فإن قال: «العمى عَدَمُ البصرِ عمَّا من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر؛ كالحائط، لا يقال له: أعمى ولا بصير».
هذا اعتذار من الجهمية نفاة الأسماء والصفات لما قيل لهم: «إن نفيكم صفات الكمال عن الله تعالى؛ يلزم منه اتصافه بضدها من صفات النقص».
قالوا: «إن هذا يلزم لو كان النفي عمَّا من شأنه أن يقبل الاتصاف بهذه الصفات وضدها؛ كالبصر والعمى، والسمع والصمم؛ بالنسبة للإنسان، أما إذا نُفيت عمَّا لا يقبل الاتصاف بها؛ فلا يلزم من نفيها اتصافه بضدها أو نقيضها؛ لأنه لا يلزم من نفي ذلك؛ اتصافه بالصمم والعمى، كما لا يلزم من نفي الحياة عنه اتصافه بالموت».
فتضمن قولهم ذلك: أن الله تعالى لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال، فلا يلزم من نفيها عنه؛ اتصافه بضدها من النقائص؛ لأنه - بزعمهم - غير قابل لذلك كله.
والشيخ هنا يرد على الجهمية نفاة الأسماء والصفات.
[ ٢٧٤ ]
ويجيب عن اعتذار الجهمية هنا بأربعة أجوبة.
الجواب الأول، والثاني ب: المنع، والمعارضة.
والجواب الثالث، والرابع: على فرض التسليم.
* * *
[ ٢٧٥ ]
قيل له: «هذا اصطلاحٌ اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة، والسمع، والبصر، والكلام؛ يمكن وصفه بالموت، والعمى، والخرس، والعجمة».
وأيضًا: «فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإنَّ الله قادرٌ على جعل الجماد حيًا؛ كما جعل عصا موسى حية، ابتلعت الحبال والعصي».
هذان جوابان من الأجوبة الأربعة، وهما مبنيان على المنع.
فالجواب الأول:
يقال: إن القول بأن ما لا يقبل الاتصاف بالحياة - مثلًا - لا يوصف بالموت كالجدار؛ إن هذا اصطلاح اصطلحتموه.
والاصطلاحاتُ اللفظية؛ لا تنفي الحقائق العقلية؛ فليس في المعقول أنَّ ما لا يوصف بالحياة، والسمع، والبصر؛ يمتنع وصفه بالموت، والصمم، والعمى.
الجواب الثاني:
أن يقال لهم: لا نسلم بأن شيئًا من الموجودات لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات؛ بل كل موجود يقبلُ الاتصاف بهذه الصفات ونقائضها،
[ ٢٧٦ ]
فالجدار لا نقول: «إنه لا يقبل الاتصاف بالحياة والسمع والبصر»؛ لأن كلمة «لا يقبل» تعني: المستحيل - أي الممتنع لذاته - واللهُ تعالى قادر على أن يجعل الجماد حيًا.
وقدرةُ الرب نافذة وشاملة، (كما جعل عصا موسى) - وهي جماد -: (حية ابتلعت الحبال والعصي)؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون (١١٧)﴾ [الأعراف]؛ فصارت ثعبانًا بمجرد إلقائها، كما قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِين (١٠٧)﴾ [الأعراف]، وكذلك الطين الجماد الذي يعمله عيسى ﵇ يكون طيرًا حيًا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].
* * *
[ ٢٧٧ ]
وأيضًا: «فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظمُ نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس؛ أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس».
فإذا قيل: «إن الباري ﷿ لا يمكن اتصافه بذلك»، كان في ذلك من وصفه بالنقص؛ أعظم مما إذا وصف بالخرس، والعمى، والصمم، ونحو ذلك، مع أنه إذا جُعل غير قابل لهما؛ كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف يُنكِر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي؟!
بعد أن ذكر الشيخ جوابين بالمنع: ذكر الجوابينِ الآخرَينِ المبنيين على فرض التسليم، وهما: الثالث والرابع.
فالجواب الثالث:
أن يقال: ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات؛ أعظمُ نقصًا من القابل لها مع اتصافه بنقائضها؛ فالجدار الذي لا يقبل الاتصاف بشيء من هذه الصفات - على حد زعمهم -؛ أعظم نقصًا من القابل لها مع اتصافه بنقائضها؛ كالإنسان: الأعمى، والأخرس، والأصم.
[ ٢٧٨ ]
فالجدارُ أعظمُ نقصًا من هذا الإنسان الناقص، لأن الجدار - على زعمهم - لا يقبل الاتصاف بالكمال، فالاتصاف بصفات الكمال من الأمور المستحيلة بالنسبة للجدار، لكن الإنسان، الأصم، الأعمى، الأخرس؛ يقبل الاتصاف بصفات الكمال، وما يَقبل الكمالَ أكملُ مما لا يقبل.
ثم على قولهم: «إن الله تعالى لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال»؛ فيه تشبيه لله تعالى بالجمادات - على زعمهم بأن الجماد لا يقبل الاتصاف بمثل: الكلام، والسمع، والبصر -.
فكيف يُنْكِر مَنْ قال هذا على غيره - ممن يثبت لله صفات الكمال - زاعمًا أنها تشبيه بالحي؟!
فالتشبيهُ بالأحياء - لو فُرض -؛ خيرٌ من التشبيه بالجمادات.
* * *
[ ٢٧٩ ]
وأيضًا؛ فنفسُ نفي هذه الصفات نقصٌ، كما أن إثباتها كمالٌ، فالحياةُ من حيث هي، هي - مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها - صفةُ كمال.
وكذلك العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والفعل، ونحو ذلك.
وما كان صفة كمال؛ فهو ﷾؛ أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به؛ لكان المخلوقُ أكملَ منه.
الجواب الرابع:
على فرض أن العمى عدمُ البصر عمَّا مِنْ شأنه أن يقبل البصر، وأن عدم الحياة في الجدار لا يسمى موتًا؛ فإن نفي صفات الكمال نقصٌ، كما أن إثباتها كمال.
فنفي الحياة نقص؛ وإن لم يسمَّ في حق الجدار موتًا، ونفي السمع في حق الجدار نقص؛ وإن لم يسمَّ صممًا.
فالحياة من حيث هي، هي صفة كمال، بغض النظر عن الموصوف بها، سواء كان الرب أو الإنسان، وكذا باقي صفات الكمال.
ونفيها نقص؛ لأن مجرد نفي الكمال نقص.
[ ٢٨٠ ]
فإذا كانت الصفة من حيث هي، هي صفة كمال والمخلوق متصف بها، والخالق غير متصف بها؛ لزم من ذلك أن يكون المخلوقُ أكملَ من الخالق، وهذا ظاهرُ الفساد؛ لأن المخلوق لا يكون أفضل من الخالق (^١).
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٦/ ٨٨، و«الصفدية» ص ١٢٠، و«درء تعارض العقل والنقل» ٢/ ٢٢٢ و٣/ ٣٦٧ و٤/ ٣٧ و١٥٩ و٥/ ٢٧٣ و٦/ ١٣٥.
[ ٢٨١ ]