فإن قيل: «إن الشيء إذا شابه غيره من وجه؛ جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه».
قيل: «هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ﷾، ولا نفي ما يستحقه؛ لم يكن ممتنعًا؛ كما إذا قيل: إنه «موجود»، «حي»، «عليم»، «سميع»، «بصير»، وقد سمى بعض المخلوقات «حيًا»، «عليمًا»، «سميعًا»، «بصيرًا»».
فإذا قيل: «يلزم أن يجوز عليه ما يجوز على ذلك؛ من جهة كونه «موجودًا»، «حيًا»، «عليمًا»، «سميعًا»، «بصيرًا»».
قيل: «لازم هذا القدر المشترك؛ ليس ممتنعًا على الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية».
وذلك أن القدر المشترك؛ هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم، أو السمع والبصر أو السميع والبصير، أو القدرة أو القدير.
[ ٤٨٩ ]
والقدرُ المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك؛ لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم؛ فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه.
فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال؛ كالوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق؛ لم يكن في إثبات هذا محذور أصلًا؛ بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَينِ لا بد بينهما مِنْ مثل هذا، ومَن نفى هذا؛ لزمه تعطيلُ وجودِ كلِّ موجود.
ولهذا لما اطَّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية؛ سموهم «معطِّلة»، وكان جَهمٌ ينكر أن يُسمَّى الله «شيئًا»، وربما قالت الجهمية: «هو شيء لا كالأشياء»، فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا؛ لزم التعطيل التام.
تقدم أنه لا بد من إثبات قدر مشترك بين ما يضاف للخالق وما يضاف للمخلوق، وهذا القدر المشترك هو: مسمى الاسم المطلق (^١).
_________________
(١) ص ٢١١.
[ ٤٩٠ ]
وبناء على هذا يأتي هذا السؤال الذي ذكره الشيخ هنا؛ وهو: أن الشيء إذا شابه غيره من وجه؛ جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له من هذا الوجه، وامتنع عليه ما امتنع عليه من هذا الوجه.
ومعنى ذلك: أنه إذا كان بين صفة الخالق، وصفة المخلوق قدر مشترك؛ جاز على الخالق ما يجوز على المخلوق من هذا الوجه الذي هو القدر المشترك، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه، أي: أن ما يستلزمه القدر المشترك؛ يلزم أن يثبت للخالق والمخلوق مِنْ هذا الوجه؛ لأنَّ لازمَ القدرِ المشتركِ مشتركٌ.
فهذا يقتضي إذًا؛ نفي القدر المشترك؛ لاستلزامه أن يثبت للمخلوق ما ثبت للخالق من هذا الوجه: جوازًا، ووجوبًا، وامتناعًا.
والجواب: أن هذا القدر المشترك إذا كان لا يستلزم محذورًا مِنْ نفي ما يجب إثباته، أو إثبات ما يجب نفيه عن الله تعالى؛ فلا مانع منه، وإن استلزم ما ذكر مِنْ: الجواز، والوجوب، والامتناع من هذا الوجه، - يعني - باعتبار القدر المشترك، ما دام أنه لا يستلزم محذورًا، فهو لا يستلزم وصف الخالق بخصائص المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، ولا وصف المخلوق بخصائص الخالق؛ كالوجوب، والقِدم المطلق.
ويمكن أن يوضح هذا المعنى في لفظ: (الموجود)، و(الوجود)، و(الحي)، و(الحياة)؛ فالموجود هو الموصوف، والوجود هو الصفة، والحي هو الموصوف، والحياة هي الصفة.
[ ٤٩١ ]
فتقول: «اللهُ موجودٌ»، و«المخلوقُ موجودٌ»، فلفظ: «موجود» في الجملتين بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق ال «موجود»، ووجود الخالق، ووجود المخلوق بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق الوجود.
وإذا قلنا: «اللهُ حيٌ»، و«المخلوقُ حيٌ»، فلفظ: «حي» في العبارتين بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق ال «حي»، كما أن حياة الخالق وحياة المخلوق بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق الحياة، ومطلق الحياة؛ هو: الاسم العام، ومدلوله؛ هو: القدر المشترك.
وإذا نظرنا في مطلق الحياة؛ رأينا هذا المعنى الكلي: لا يستلزم حدوثًا، ولا وجوبًا؛ فلا يستلزم شيئًا من خصائص الخالق، ولا خصائص المخلوق؛ لأنه لو استلزم شيئًا من ذلك لم يكن مشتركًا.
فالحيُّ - مثلًا -: «مَنْ ليس بميت»، وهذا المعنى مُدْرَك بالعقل، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق، فيفهم من وصف الخالق تعالى بالحياة هذا المعنى، كما يفهم من وصف المخلوق الحي بالحياة هذا المعنى حال حياته.
والحياةُ معنىً وصفةُ كمال، فالحي أكمل ممن ليس بحي، فهذا اللازم ثابت في حق الخالق والمخلوق، وهذا المعنى لازمٌ للقدر المشترك.
فالقدرُ المشترك ثابتٌ ومشتركٌ في حق الخالق والمخلوق، ولازمُ القَدْر المشترك - أيضًا - ثابتٌ في حق الخالق والمخلوق ومشتركٌ،
[ ٤٩٢ ]
ولا محذور في إثباته، ولازمُ صفةِ الخالقِ مختصٌ بالخالق، ولازمُ صفةِ المخلوقِ مختصٌ بالمخلوق، فحياةُ الخالق تستلزم القِدم، وحياة المخلوق تستلزم الحدوثَ، ومطلقُ الحياة لا تستلزم حدوثًا، ولا قِدمًا.
وهذا الكلام يقال في سائر ما ذكره الشيخ من أمثلة في أسماء الله تعالى وصفاته.
فإذا كان القدرُ المشترك صفةَ كمالٍ لا محذور فيه، ولا يستلزم شيئًا من خصائص الخالق ولا المخلوق؛ لم يكن في إثبات هذا القدر المشترك محذور أصلًا.
بل إنَّ إثباتَ هذا القدرِ المشتركِ ضروريٌ؛ لِما تقرر مِنْ أنه ما مِنْ موجودَينِ إلا وبينهما اتفاق من وجه، واختلاف من وجه، ونفي هذا القدر المشترك؛ يلزم منه التعطيل العام.
فإذا قيل - مثلًا: «ليس بين وجود الخالق، ووجود المخلوق قدْر مشترك في مسمى الوجود»؛ لزم من ذلك إنكار وجود الرب تعالى، وهكذا في سائر الصفات، بل تعطيل وجودِ كلِّ موجود.
قوله: (ولهذا لما اطَّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية …) أي: لما اطلع الأئمة على أن حقيقة قول الجهمية؛ هو تعطيلُ وجودِ الخالق تعالى؛ سموهم (معطلة)، فنفي أسماء الله تعالى وصفاته؛ يستلزم غاية التعطيل.
[ ٤٩٣ ]
ويذكر الشيخ أن جهمًا ينكر أن يُسمى اللهُ (شيئًا) (^١)، ومعنى هذا عنده: أن الله ليس بشيء!، وهذا القولُ ظاهرُ البطلان.
والحقُّ أنه يصح أن يُخبَرَ عن الله تعالى بأنه شيء؛ بل هو أكبر مِنْ كل شيء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ﴾ [الأنعام: ١٩].
ولكن هذا الإطلاق مِنْ باب الخبر، لا من باب التسمية، والثناء، والدعاء، كما يطلق عليه بأنه «موجود» مِنْ باب الخبر - أيضًا -، ولكن لا يدعا بذلك، فلا يقال: «يا شيء» أو: «يا موجود» ونحو ذلك.
فبابُ الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات.
وربما قالت الجهمية: (إنه شيء لا كالأشياء)، فقولهم: (إنه شيء) صحيح، وقولهم: (إنه لا كالأشياء)؛ يدخلون فيه نفي الصفات، فمعنى كلامهم: إنه لا تقوم به أي صفة، فقولهم هذا؛ حقيقته التعطيل والنفي المحض؛ لأنهم ينفون القَدْر المشترك، ولازم ذلك: التعطيل التام (^٢).
* * *
_________________
(١) «مقالات الإسلاميين» ص ١٨١.
(٢) «بيان تلبيس الجهمية» ٢/ ٣٢٢، و«درء التعارض» ٥/ ١٧٨.
[ ٤٩٤ ]
والمعاني التي يوصف بها الرب ﷾؛ كالحياة، والعلم، والقدرة؛ بل الوجود، والثبوت، والحقيقة، ونحو ذلك؛ تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم؛ يقتضي ثبوت اللازم.
وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها؛ ليست من لوازم ذلك أصلًا، بل تلك مِنْ لوازم ما يختص بالمخلوق؛ من: وجود، وحياة، وعلم، ونحو ذلك، والله ﷾ مُنزَّه عن خصائص المخلوق، وملزومات خصائصه.
وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا، وتدبره؛ زالت عنه عامة الشبهات، وانكشفَ له غلطُ كثيرٍ مِنْ الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها:
أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيَّنًا مقيَّدًا، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور؛ هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أنَّ الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجودٍ متميِّز عن غيره ب: ذاته، وصفاته، وأفعاله.
المعاني التي يوصف بها الرب ﷾؛ وهي: صفاته؛ كحياته، وعلمه، وقدرته؛ بل حتى الوجود، والثبوت، والحقيقة، ونحو ذلك مِنْ المعاني المشتركة؛ تجب له لوازمها، وليس مِنْ لوازمها ما يختص به
[ ٤٩٥ ]
المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، والنقص، فهذه مِنْ لوازم صفات المخلوق، وليست من لوازم صفات الخالق؛ بل ولا من لوازم القَدْر المشترك.
والقدر المشترك؛ هو: «مسمى الاسم العام المطلق»، وهذا لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الذهن فقط.
ومعنى كون الموجودات تشترك في هذا؛ أن هذا الاسم يطلق على هذا وعلى هذا، وأن معنى هذا الاسم ثابت لهذا ولهذا، لكن في حق كل واحد على ما يناسبه.
فالحيُّ مطلقًا اسمٌ لذي الحياة، بقطع النظر عن كون الحياة واجبة أو ممكنة، فمسمى هذا الاسم المطلق؛ لا وجود له في الخارج، لكنه يُسمى به الخالق والمخلوق، فيطلق على الخالق على ما يناسبه ويختص به، كما يطلق على المخلوق بما يناسبه ويختص به، فليس بين الحي والحي اشتراك في أمر خارجي، بل حياة الخالق مختصة به لا يشركه فيها غيره، وحياة المخلوق مختصة به.
كما سبق في توضيح ذلك في لفظ: «إنسان» (^١) الذي يصدق على كل واحد منا، هذا هو مسمى الاسم المطلق، وهذا المعنى المشترك إنما هو في الذهن، أما في الخارج فلا يوجد إلا معينًا مقيدًا، فلا اشتراك فيما يخص كل واحد من معنى ووصف، فإذا مات شخص -
_________________
(١) ص ١٢٩ و٤٣١ و٤٣٤.
[ ٤٩٦ ]
مثلًا -؛ فلا يلزم أن يموت الآخر، وإذا كفر شخص؛ فلا يلزم أن يكون الآخر كذلك.
أما لوازم الإنسانية المطلقة؛ أي: القدر المشترك، فهي مشتركة بين كل الناس؛ كاستلزام الإنسانية ل: الإمكان، والحدوث، والافتقار، والحيوانية، والآدمية.
والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى ممَّا يصح إضافتها إلى الله تعالى؛ تجب له لوازمها مِنْ: العلم، والقدرة، والوجود، والثبوت، والحقيقة، وغير ذلك، وليس مِنْ لوازم ما يوصف به الرب خصائص المخلوق، فاللهُ تعالى منزَّهٌ عن خصائص المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، والنقص، ونحو ذلك، كما أنه تعالى منزَّهٌ عن ملزومات خصائص المخلوقين.
والملزوم: ما يستلزم غيره (^١).
فاللهُ تعالى منزَّهٌ عن النقص، وعمَّا يستلزم النقص، وانتفاء اللازم؛ يقتضي انتفاء الملزوم، فإذا كان الله تعالى منزهًا عن الافتقار؛ فهو منزَّهٌ عنه، وعن ملزومه، أي: عمَّا يستلزم الافتقار. وهكذا بقية خصائص المخلوقين.
ثم أعاد الشيخ ما سبق أن ذكره وبيَّنه مِنْ معنى القدر المشترك، وأنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا مقيدًا، كما سبق توضيحه في لفظ:
_________________
(١) تقدم بيان معنى «اللازم»، و«الملزوم» في ص ٤١٥.
[ ٤٩٧ ]
«الإنسان» وغيره، فكل اسم من هذه الأسماء المطلقة والمعاني الكلية؛ هو مشترك في الذهن والتصور.
أما في الخارج فلا يوجد مشتركًا، وإنما يوجد معينًا في أفراد، ومعنى كونه مشتركًا؛ أي: يصح إطلاق هذا الاسم العام على كل فرد منها، فهي مشتركة في مدلوله العام، فالمعنى العام لهذا الاسم يطلق على هذا وهذا، أي: على جميع أفراده في الخارج.
وليس معنى الاشتراك أنَّ الموجوداتِ في الخارج تشترك في شيء وأمر موجود في هذا وهذا؛ بل كل موجود متميز عن غيره ب: ذاته، وصفاته، وأفعاله المختصة به (^١).
* * *
_________________
(١) تقدم الكلام على نحو هذا المعنى في مواضع منها ص ١٢٩ و١٤٦ و٢١١ و٢٢٦ و٤٣١ وغيرها.
[ ٤٩٨ ]