وقد أخبر الله ﷾ عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات؛ ما بيَّنه في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون (٣٨)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾ إلى قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (٩١)﴾ [المؤمنون]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف].
[ ٥٩٨ ]
تقدم التنبيه إلى أن الشرك المشهور الظاهر في الأمم؛ إنما هو الشرك في العبادة، فسائر الأمم مقرون بأن خالق العالم واحد، سوى ما ذهب إليه بعض الثنوية من القول بالأصلين، على ما بينهم من تفاوت في ذلك.
يوضح هذا أن الله تعالى أخبر عن المشركين في كتابه أنهم يقرون بربوبيته تعالى كما في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآيةَ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥)﴾ الآياتِ، وهذا من الاحتجاج بتوحيد الربوبية الذي أثبتوه؛ على توحيد الإلهية الذي أنكروه؛ لأن توحيد الربوبية؛ مستلزم لتوحيد العبادة.
فالمشركون يؤمنون بتوحيد الربوبية، ويشركون بتوحيد الألوهية، فجمعوا بين الإيمان والشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾.
ومن المعلوم أن الإيمان بتوحيد الربوبية فقط دون الألوهية؛ لا يكفي لدخول صاحبه في الإسلام، ولا نجاته من النار.
فالإيمان بتوحيد الربوبية من الإيمان المطلوب شرعًا، ولكن لا يكون به وحده الشخص مسلمًا (^١).
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» ١/ ٢٢٦، و«مجموع الفتاوى» ٨/ ٣٧٠، و«منهاج السنة» ٥/ ٣٢٧.
[ ٥٩٩ ]
أنواع التوحيد عند المتكلمين، وما فيها من حق وباطل
وبهذا وغيره؛ يعرف ما وقع من الغلط في مسمى «التوحيد»؛ فإن عامةَ المتكلمين الذين يقررون «التوحيد» في كتب الكلام والنظر؛ غايتُهم أن يجعلوا «التوحيد» ثلاثة أنواع، فيقولون: «هو واحد في ذاته؛ لا قسيم له، وواحد في صفاته؛ لا شبيه له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له»، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم؛ هو الثالث؛ وهو: «توحيد الأفعال»؛ وهو: «أن خالق العالم واحد».
وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة «التمانع» وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: «لا إله إلا الله»، حتى قد يجعلون معنى «الإلهية»: القدرة على الاختراع.
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد ﷺ أولًا؛ لم يكونوا يخالفونه في هذا؛ بل كانوا يقرون بأن الله خالقُ كلِّ شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون.
[ ٦٠٠ ]
يقول الشيخ بعدما تقدم تقريره وبيانه: يتبين ما وقع من الغلط في مسمى (التوحيد) عند أهل الكلام؛ من: المعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم، حيث جعلوا (التوحيد) ثلاثة أنواع (^١)، وعبروا عنها بما يلي:
(إن الله تعالى واحد في ذاته؛ لا قسيم له، وواحد في صفاته؛ لا شبيه له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له)، فمن أقر بهذه الأنواع الثلاثة؛ فقد أتى بكل التوحيد عندهم.
وأشهر هذه الأنواع عندهم من حيث بحثُه وتقريره؛ هو: النوع الثالث المسمى ب (توحيد الأفعال)، والذي معناه: أن خالق العالم واحد، والمقصود به: «توحيد الربوبية».
ويحتج أهل الكلام على (توحيد الأفعال) عندهم، الذي هو «توحيد الربوبية» بدليل (التمانع) وصورته كما يلي:
لو كان للعالم خالقان فاختلفا بأن أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه؛ فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أحوال:
١ - إما أن ينفذ مرادهما، وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين.
٢ - وإما ألَّا ينفذ مرادهما، وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، وعجز كلٍّ منهما.
_________________
(١) انظر: ص ٨١.
[ ٦٠١ ]
٣ - أو ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، وحينئذ؛ فلا يكونان متماثلين؛ بل يكون الرب هو الذي نفذ مراده، والآخر عاجزًا لا يصلح أن يكون ربًا.
ودليل التمانع دليل عقلي صحيح، ولكن من خطإِ أهل الكلام فيه: أن فسَّروا به قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهذا غير صحيح؛ لأن الآية في «توحيد الإلهية»، وهي تدل على امتناع تعدُّدِ الإله المعبود، وهو يستلزم امتناع تعدد الخالق (^١).
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (٩١)﴾. أي: لو كان معه إله؛ لذهب كل إله بما خلق؛ لأنه من شأن الإله أن يكون له خلق، وأن تكون قدرته نافذة، وقال: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ لأن من شأن القادر أن يكون له العلو والرفعة على من سواه.
وعلى أحد التفسيرين (^٢) قوله تعالى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا (٤٢)﴾ [الإسراء] أي: سبيلًا إلى مغالبته.
_________________
(١) «جامع المسائل» ٦/ ١٧٤، و«شرح الأصبهانية» ص ١٢١.
(٢) «تفسير البغوي» ٥/ ٩٥، و«المحرر الوجيز» ٣/ ٤٥٩، و«زاد المسير» ٥/ ٣٨، و«الدر المنثور» ٩/ ٣٤٩، ورجح ابن تيمية أن معنى: «سبيلًا» أي: بالتقرب بعبادته وذِكْرِه. «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٥٧٧، و«درء التعارض» ٩/ ٣٥٠، واقتصر الطبري في «تفسيره» ١٤/ ٦٠٣، وابن كثير في «تفسيره» ٥/ ٧٨ على ذِكر ما رجحه شيخ الإسلام.
[ ٦٠٢ ]
فكل هذه الآيات تدل على أنه لا يمكن أن يوجد إله حق غير الله؛ لأنه لو فرض وجود إله آخر حق؛ لفسدت السموات والأرض.
وهذا التوحيد الثالث عند أهل الكلام الذي يسمونه «توحيد الأفعال»؛ وهو: «أن خالق العالم واحد»، هذا حق، وإنما غلط أهل الكلام فيه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: ظنهم أنه هو التوحيد المطلوب من المكلفين، والمقصود بدعوة الرسل.
والحقُّ أن هذا التوحيد مطلوبٌ، لكن ليس هو كل التوحيد، ولا يكفي لدخول صاحبه في الإسلام، والرسل دعت إليه، كما دعت إلى «توحيد العبادة»، لكن المقصود الأول؛ هو: الدعوة إلى «توحيد العبادة».
الثاني: ظنهم أن هذا التوحيد؛ هو معنى (لا إله إلا الله)، وفسروا (الإلهية) بالقدرة على الاختراع.
وهذا غلط، ف «توحيد الربوبية»، وكون الله تعالى هو الخالق، وإن كان هو مِنْ معنى «لا إله إلا الله»، وهي تدل عليه بطريق التضمن؛ إلا أن معناها الصحيح: «لا معبود بحق إلا الله»، فهي تُفَسَّر بتوحيد «الإلهية»، و«العبادة»، لا ب «توحيد الربوبية».
الثالث: أنهم لما جعلوا «توحيد الأفعال» الغاية العظمى والمقصود الأول من دعوة الرسل؛ أهملوا ذكر «توحيد العبادة»؛ فلا يبحثون فيه ولا يتكلمون عنه في عقائدهم.
[ ٦٠٣ ]
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم الرسول محمد ﷺ كانوا مقرين بما يسميه أهل الكلام «توحيد الأفعال»، فهم يقرون بأن الله تعالى خالق كل شيء، كما أنهم مقرون بالقدر، وهم مع هذا مشركون.
فلو كان معنى «لا إله إلا الله»: «لا خالق إلا الله»، كما يقرره أهل الكلام؛ لكان المشركون موحدين؛ لأنهم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق وحده.
ولو كان الأمر كما يزعم أهل الكلام من معنى «لا إله إلا الله» لما امتنع المشركون من قولها لما دعاهم الرسول ﷺ إليها؛ لأنهم مقرون بألَّا خالق إلا الله تعالى.
* * *
[ ٦٠٤ ]
وقد تبيَّن أن ليس في العالم مَنْ ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن مِنْ الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد، وخالق قدرتهم، وإن قالوا: «إنهم خالِقو أفعالهم».
وكذلك أهل الفلسفةِ، والطَّبْعِ، والنجومِ، الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع؛ يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون: «إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق».
فأمَّا من أنكر الصانع؛ فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون.
والكلام الآن مع المشركين بالله المقرِّين بوجوده، فإذًا؛ هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون؛ بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب، والسنة، والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
يذكر الشيخ هنا أنه ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، أي: ليس هناك من ينازع أنْ ليس للعالم خالقان متكافئان، فهو وإن وُجِد شرك في الربوبية؛ لكنه لا يصل إلى درجة اعتقاد خالقين متكافئين، أو إثبات مثيلٍ مشارك لله تعالى في خلق السموات والأرض.
[ ٦٠٥ ]
نعم هناك مَنْ يجعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله، كما عند القدرية المعتزلة نفاة القدر، الذين يجعلون أفعالَ العباد مخلوقةً لهم.
فهم أخرجوا أفعال العباد من خَلْقِ الله تعالى، ومشيئته، وملكه فأخرجوا بعض الموجودات مِنْ ملك الله وخلقه، وهذه صورة مِنْ صور الشرك في الربوبية، ولكن هؤلاء القدرية مع قولهم هذا؛ فإنهم يقرون بأن الله تعالى خالق العباد، وخالق قدرتهم، وإن قالوا: (إن العباد خالقون لأفعالهم).
أما أهل السنة والجماعة؛ فيقرون أن الله تعالى خالق العباد، وخالق قدرتهم، وأفعالهم.
ومن صور الشرك في الربوبية، ما يزعمه أهل الفلسفة، والطَّبْع، والنجوم، الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدِعة لبعض الأمور، ومؤثرة استقلالًا، كما يجعلون الأسباب مؤثرة بنفسها؛ كاعتقادهم: أن النار محرقة استقلالًا، وكما يعتقد أهل النجوم بتأثير الكواكب في الحوادث الأرضية.
فكل هؤلاء وقعوا في الشرك في الربوبية، حيث جعلوا بعض الموجودات خلقًا لغير الله، ولكنهم لم يصلوا إلى اعتقاد خالقين متكافئين.
فتقرير أهل الكلام لتوحيد الربوبية الذي يسمونه توحيد الأفعال، أي: اعتقاد أن خالق العالم واحد، لا يصلح أن يرد به على المشركين في توحيد العبادة؛ لأنهم يؤمنون بتوحيد الربوبية، ومنه تفرد الله تعالى
[ ٦٠٦ ]
بالخلق، كما لا يصلح أن يرد به على الجاحد المعطل للخالق؛ لأن هذا الملحد يدعي عدم وجود خالق أصلًا؛ لا واحدًا، ولا أكثر من ذلك.
وهذا معنى قول الشيخ: (فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل …) إلخ (^١).
* * *
_________________
(١) «درء التعارض» ٨/ ٣٨، و«مجموع الفتاوى» ١٦/ ٣٣٣، و«الجواب الصحيح» ١/ ٢١١.
[ ٦٠٧ ]
وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: «لا شبيه له في صفاته»، فإنه ليس في الأمم مَنْ أثبت قديمًا مماثلًا له في ذاته، سواء قال: «إنه مشاركه»، أو قال: «إنه لا فعل له»؛ بل مَنْ شبه به شيئًا من مخلوقاته؛ فإنما يشبِّهه به في بعض الأمور.
وقد عُلم بالعقل امتناع أن يكون له مثلٌ في المخلوقات، يشاركه فيما يجب، أو يجوز، أو يمتنع؛ فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعُلم - أيضًا - بالعقل أنَّ كلَّ موجودَينِ قائمينِ بأنفسهما؛ فلا بدَّ بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى: الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك، وأن نفي ذلك؛ يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابدَّ مِنْ إثبات خصائص الربوبية. وقد تقدم الكلام على ذلك.
تكلم الشيخ هنا عن النوع الثاني من أنواع التوحيد عند أهل الكلام؛ وهو قولهم: «إن الله تعالى واحد في صفاته لا شبيه له»، وهذا الكلام في ظاهره صحيح، ولو قال ذلك واحد من أهل السنة والجماعة؛ لسُلِّم له، ولكن أهل الكلام صاروا يستعملون ألفاظًا فيها إجمال، ويدخلون فيها معاني باطلة؛ ولذا وجب الحذر، والاستفصال عن مرادهم بالألفاظ التي يطلقونها؛ فيثبت الحق، وينفى الباطل.
[ ٦٠٨ ]
والكلام هنا يشبه ما سبق في مطلع «القاعدة السادسة» (^١)، فيقال: «إن قولهم بأن الله تعالى لا شبيه له»، إن أرادوا المماثلة؛ وهي: المساواة من جميع الوجوه؛ فهذا النفي حق، لكن لا يوجد في الأمم من أثبت لله تعالى مماثلًا له في ذاته وصفاته، وعلى هذا يمكن أن يقال: إن هذا النفي لا فائدة منه؛ لعدم وجود قائل به أصلًا.
وقد يراد بنفي الشبيه: نفي المشارك لله تعالى في شيء من خصائصه؛ ممَّا يختص بوجوبه، أو جوازه، أو امتناعه، وهذا حقٌّ، وهو معلوم بضرورة العقل امتناعه؛ إذ لو جازت هذه المشابهة؛ لجاز أن يوصف المخلوق بصفات الخالق؛ مِنْ نحو: وجوب الوجود، والغنى، ولجاز أن يوصف الخالق بصفات المخلوق؛ مِنْ نحو: الافتقار، والفناء، ونحو ذلك؛ وهذا باطلٌ؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، كما تقدم (^٢).
نعم، قد يوجد مَنْ يشَبِّه بعض المخلوقات بالله في بعض الأمور؛ كما ينسب المشركون الإلهيةَ لمعبوداتهم - والإلهيةُ مِنْ خصائص الله تعالى -، وكذلك مَنْ ينسب علم الغيب لبعض الخلق، وكذا من ينسب بعض القدرة للخلق، وهي لا تصلح إلا لله تعالى.
ويحتمل أن يراد بنفي الشبيه: نفي الاتفاق والمشاركة بين الخالق والمخلوق بوجه من الوجوه، وتقدم (^٣): أن هذا المعنى ممتنع نفيه؛
_________________
(١) ص ٤٦٢.
(٢) ص ٤٦٤.
(٣) ص ١٤٦.
[ ٦٠٩ ]
إذ ما من شيئين موجودين قائمين بأنفسهما إلا وبينهما اتفاق من وجه واختلاف من وجه، وتعطيل هذا القدر المشترك؛ يلزم منه التعطيل المحض.
وتبيَّن مِنْ ذلك: أن قول أهل الكلام: «إن الله تعالى واحد في صفاته لا شبيه له»؛ يحتمل حقًا وباطلًا.
* * *
[ ٦١٠ ]
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم؛ أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، فصار من قال: «إن لله علمًا، أو: «قدرة»، أو: «إنه يُرى في الآخرة»، أو: «إن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق»؛ يقولون: «إنه مشبِّه ليس بموحد».
وزاد عليهم غلاة الجهمية، والفلاسفة، والقرامطة؛ فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: «مَنْ قال: «إن اللهَ عليمٌ، قدير، عزيز، حكيم»؛ فهو مشبِّه ليس بموحد».
وزاد غلاة الغلاة، وقالوا: «لا يوصف بالنفي، ولا الإثبات»؛ لأن في كل منهما تشبيهًا له.
وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر ممَّا فروا منه، فإنهم شبَّهوه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات؛ فرارًا من تشبيههم - بزعمهم - له بالأحياء.
ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله؛ لا تثبت له على حدِّ ما يثبت لمخلوق أصلًا، وهو ﷾: ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفاتِ، فإذا لم يكن في إثباتِ الذاتِ إثباتُ مُمَاثَلَةٍ للذوات؛ لم يكن في إثباتِ الصفاتِ إثبات مماثلة له في ذلك.
فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا: توحيدًا، ويجعلون مقابل ذلك: التشبيه، ويسمون نفوسهم: «الموحِّدين»!.
[ ٦١١ ]
تقدم أن أهل الكلام أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد بحجة نفي التشبيه، وحَمَلَة راية هذه البدعة؛ هم: المعتزلة؛ إذ إن من أصولهم الخمسة: «التوحيد» الذي أدرجوا فيه نفي الصفات، وسموا أنفسهم «موحدين»، لذلك سمَّوا مَنْ يثبت الصفات «مشبهًا».
فمن قال: (إن لله تعالى علمًا) أو: (قدرة) أو: (إنه يرى في الآخرة)، أو: (إن القرآن كلام الله منزل، غير مخلوق)؛ مَنْ قال ذلك؛ صار عند المعتزلة مشبهًا غير موحد.
وزاد عليهم غلاة الجهمية، والفلاسفة، والقرامطة، فنفوا أسماء الله تعالى الحسنى، فمَن قال: (إن اللهَ عليمٌ، قدير، عزيز، حكيم)؛ صار عندهم مشبها ًغير موحد، فالمعتزلة عند هؤلاء مشبهة؛ لأنهم يثبتون لله تعالى الأسماء الحسنى.
وزاد عليهم غلاة الغلاة مِنْ الباطنية؛ وهم الذين وصفوا الله تعالى بسلب النقيضين فقالوا: (إنه لا يوصف بالنفي، ولا الإثبات)؛ لأن في كلٍّ منهما تشبيهًا له، فالنفي تشبيه له بالمعدومات، والإثبات تشبيه له بالموجودات؛ فغلاة الجهمية عند هؤلاء، ونحوهم، الذين يصفون الله تعالى بالسلوب: مشبهة؛ لأنهم شبهوه بالمعدومات.
ثم يقرر الشيخ أن هؤلاء كلهم وقعوا مِنْ جنس التشبيه فيما هو شر ممَّا فروا منه، فإنهم لما فروا من تشبيه الله تعالى بالأحياء - بزعمهم - وقعوا في تشبيهه ب:
[ ٦١٢ ]
* (الممتنعات)؛ كما عند غلاة الغلاة.
* وب (المعدومات)؛ كما عند غلاة الجهمية، ونحوهم.
* وب (الجمادات)؛ كما عند المعتزلة، ونحوهم.
فالتشبيه بالأحياء خيرٌ من التشبيه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات، وهذا على فرض أن إثبات الصفات يلزم منه التشبيه بالأحياء، والحقُ أنَّ ذلك غيرُ لازمٍ؛ لأن صفات الله تعالى تثبتُ له على وجه يختص به، ويناسبه، ويليق به، لا على نحو ما تثبت للمخلوق.
فإذا كان وجود الله تعالى على وجه يختص به، ويليق به؛ ليس كوجود المخلوق؛ فكذلك علمه تعالى، وحياته، وقدرته، وسمعه، وبصره، وسائر صفاته؛ ثابتة له على الوجه اللائق به، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
ومن الدليل على ذلك ما سبق تقريره في الأصل الثاني؛ وهو: «أن القول في الصفات كالقول في الذات» (^١)، فكما أنه ليس في إثبات ذاته سبحانه؛ إثبات مماثلته بذوات خلقه؛ فكذلك ليس في إثبات الصفات له إثبات مماثلة له بصفات خلقه.
* * *
_________________
(١) ص ٢١٣.
[ ٦١٣ ]
وكذلك النوع الثالث؛ وهو قولهم: «هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو: لا جزء له، أو: لا بعض له»؛ لفظ مجمل، فإن الله ﷾ أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ، فيمتنع أن يتفرق، أو يتجزأ، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ: نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد!.
ذكر الشيخ هنا النوع الثالث من أنواع التوحيد عند أهل الكلام، وهو ثالث باعتبار الشرح له، وإلا فقد ذكره الشيخ أولًا عند ذكر أنواع التوحيد إجمالًا.
وهو توحيد الذات، ويعبرون عنه بقولهم: (إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، أو: لا جزء له، أو: لا بعض له).
وهذا اللفظ مجمل يحتمل معنى صحيحًا، ومعنى باطلًا (^١)؛ فالمعنى الصحيح الذي يحتمله هذا اللفظ؛ هو: أن الله تعالى ليس مركبًا مِنْ أجزاء، فلا يتجزأ، ولا يتبعض، بل هو أحد، صمدٌ، والصمدُ
_________________
(١) «درء التعارض» ١/ ٢٢٨، و«شرح حديث النزول» ص ٢٤٨، و«الصفدية» ص ١٣٥، و«تفسير سورة الإخلاص» ص ٢٩٧ و٤٤٩.
[ ٦١٤ ]
يتضمن عدم التجزؤ، ولذا كان الولد ينافي الصمدية؛ لأن الولد جزء من الوالد.
والمعنى الباطل الذي صار يحتمله اللفظ؛ هو: ما أدخلوه فيه من نفي علو الله تعالى على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك مِنْ المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، فيدخلون هذه المعاني الباطلة في هذا اللفظ، ويجعلون ذلك من التوحيد!.
وقد ذكر الشيخ أنهم يدخلون نفي العلو في مفهوم عدم التجزؤ والتبعض، فيرون أن وَحْدة الذات تقتضي نفي العلو.
والواقعُ أن دخول نفي العلو في مسألة التجزؤ والتبعض؛ غير واضح، فما المانع من إثبات العلو، والقول بعدم التجزؤ والتبعض؟
فلو جعلوا نفيَ التجزؤ والتبعض أصلًا لنفي الوجه واليدين مثلًا؛ لكان ظاهرًا؛ لأنهم إذا قالوا: «إن الله تعالى مُنزهٌ عن الأبعاض» - وهذا من التعبيرات البدعية المجملة كما سبق (^١) -؛ فإنهم يقصدون مِنْ ذلك نفيَ الوجه، واليدين؛ لأنها عندهم أبعاض.
فالإشكال هنا في جعل نفي العلو على العرش مندرجًا في قول الأشاعرة: (إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، ولا جزء، ولا بعض له)،؛ فهذا غير ظاهر.
والذي يرفع هذا الإشكال أنَّ نفيهم للعلو مبني على نفي الجسمية، فالجسم عندهم مركب، وكونه واحدًا في ذاته لا قسيم له، ولا جزء،
_________________
(١) ص ٣٢٦.
[ ٦١٥ ]
ولا بعض؛ يتضمن نفي الجسمية، والعلو يستلزم التجسيم، فامتناع الجسم على الله تعالى؛ يلزم منه امتناع العلو؛ فقولهم: «إنه لو كان في العلو؛ لكان جسمًا؛ ولو كان جسمًا؛ لكان مركبًا من أجزاء؛ وهذا ممتنع»، هو معنى: «أنه واحد في ذاته …».
فأنواعُ التوحيد الثلاثة عند الأشاعرة؛ فيها حقٌّ وباطلٌ.
فإثباتُ أن الله تعالى واحد في أفعاله؛ حقٌّ، ونفي أن يكون له شريك يشاركه في أفعاله؛ حقٌّ، ونفي أن يكون تعالى متجزئًا أو متبعضًا؛ حقٌّ.
لكن إدخال نفي الصفات في مسمى التوحيد؛ باطلٌ، وكذا اعتقاد أن توحيد الربوبية؛ هو التوحيد المطلوب فقط، واعتقاد أن توحيد الربوبية؛ هو: معنى «لا إله إلا الله»؛ باطلٌ، وكذا تفسيرهم «الإله» بأنه القادر على الاختراع؛ باطلٌ، وكذا إغفالهم توحيد العبادة؛ باطلٌ.
* * *
[ ٦١٦ ]
فقد تبيَّن أن ما يسمونه توحيدًا فيه ما هو حقٌّ، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًا؛ فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله؛ لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ؛ بل لا بدَّ أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله.
وليس المراد ب «الإله»؛ هو: «القادر على الاختراع»، كما ظنَّه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن «الإلهية»؛ هي: «القدرة على الاختراع»، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره؛ فقد شهد أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه؛ بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يُعبد؛ فهو «إله» بمعنى «مألوه»، لا «إله» بمعنى «آله».
والتوحيدُ: أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراكُ: أن يجعل مع الله إلهًا آخر.
بعد أن ذكرَ الشيخُ أقسامَ التوحيدِ عندَ أهلِ الكلامِ، ومناقشتها، وما فيها مِنْ حق وباطل، بيَّن الشيخ أنه لو كان جميعُ ما ذكره أهل الكلام مِنْ أنواع التوحيد حقًا، وأقر به المشركون؛ لم يخرجوا بذلك من الشرك الذي وصفهم الله تعالى به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ، كما قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥].
[ ٦١٧ ]
فلا يخرجون من الشرك إلا بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، والابتعاد عن الشرك، الذي هو: اتخاذ إله آخر مع الله تعالى.
و«الإله» في اللغة العربية؛ هو: «المألوه» أي: المعبود، اسم مفعول، وليس معناه: «آله» اسم فاعل (^١)، فالإلهية استحقاق العبادة، وليست القدرة على الاختراع.
فمعنى «لا إله إلا الله» عند أهل الكلام: «لا خالق إلا الله»، أو: «لا قادر على الاختراع إلا الله»، وهذا هو توحيد الربوبية - توحيد الأفعال -، فعند أهل الكلام أن من أقرَّ بأن الله تعالى هو القادر على الاختراع؛ فقد شهد أنه لا إله إلا الله (^٢).
ومِن المعلوم أن المشركين كانوا يقرون بهذا، ولم يخرجهم إقرارهم بهذا عن كونهم مشركين.
* * *
_________________
(١) تقدم في ص ٤٦.
(٢) «درء التعارض» ١/ ٢٢٦ و٩/ ٣٧٧، و«الفرقان بين الحق والباطل» ص ٢٠٢.
[ ٦١٨ ]