مثال ذلك أن النصوص كلَّها دلتْ على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش؛ فأما علوه ومبيانته للمخلوقات؛ فيعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش؛ فطريق العلم به هو السمع، وليس في الكتاب والسنة وصفٌ له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله.
أي: مثال ما وقع فيه توهم تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه: أن النصوص الشرعية قد تظافرت وتنوعت بوصف الله تعالى بالعلو على المخلوقات، والاستواء على العرش، وهناك فروق بين الاستواء على العرش والعلو (^١)؛ وهي:
١ - أن العلو ثابت بالعقل والسمع، وأما الاستواء؛ فطريق العلم به هو السمع.
٢ - أن العلو صفة ذاتية، وأما الاستواء فصفة فعلية.
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ٣٩٥.
[ ٣٣٣ ]
٣ - أن العلو عام على جميع المخلوقات، أي: أن الله تعالى عالٍ على جميع الخلق، وأما الاستواء؛ فهو خاص بالعرش.
ولم يأتِ في الكتاب ولا في السنة وصف الله تعالى بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، كما يقوله بعض نفاة العلو من المعطلة؛ لأن هذا قولٌ باطل ممتنع.
* * *
[ ٣٣٤ ]
فيظن المتوهم أنه إذا وُصف بالاستواء على العرش؛ كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُون (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِين (١٣)﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]، فيتخيل أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة؛ لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدابة؛ لخرَّ المستوي عليها.
فقياس هذا: أنه لو عدم العرش؛ لسقط الرب ﵎، ثم يريد - بزعمه - أن ينفي هذا فيقول: «ليس استواؤه بقعود ولا استقرار».
أي: يظن هذا المتوهم أن الله تعالى إذا وُصف بالاستواء على العرش؛ لزم أنه يكون استواؤه كاستواء المخلوق على الفلك والأنعام.
ومعلوم أن استواء المخلوق على غيره يكون محمولًا ومعتمدًا على ما تحته من سفينة أو سيارة أو غير ذلك، فلو غرقت السفينة أو عثرت الدابة؛ لخرَّ مَنْ فوقها؛ لأنه تَبَعٌ لها.
فهذا المتوهم ظن أنه يلزم من استواء الله تعالى على العرش ما يلزم من استواء المخلوق على المخلوق، فيريد أن ينفي هذا المعنى الباطل الذي فهمه، فينفي تبعًا لذلك ما دل عليه النص من المعنى الحق، فيقول هذا المتوهم في تفسير الاستواء: (ليس استواؤه بقعود
[ ٣٣٥ ]
ولا استقرار)، فإن كان مؤولًا؛ قال: «إنه الاستيلاء»، وإن كان مفوضًا؛ قال: «الله أعلم بمراده به».
وقد فسَّر السلف «الاستواء» ب: «العلو»، و«الارتفاع»، و«الاستقرار»، و«الصعود» (^١).
أما لفظ القعود؛ فلم يذكر في الآثار المروية في تفسير الاستواء، وأما لفظ الجلوس؛ فقد ورد في بعض الآثار نسبة الجلوس إلى الله تعالى (^٢)، وأنه يجلس على كرسيه كيف شاء سبحانه، وربما أطلق بعض الأئمة هذا اللفظ أيضًا، وهو بمعنى القعود؛ بل قد ورد القعود - أيضًا - في بعض الآثار، وسياق كلام الشيخ يشعر بأن الاستواء يتضمن القعود، لكن الأَوْلى التوقف في إطلاق هذا اللفظ إلا أن يثبت (^٣).
_________________
(١) انظر: «صحيح البخاري» ٩/ ١٢٤، و«تفسير البغوي» ٣/ ٢٣٥، و«شرح حديث النزول» ص ٣٨٨، و«شرح الأصبهانية» ص ٢٠٩، و«درء التعارض» ٢/ ٢٠، و«الكافية الشافية»، الأبيات: (١٣٤٧ - ١٣٦٠).
(٢) انظر: «السنة» لعبد الله بن أحمد ١/ ٣٠١ و٣٠٢، و«المعجم الأوسط» ٢/ ٣١٤، و«الرد على الجهمية» لابن منده ص ٨٠، و«العلل المتناهية» ١/ ٢٠، و«الأحاديث المختارة» ٦/ ٢٧٣، و«شرح حديث النزول» ص ٤٠٠، و«مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٣٤، و«منهاج السنة» ٢/ ٦٢٩، و«العرش» للذهبي ٢/ ١٢٠، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» ص ١٠٨، و«تفسير ابن كثير» ١/ ٦٨٥.
(٣) انظر: «نقض عثمان بن سعيد» ص ٢٩٩، و«السنة» لعبد الله بن أحمد ١/ ٣٠٥، و«تفسير الطبري» ٤/ ٥٤٠، و«التوحيد» لابن خزيمة ص ١٠٧، و«العلل المتناهية» ١/ ٢٠، و«الأحاديث المختارة» ١/ ٢٦٥، و«شرح حديث النزول» ص ٤٠٠، و«منهاج السنة» ٢/ ٦٢٩، «وبيان تلبيس الجهمية» ٣/ ٣، و«العرش» للذهبي ٢/ ١١٦، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» ص ١٠٩، و«تفسير ابن كثير» ١/ ٦٨٥، وانظر: «إثبات الحد لله ﷿ وبأنه قاعد وجالس على عرشه» ففيه عدة نقول، وآثار.
[ ٣٣٦ ]
ولا يعلم أن مُسمَّى القعود والاستقرار؛ يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء!، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك؛ فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستويًا ولا مستقرًا ولا قاعدًا، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء؛ فإثبات أحدهما ونفي الآخر؛ تحكُّمٌ.
وقد عُلم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقًا معروفة، ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره.
وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك.
أي: يقال لهذا الغالط المتوهم في القعود والاستقرار ما يقال في الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في مفهوم الاستواء - الذي يثبته - والقعود والاستقرار؛ فالله تعالى بهذا المعنى والاعتبار؛ ليس مستويًا ولا مستقرًا ولا قاعدًا؛ لأنه تعالى منزه عن الحاجة بغناه عمَّا سواه.
وإن كانت الحاجة غير داخلة، وأنه لا يدخل في مسمى القعود والاستقرار (إلا ما يدخل في مسمى الاستواء، فإثبات أحدهما ونفي الآخر؛ تحكم).
[ ٣٣٧ ]
فالمنفي هو الحاجة والافتقار، فهذا هو المعنى الذي يجب تنزيه الله تعالى عنه، فمدار النفي هو النقص، فما كان نقصًا؛ وجب تنزيه الله تعالى عنه، ولا يُنفى الكمال بناء على توهم النقص، فالله تعالى مستوٍ على العرش استواء يليق بجلاله، ليس فيه حاجة ولا افتقار؛ لأنه تعالى الغني عمَّا سواه، وكل شيء محتاج إليه تعالى.
فهذا المتوهمُ جَعَل الحاجةَ لازمةً لمطلق الاستواء، ومثَّل لذلك بسقوط المستوي على السفينة، وخرور الراكب على الدابة، وهذا غلط؛ فإن المعنى العام الكلي المشترك للاستواء؛ لا يستلزم الحاجة، وإنما يستلزمُ الحاجةَ استواءُ المخلوق.
أما استواء الرب تعالى على العرش؛ فهو استواء بلا حاجة ولا افتقار (^١).
وهناك فروق بين الاستواء، والاستقرار، والقعود:
فالاستواء فُسِّر ب: الارتفاع، والاستقرار، والصعود، والعلو.
والاستقرار فيه معنى الثبات، وهو خلاف الاضطراب.
والقعود؛ هو خلاف القيام.
فالقعود على الشيء، والاستقرار على الشيء، والاستواء على الشيء، فقد يكون قعودًا بلا استقرار، والعكس كذلك.
وأما الاستواء؛ فإنه يتضمن الاستقرار، فكلُّ استواءٍ استقرارٌ، وليس كلُّ استقرارٍ استواءً.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٦٢ و١٦/ ١٠١، و«تفسير سورة الإخلاص» ص ٣٧٩، و«التوسل والوسيلة» ص ٣٦٧.
[ ٣٣٨ ]
وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق، ثم استوى، كما ذكر أنه قدَّر، فهدى، وأنه بنى السماء بأيدٍ، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك.
فلم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوق، ولا عامًا يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة.
فلو قُدِّر - على وجه الفرض الممتنع - أنه هو مثل خلقه - تعالى الله عن ذلك - لكان استواؤه مثل استواء خلقه.
أما إذا كان هو ليس مماثلًا لخلقه، بل قد عُلم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر استواء يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به؛ فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه، وأنه لو سقط العرش لخر مَنْ عليه؟! سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا.
هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوَّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؟!؛ بل لو قُدِّر أن جاهلًا فهم مثل هذا، أو توهمه لبُين له
[ ٣٣٩ ]
أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلًا، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه.
فلما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] فهل يتوهم متوهم أنَّ بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زُبُلٍ (^١)، ومجارفَ، وأعوانٍ، وضَرْبِ لَبِنٍ (^٢)، وجَبْلِ طين (^٣)؟!
ثم قد عُلم أن الله خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرًا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله الأرض، والسحاب - أيضًا - فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله، والسموات فوق الأرض، وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها.
فالعلي الأعلى ربُّ كلِّ شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه، أو عرشه؟! أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار، وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟!
وقد عُلم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره؛ فالخالقُ سبحانه أحقُّ به وأَولى.
_________________
(١) جمع «زبيل»؛ وهو: الجِراب، وقيل: الوِعاء يُحْمل فيه. «لسان العرب» ١١/ ٣٠٠.
(٢) اللَّبِنُ؛ هو: «المَضْروب من الطينِ مُرَبَّعًا للبِناءِ». «القاموس المحيط» ص ١٥٨٦.
(٣) في «القاموس المحيط» ص ١٢٥٩: «جَبَلَهُم اللّهُ تعالى يَجْبُلُ ويَجْبِلُ: خَلَقَهُم». ولعل المراد ب «جَبْل الطين»: صنعه على الشكل الذي يريده الباني. والله أعلم.
[ ٣٤٠ ]
يبين الشيخ ﵀: أنه لا أساس لهذا التوهم في دلالة ألفاظ نصوص الاستواء، وذلك لوجوه:
١ - أن الله تعالى ذكر استواءً أضافه إلى نفسه؛ كما أضاف إليه سائر الصفات؛ كعلمه، وسمعه، وبصره، وبنائه للسماء، فالقول في الاستواء؛ كالقول في هذه الصفات.
٢ - من المعلوم أنه تعالى ليس مثل خلقه، فصفاته كذلك، فإن «القول في الصفات كالقول في الذات»، فلو كان الله تعالى مثل خلقه؛ لكانت صفاته مثل صفاتهم.
٣ - من المعلوم أنه تعالى غني عن كل ما سواه، وذلك يتضمن غناه عن العرش، وإن كان مستويًا عليه؛ بل هو الممسك للعرش وما دون العرش.
٤ - أن علو الشيء على غيره لا يستلزم حاجته إلى ما دونه، وذلك ثابت في المخلوقات، فالسحاب فوق الأرض، والسموات بعضها فوق بعض، وليس شيء من ذلك مفتقرًا إلى ما تحته، فالله تعالى أولى ألَّا يلزم من علوه على خلقه واستوائه على عرشه حاجة أو افتقار، ومن المعلوم أن ما ثبت للمخلوق من الغنى؛ فالله أولى به.
وقد بيَّن الشيخ أن هذا المعنى الباطل؛ لا يجوز توهمه في ألفاظ النصوص، ولا اعتقاد أنه ظاهرها، فضلًا عن أن يجوِّز ذلك المعنى
[ ٣٤١ ]
الباطل على الله تعالى، وذلك في قوله: ف (هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوَّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؟!).
* * *
[ ٣٤٢ ]