والمقصود: أنَّ الروحَ إذا كانت موجودة، حية، عالمة قادرة، سميعة، بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفاتِ، والعقولُ قاصرةٌ عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيءُ إنما تدرك حقيقته؛ إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره.
فإذا كانتِ الروحُ متصفةً بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات؛ فالخالق أَولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته.
وأهلُ العقولِ؛ هم أعجزُ عن أنْ يَحُدُّوه أو يكيفوه منهم عن أنْ يحدوا الروح أو يكيفوها.
فإذا كان مَنْ نفى صفات الروح؛ جاحدًا معطلًا لها، ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات؛ جاهلًا ممثلًا لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات؛ فالخالق ﷾ أَولى أن يكون مَنْ نفى صفاته جاحدًا معطلًا، ومَن قاسه بخلقه جاهلًا به ممثِّلًا، وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات.
[ ٢٥٥ ]
بعد أن عرضَ الشيخُ أقوالَ الناس في الروح واضطرابهم فيها، وذكر سبب اضطرابهم، وحُكْمَ إطلاق اسم «الجسم» على الروح نفيًا أو إثباتًا، بعد هذا الاستطراد الذي لا بد منه: يَصل إلى المقصود الذي به إيضاح وجه الاستشهاد بالمثل الثاني؛ الذي هو: الروح.
وبيان ذلك: أن الروح الموصوفة بأنها موجودة، وحية، وعالمة، وقادرة، وسميعة، وبصيرة، وتصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، إذا كانتِ العقولُ قاصرةً وعاجزة عن تكييفها وتحديديها، والسبب في ذلك: عدم مشاهدتها، أو مشاهدة نظير لها، والشيء إنما تدرك حقيقته؛ إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره.
وإذا كانت تلك الروح الموصوفة بتلك الصفات مباينة لما هو مشاهد من الأجسام المخلوقة، وليست مماثلة لها، والعقولُ عاجزة عن تكييفها وإدراك حقيقتها؛ فالخالق ﷾ أَولى بمباينته لمخلوقاته - مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته -؛ من مباينة الروح لما سواها من المخلوقات.
(وأهلُ العقول أعجزُ عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها)، وهذا من باب قياس الأولى.
وهذا المثل يمكن أن يُردَّ به على أهل التكييف، وأهل التعطيل؛ فيرد به على أهل التكييف القائلين بتماثل صفات الخالق والمخلوق؛ لتوافقها في الاسم.
[ ٢٥٦ ]
ويُرد به على أهل التعطيل النافين لصفات الله تعالى بحجة أن إثبات صفات الله تعالى الموافقة في الاسم لصفات خلقه؛ يلزم منه التمثيل.
فيردُّ على الجميع بأن هذه الروح الموصوفة بما توصف به الأجسام المشاهدة من الوجود، والقبض، والإرسال، والصعود، والنعيم، والعذاب وغير ذلك، هذه الروح موصوفة بهذه الصفات حقيقة، وهي مباينة لما سواها من المخلوقات، ولا يلزم من وصفها بما توصف به الأجسام المشاهدة؛ أن تكون مماثلة لها.
وإذا كانت هذه المباينة حاصلة بين المخلوق الموصوف والمخلوق؛ فالخالقُ أعظمُ مباينة لخلقه بما يستحقه من الصفات من مباينة المخلوق للمخلوق.
وإذا كانتِ العقولُ عاجزةً عن إدراك حقيقة هذه الروح وتكييفها؛ فهي أعجز عن دَرْكِ حقيقة الباري تعالى، وتكييفه.
(وإذا كان مَنْ نفى صفاتِ الروحِ جاحدًا معطلًا لها)؛ وهم: الفلاسفة، (ومَن مثَّلها بما يشاهده مِنَ المخلوقات جاهلًا ممثِّلًا لها بغير شكلها)؛ وهم: أهل الكلام، (وهي مع ذلك: ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات)؛ فلا يُغيِّر غلط الغالطين فيها من الحقيقة شيئًا.
(فالخالقُ ﷾؛ أَوْلَى أن يكون مَنْ نفى صفاتِه جاحدًا معطلًا، ومَن قاسه بخلقه جاهلًا به ممثِلًا، وهو سبحانه ثابتٌ بحقيقة الإثبات،
[ ٢٥٧ ]
مستحقٌ لما له من الأسماء والصفات)، فلا يُغيِّر مذهب أهل التعطيل، ولا مذهب أهل التمثيل ممَّا يجب لله تعالى من الإثبات والتنزيه شيئًا.
* * *
[ ٢٥٨ ]