩٧ ]
الفناء في اللغة؛ هو: العدم، والذهاب، والزوال (^١)، وللفناء أقسام ثلاثة (^٢)؛ هي:
الأول: الفناء الديني الشرعي، وهو الفناء بما يريد الله تعالى عن غيره، فيفنى بعبادة الله تعالى عن عبادة غيره، وبالخوف منه عن خوف غيره، والمراد بالخوف هنا: الخوف العبادي الإرادي.
وهذا الخوف لا يصل إلى درجة التجرد من الخوف الطبيعي؛ كالخوف من السَّبُع، والعدو، ونحو ذلك؛ فإن هذا الخوف الطبيعي ليس بمذموم مطلقًا إلا حين يصل إلى حد ترك ما أوجب الله تعالى، فيكون مذمومًا؛ كمن يترك الجهاد الواجب في سبيل الله؛ خوفَ القتلِ، أو العدوِ.
وهكذا بقية العبادات: فيفنى عن التوكل على غير الله بالتوكل على الله، وعن طاعة غير الله بطاعته وطاعة رسوله، وعن محبة غير الله بمحبته ومحبة رسوله، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ﴾، فكل
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» ٤/ ٤٥٣، و«القاموس المحيط» ص ١٧٠٤.
(٢) «العبودية» ص ٢١٨، و«الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ص ١٩٩، و«مجموع الفتاوى» ٢/ ٣١٣، و٣٤٣ و٣٦٩ و١٠/ ٣٣٧، و«الرد على الشاذلي» ص ١٥٠، و«طريق الهجرتين» ٢/ ٥٦٥، و«مدارج السالكين» ١/ ١٧٤.
[ ٦٩٨ ]
من فني عمَّا لم يأمرِ الله به بفعل ما أمر الله به؛ فقد جاء بما أمر الله به ورسوله.
وحقيقة هذا الفناء؛ هو: تحقيق التوحيد وتكميله، وإخلاص الدين لله، وتسمية هذا فناء صحيح من الجهة اللغوية، وليس هو من المصطلحات الشرعية؛ لا في النصوص، ولا في كلام السلف، لكن الشيخ ﵀ سمى هذا المقام فناء لمناسبة الخطاب مع الصوفية الذين يعظِّمون الفناء بمفهومه عندهم، ويجعلونه أعلى مقامات الدين؛ وهو:
النوع الثاني: الفناء عن شهود السوى؛ وهو: الفناء بالله وفي الله، وهذا الفناء يذكره بعض الصوفية، وحقيقته: أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيغيب عن شعوره بما سوى الله حتى عن نفسه، يفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته.
والضمير في قوله: (بمعبوده) يرجع إلى العبد أي: يفنى بربه، والضمير في قوله: (عن عبادته) يصلح أن يكون راجعًا للعبد أو للرب، أي: يفنى بربه عن عبادة ربه، أو عن عبادته لربه؛ لأن «المصدر» يجوز أن يضاف إلى «الفاعل» نحو: عبادةُ العبدِ لربه، وأن يضاف إلى «المفعول» نحو: عبادةُ الربِّ (^١).
وهكذا بقية الجمل: (بمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته)، ومثله: (بمشهوده عن شهوده) أي: يفنى بربه عن شهود ربه، أي: عن شهوده إياه، أو شهوده الله (^٢).
_________________
(١) «اللمع في العربية» ص ٣٠٧، و«أوضح المسالك» ٣/ ١٩٠.
(٢) تقدم نحوه في ص ٦٢٠.
[ ٦٩٩ ]
وحالُ صاحب هذا الفناء حالٌ ناقصة لا يمدح بها، فهي من العوارض التي تعرض لبعض السالكين، وليست هي من لوازم الطريق إلى الله، وهذا النوع من الفناء معدود عند الصوفية أعلى مقامات الدين (^١).
والحقُ أنه ليس من الدين؛ بل غاية صاحبه أن يكون معذورًا إذا وقع له ذلك من غير قصد إليه ولا تحرٍّ له، والرسول ﷺ، وهو أكمل الخلق، وأعلمهم بالله؛ لم يحصل له هذا الفناء؛ بل كان يشعر بمَن حوله، وبمن وراءه في الصلاة، حتى كان يسمع بكاء الصبي وهو يصلي؛ فيخفف صلاته لذلك (^٢).
الثالث: الفناء عن وجود السِّوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق؛ هو عين وجود الخالق، فالوجود عنده واحد بالعين، وحقيقة ذلك: اعتقاد ألَّا موجود إلا الله، وهذا مذهب أهل الإلحاد والاتحاد القائلين بوحدة الوجود، الذين هم أضل العباد.
وهؤلاء الذين يزعمون أن النظر إلى الحقيقة الكونية القدرية يوجب عدم التمييز بين المأمور والمحظور؛ مخالفون للعقل والقياس، كما أنهم مخالفون للشرع.
فإن الواحد منهم لا يمكنه أن يَطْرُدَ قوله؛ لأنه إذا كان مشاهدًا للقدر مِنْ غير تمييز بين المأمور والمحظور، ولا بين الظالم والمظلوم؛ فيلزمه
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٢/ ٣١٤، و«طريق الهجرتين» ٢/ ٥٦٧، و«مدارج السالكين» ١/ ١٧٥.
(٢) رواه البخاري (٧٠٩)، ومسلم (٤٧٠) من حديث أنس ﵁.
[ ٧٠٠ ]
ألَّا يلوم من يضربه ويمنعه حقه؛ لأنه إن لامَ غيرَه أو عابه؛ فقد نقض مذهبه في عدم التمييز، وفي الفناء عن شهود السِّوى.
فيقال له: هذا الذي ظلمك فعلَ ذلك بقدر الله تعالى، فخلقُ الله وقدرُه ومشيئتُه واقعٌ عليك وعليه؛ فإن كان القدر حجة لك؛ فهو حجة لمن ظلمك، وإلا فليس بحجة لا لك، ولا له (^١).
وبهذا يتبيَّن فساد مذهب مَنْ ينظر إلى القدر، ويعرض عن أوامر الشرع، ونواهيه.
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٢/ ٣٠٠، و«شفاء العليل» ص ١٧.
[ ٧٠١ ]