فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه؛ فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر؛ وهو: الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق، والتوحيد، والعلم، والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله ربُّ كل شيء ومليكُه وخالقُه؛ لا ينجيه من عذاب الله؛ إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بدَّ من الكلام في هذين الأصلين.
الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه ﷾ أخبر عن المشركين - كما تقدم - بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم، ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾ [يونس]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء الشفعاء مشركون.
[ ٦٣٥ ]
وقال تعالى عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُون (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين (٢٤) إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُون (٢٥)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُون (٩٤)﴾ [الأنعام]، فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء.
وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُون (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام].
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون (٢٨)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاء وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِير (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ
[ ٦٣٦ ]
لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء].
قالت طائفة من السلف: «كان أقوام يَدعون عُزيرًا، والمسيح، والملائكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيَّن فيها: أن الملائكة، والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه» (^١).
يذكر الشيخ هنا أصل الإسلام وأساسه، الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر؛ وهو: الإيمان بالوحدانية، والرسالة، أي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وبمخالفة شهادة التوحيد يقع الإنسان في الشرك، وبالإخلال بشهادة الرسالة يقع في البدعة.
وكثيرٌ من الناس أخلَّ بتحقيق هذين الأصلين، أو أحدهما، وهو يظن أنه قد حققهما؛ كمَن يقف عند شهود الحقيقة الكونية، والإقرار بتوحيد الربوبية.
_________________
(١) «تفسير الطبري» ١٤/ ٦٣٠.
[ ٦٣٧ ]
وهذا في الحقيقة لا ينجيه مِنْ عذاب الله تعالى إذا لم يقترن به شهادة أن لا إله إلا الله، واعتقاد أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، وشهادة أن محمدًا رسول الله بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.
ثم يفصل الشيخ في هذين الأصلين:
الأصل الأول: توحيد الإلهية، ويوضحه بأمرين:
١ - بذكر ضده؛ وهو: الشرك.
٢ - ذكر حقه تعالى على عباده.
فأما الأول؛ فيقول: (فإنه ﷾ أخبر عن المشركين بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله تعالى يدعونهم، ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾).
فأخبر الله تعالى أن المشركين لم يعبدوا ما عبدوا معتقدين أنهم ينفعون، أو يضرون، أو يملكون، أو يدبرون، وإنما عبدوهم على أنهم شفعاء ووسائط بينهم وبين الله تعالى.
وقد ذكر المؤلف ﵀ جملة من الآيات المبينة لحقيقة ما يُثبت وما يُنفى من الشفاعة.
فأبطل الشفاعة التي يظنها المشركون لآلهتهم، وأثبت الشفاعة التي تكون بإذنه ورضاه.
[ ٦٣٨ ]
فأما الشفاعة التي يظنها المشركون لآلهتهم؛ فهي: كشفاعة المخلوق عند المخلوق، حيث تكون بغير إذنه ولا رضاه؛ بل قد يقبل المشفوع عنده الشفاعة مضطرًا؛ لأنه يرجو الشافع، أو يخافه.
أما الله تعالى؛ فإن المُلك كلَّه له، فلا أحد يشفع إلا مِنْ بعد إذنه، ورضاه، ولهذا يأتي الكلام في اتخاذ المشركين لهم شفعاء مربوطًا بتفرده تعالى بالملك، كما قال ﷿: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُون (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
فأبطل تعالى ما ظنه المشركون من الشفاعة، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (١٨)﴾ [غافر] وقال: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين (٤٨)﴾ [المدثر].
والشفاعة المثبتة؛ هي التي تكون بإذن الله سبحانه للشافع أن يشفع؛ وهم: أولياء الله، وتكون لمن رضي عنه؛ وهم: أهل التوحيد، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «مَنْ أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (^١)، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاء وَيَرْضَى (٢٦)﴾.
وقد دلت هذه الآيات التي ذكرها المؤلف ﵀ على: أن هؤلاء الذين عبدوا ما عبدوا زاعمين أنهم يشفعون لهم؛ مشركون، كما في
_________________
(١) رواه البخاري (٩٩).
[ ٦٣٩ ]
آية يونس: قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾.
فاللهُ تعالى لا يَعْلَمُ أحدًا يشفع عنده بغير إذنه، ولا أحدًا يكون له شريكًا؛ أي: لا يوجد شيء من ذلك، فهؤلاء شركاء في الزعم والادعاء، وليسوا شركاء على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُون (٩٤)﴾.
فمن زعم إلهًا مع الله؛ فهو أعظم الناس إفكًا وكفرًا، ومن اتخذ شفعاء ووسطاء بينه وبين الله يدعوهم؛ فقد أشرك شركًا يناقض شهادة أن لا إله إلا الله، ويناقض التوحيد الذي هو أصل دين الرسل.
وهذا من بيان الشيء بضده، فبمعرفة الشرك؛ يعرف التوحيد.
والضدُّ يُظْهِر حسنَه الضدُّ (^١). وبضدِّها تتميزُ الأشياءُ (^٢).
_________________
(١) عجز بيت، وصدره: ضدان لما استجمعا حَسُنا من القصيدة اليتيمة. وفي نسبتها خلاف، والأكثر على أنه لا يُعرف قائلها. «القصيدة اليتيمة» ص ٣٠.
(٢) عجز بيت، وصدره: ونذيمُهم وبهم عرفنا فضله للمتنبي ديوانه ص ١١٧. نذيمهم= نعيبهم، وهناك: تتبيَّن.
[ ٦٤٠ ]
وكثيرٌ ممن عاش في الكفر؛ يكون أعرف بكمال الإسلام ومحاسنه ممَّن ولد في الإسلام، وعافاه الله من ظلمات الكفر.
فالصحابةُ ﵃ مع أن أكثرهم عاش في الكفر والشرك؛ هم أكمل الناس إيمانًا، وهم أعرف الناس بسوء الكفر، وقبح الجاهلية.
وفي أثر عمر بن الخطاب ﵁ المشهور: «إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» (^١).
ومعرفةُ الجاهلية قد تكون بالعيش فيها قبل الدخول في الإسلام، وقد تكون بالتعلم.
* * *
_________________
(١) لم أجد هذا اللفظ إلا في كتب ابن تيمية وابن القيم، ولم يذكرا مَنْ أخرجه، ووجدت أثرًا عن عمر ﵁ لفظه: «قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب، إذا ساس أمرهم مَنْ لم يصحب الرسول، ولم يعالج أمر الجاهلية». رواه ابن سعد في «الطبقات» ٨/ ٢٥٠، والبغوي في «مسند ابن الجعد» ص ٣٤٤، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١٧/ ٣٣٢، والحاكم ٤/ ٤٢٨، والبيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» ١٢/ ٢٠٤، من طريق شبيب بن غرقدة عن المستظل بن الحصين عن عمر به، وسنده صحيح، ولفظ ابن الجعد: «… إذا ساسهم من لم يصحب الرسول؛ فيقيده الورع، أو يدرك الجاهلية؛ فيأخذ بأحلامهم»، وهذه الرواية تدل على معنى غير الذي قرره شيخ الإسلام من الأثر في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٣٠١، و«درء التعارض» ٥/ ٢٥٩، وغيرها، وابن القيم في «الفوائد» ص ١٥٩، و«مدارج السالكين» ١/ ٣٥١.
[ ٦٤١ ]
ومِن تحقيق التوحيد أن يُعلم أن الله تعالى أثبتَ له حقًا لا يَشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة، والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى، قال تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولا (٢٢)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (١١)﴾ [الزمر].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُون (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِّنْ الشَّاكِرِين (٦٦)﴾ [الزمر]، وكل مَنْ أرسل مِنْ الرسل يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩ و٦٥ و٧٣ و٨٥].
الثاني مما يوضح به الشيخ حقيقة التوحيد، قوله: (ومن تحقيق التوحيد أن يُعلم أن الله تعالى أثبت له حقًا لا يَشركه فيه مخلوق) فتحقيق التوحيد يكون ب: تركٍ، وفعلٍ؛ ترك عبادة غير الله من أنواع الشرك، وفعل العبادة لله تعالى، وهذا معنى «لا إله إلا الله».
فمَن عبد مع الله غيره؛ لم يكن موحدًا، ولو عبد الله تعالى، ومَن لم يعبد الله تعالى؛ لم يكن موحدًا، وإن لم يعبد غير الله.
[ ٦٤٢ ]
فالتوحيدُ يكون بعبادة الله وحده لا شريك له؛ على حد قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقول الرسل لأممهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾».
فالله تعالى قد يأمر بعبادته، وقد ينهى عن الشرك به، وقد يقرن بينهما كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
والله تعالى أمر بعبادته على وجه العموم؛ كما أمر بأنواع من العبادة على وجه الخصوص.
فمن الأول: قوله تعالى على لسان الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقوله: ﴿أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (١١)﴾، وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِّنْ الشَّاكِرِين (٦٦)﴾.
ومن الثاني، وهو: الأوامر الخاصة ببعض العبادات؛ كما في قوله تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة]، وقوله في الخوف: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران]، وهكذا بقية العبادات؛ كالخشية، والتقوى، والصلاة، والصيام، وغير ذلك.
* * *
[ ٦٤٣ ]
وقد قال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة]، ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (١٢)﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون (٣٨)﴾ [الزمر].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُون (٥٩)﴾ [التوبة]، فقال في الإيتاء: ﴿مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وقال في التوكل: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ﴾ ولم يقل: «ورسوله»؛ لأن الإيتاء؛ هو: الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن: الإباحة، والإحلال، الذي بلَّغه الرسول، فإن الحلال ما حلَّله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وأما الحسب؛ فهو: الكافي، والله وحده كافٍ عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران]، فهو وحده حسبهم كلهم.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين (٦٤)﴾ [الأنفال]، أي: حسبك، وحسب مَنْ اتبعك مِنْ المؤمنين؛ هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد: أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كافٍ نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسبًا للرسول، وهذا في اللغة؛ كقول الشاعر:
[ ٦٤٤ ]
فحسبُك والضحاكَ سيفٌ مهندُ
وتقول العرب: حسبُك وزيدًا درهم، أي: يكفيك وزيدًا - جميعًا - درهمٌ.
هذا كله في تقرير «الأصل الأول»، وبيان أن التوحيد لا يتحقق إلا بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.
ويذكر الشيخ هنا بعض العبادات التي أمر الله بها وأدلتها، فمِن ذلك: التوكل؛ كما قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾، فالتوكل على الله وحده دون ما سواه، وهذا يؤخذ من أسلوب الحصر، وهو: تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، فهو مثل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] (^١)، فلا يُتوكل إلا على الله؛ كما لا يعبد سواه.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافيه مما يخاف.
ومدح الله المؤمنين الذين قالوا عند تخويفهم بجمع الناس: ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾، فهو وحده حسبهم كلهم.
_________________
(١) تقدم توثيق ذلك من كتب البلاغة في ص ٣١٥.
[ ٦٤٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُون (٥٩)﴾، فجعل الإيتاء لله ورسوله، والإيتاء؛ هو: الإعطاء الشرعي المتضمن: الإباحة، والإحلال، الذي بلغه الرسول ﷺ، فالطاعة في ذلك تكون للرسول؛ كما تكون لله قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾؛ فالحلال ما حلَّله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه (^١).
فالإيتاء الشرعي؛ يكون من الله تعالى ابتداء، ومن الرسول ﷺ بلاغًا، وإذا رَزق الله العبدَ مالًا حلالًا؛ فهذا إيتاء شرعي، وكوني، وينفرد الإيتاء الكوني فيما يحصل للعبد مِنْ كسب حرام.
وأما الحسب؛ فهو: الكافي، والله وحده كافٍ عبده، ولهذا كان الحَسْبُ والرغبة لله وحده، فلا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين (٦٤)﴾ أي: الله وحده كافيك وكافٍ مَنْ اتبعك من المؤمنين، وهذا هو التفسير الصحيح للآية، وليس معناها ما قاله بعضهم مِنْ أن المراد: «أن الله والمؤمنين حسبك»، فإن هذا غلط؛ بل الله وحده كافٍ نبيه، وكافٍ عباده المؤمنين.
_________________
(١) «منهاج السنة» ٢/ ٤٤٦، و«التوسل والوسيلة» ص ٢٩٣، و«العبودية» ص ١٥٤ و٢٣٤، و«مجموع الفتاوى» ١١/ ٤٩٨.
[ ٦٤٦ ]
ويتبيَّن الفرق بين القولين بالكلام في إعراب الموصول (^١):
فقوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللّهُ﴾ «حَسْبُ»: مبتدأ؛ وهي: مضاف، و«الكاف»: مضاف إليه، و«لفظ الجلالة»: خبرٌ.
وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾: الواو عاطفة على الضمير المجرور - وهو: الكاف -، ولا بأس - على الصحيح (^٢) - من العطف على الضمير المتصل المجرور، ولو من غير إعادة العامل، والمعنى: «حسبُك ومَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين اللهُ»، ف «مَنْ» هنا معطوفة على الضمير المجرور.
أو تكون «الواو» عاطفة لجملة على جملة، أي: «حسبك الله، ومَنِ اتبعك مِنْ المؤمنين حسبهم الله كذلك»، فتكون «مَنْ» مبتدأ.
أو تكون «الواو» للمعية؛ فإن العرب تقول: «حسبك وزيدًا درهم»، أي: يكفيك وزيدًا معك درهمٌ، ف «الواو» للمعية، و«زيدًا» منصوبٌ على المعية؛ فتكون «مَنْ» هنا في موضع نصب.
ومن ذلك قول الشاعر:
فحسبُك والضَّحاكَ سيفٌ مهندُ (^٣)
_________________
(١) انظر: إعراب الآية في: «معاني القرآن» للفراء ١/ ٤١٧، و«الكشاف» ٢/ ٢٢٢، و«التبيان في إعراب القرآن» ص ١٨٠، و«البحر المحيط» ٤/ ٥١٠، و«الدر المصون» ٥/ ٦٣١، و«اللباب في علوم الكتاب» ٩/ ٥٦٠، وهناك تجد القولين وحججها.
(٢) وهو رأي الكوفيين، ومنعه البصريون، انظر أدلتهم في: «الإنصاف في مسائل النحو» ٢/ ٤٦٣، ورجحه شيخ الإسلام في «منهاج السنة» ٧/ ٢٠٢، وابن القيم في «زاد المعاد» ١/ ٣٥.
(٣) عجزُ بيتٍ، وصدره: «إذا كانتِ الهيجاءُ وانْشَقَّتِ العصا» وهو مذكور في المراجع السابقة في إعراب الآية - عدا «التبيان» -، وفي غيرها من كتب التفسير واللغة، ولم يُذكر قائله.
[ ٦٤٧ ]
وقيل: إن «الواو» عاطفة، و«مَنْ» معطوف على «لفظ الجلالة»، وهذا القول ضعيف؛ بل هو غلط؛ لأن معناه: أن الله والمؤمنين حسب الرسول؛ فيقال: فمَن حسب المؤمنين إذًا؟! (^١)
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين (٦٢)﴾ [الأنفال]، فما يحصل للنبي ﷺ من نصرة المؤمنين، فإنه من كفاية الله؛ فإنه ﷾؛ هو الذي قيَّض المؤمنين، وأيدهم، ووفقهم حتى قاموا بما يجب عليهم من نصرة النبي ﷺ.
* * *
_________________
(١) «العبودية» ص ١٥٤، و«منسك شيخ الإسلام» ص ١٥٨، و«مجموع الفتاوى» ٢٧/ ١٠٥، و«منهاج السنة» ٧/ ٢٠١، و«اقتضاء الصراط المستقيم» ٢/ ٣٦٦، و«الإخنائية» ص ٤٨٧، و«زاد المعاد» ١/ ٣٦.
[ ٦٤٨ ]
وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون (٥٢)﴾ [النور]، فأثبت الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِين (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون (٣)﴾ [نوح]، فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران]، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨١)﴾ [الأنعام]، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: «أينا لم يظلم نفسه»؟ فقال النبي ﷺ: «إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان]»، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُون (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]، و﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُون (٤١)﴾ [البقرة].
[ ٦٤٩ ]
من العبادات التي ذكرها الشيخُ، وذكر أدلةً لها: الخوف، والخشية، والتقوى، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُون (٤١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُون (٤٠)﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون (٥٢)﴾.
فجعَل الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، وقال جل وعلا عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾، والمراد ب «الظلم» هنا: «الشرك»، كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟» قال: «ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه، وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾» (^١).
والظلم ثلاثة أنواع: ظلم العبد لنفسه بالشرك، وظلم العبد لنفسه بالمعاصي، وظلم العبد لغيره مِنْ المخلوقين؛ بالاعتداء على أموالهم، وأعراضهم، ودمائهم، وسائر حقوقهم.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٢٩) - واللفظ له -، ومسلم (١٢٤).
[ ٦٥٠ ]
فمَن سَلِم مِنَ الظلم كلِّه؛ فاز بالأمن التام، والهدى التام، ومن سلم مِنَ الشرك الأكبر، ولكنه خلط إيمانه ولَبَسَه بشيء من ظلم النفس، أو ظلم العباد؛ نقص مِنْ أمنه، وهدايته بقدر ما معه مِنْ ذلك الظلم.
ومن لَبَسَ إيمانه بشيء من الشرك الأكبر؛ فلا أمن له، ولا هدى، ومآله إلى النار، وبئس القرار.
فكلُّ من أتى بالتوحيد، وسَلِم من الشرك الأكبر؛ حصل له أمن، فأصل التوحيد؛ يعصم صاحبه من الخلود في النار.
وكمال التوحيد؛ يعصم صاحبه من دخول النار؛ ف «إن الله حرم على النار؛ مَنْ قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (^١)، فمن قالها خالصًا من قلبه، وصدقًا من قلبه؛ لم يدخل النار؛ لأنه حقق التوحيد، وابتعد عن كل ما يَنقُضه أو يُنْقِصه.
فمَن أكل الربا، أو مال اليتيم؛ لم يحقق التوحيد، بل هو متوعد بالنار، وهو تحت مشيئة الله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
* * *
_________________
(١) هذا نص حديثٍ رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) من حديث عِتبان بن مالك ﵁.
[ ٦٥١ ]
ومِن هذا الباب أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «مَنْ يطع الله ورسوله؛ فقد رشد، ومن يعصهما؛ فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا» (^١)، وقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد»، ففي الطاعة قَرَن اسم الرسول باسمه بحرف «الواو»، وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف «ثم»، وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمَن يطعِ الرسول؛ فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة للرسول.
بخلاف المشيئة، فليست مشيئةُ أحدٍ من العباد مشيئةً لله، ولا مشيئةُ الله مستلزمة لمشيئة العباد؛ بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله.
يبيِّن الشيخ هنا الفرق بين ما يختص الرب به، وما هو مشترك؛ فهو من حق الله تعالى، وحق الرسول ﷺ، وهذا يتبيَّن في الطاعة، فطاعة الله تعالى وطاعة رسوله متلازمتان، فطاعة الله طاعة للرسول، وطاعة الرسول طاعة لله، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولهذا فإن الأنبياء يأمرون بطاعتهم، كما في قوله تعالى عن نوح، وهود، وغيرهما: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون﴾ [الشعراء: ١٠٨ و١٢٦ و١٤٤ و١٦٣]
وليس أحد من الخلق يطاع طاعة مطلقة إلا الرسول، أما غيره ممَّن يؤمر بطاعتهم؛
_________________
(١) رواه أبو داود (١٠٩٧) والطبراني في «الكبير» ١٠/ ٢١١، وقال النووي في «شرح مسلم» ٦/ ٣٩٧: «إسناده صحيح»، وقال ابن الملقن في «التوضيح» ٢/ ٥٣٠: «إسناده جيد»، وقال ابن حجر في «موافقة الخُبْر الخَبَر» ١/ ٣٥: «لا يصح؛ لأنه من رواية أبي عياض، وهو مجهول لا يعرف اسمه ولا حاله». وانظر: «خطبة الحاجة» ص (١٥).
[ ٦٥٢ ]
فطاعتهم مقيدة، كما قال الرسول ﷺ: «إنما الطاعة في المعروف» (^١).
وعلى ذلك يجوز أن تعطف طاعة الرسول على طاعة الله بحرف «الواو»؛ فتقول: أطيعوا الله ورسوله، أو أطيعوا الله والرسول، كما قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٣].
أما المشيئة؛ فلا يجوز عطفُ مشيئةِ أحد على مشيئة الله تعالى بحرف «الواو»، فلا تقل: ما شاء الله وشئت، ولا ما شاء الله وشاء فلان؛ بل إما أن تقول: ما شاء الله وحده، أو تقول: ما شاء الله، ثم شاء فلان، كما في حديث: («لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد») (^٢)، فعطفُ مشيئة المخلوق على مشيئة الله تعالى بحرف «الواو» مِنْ الشرك الأصغر في الألفاظ.
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٧٢، والدارمي ٢/ ٧٤٩ - واللفظ له - وصححه الحاكم ٣/ ٤٦٣، والضياء في «المختارة» ٣/ ٢٤٧ من حديث الطفيل بن سَخْبَرة ﵁.
[ ٦٥٣ ]
ويعلل الشيخ النهي عن عطف مشيئة العبد على مشيئة الله بحرف «الواو» بأنه (ليست مشيئةُ أحدٍ من العباد مشيئةً لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد).
فلا تلازم بين مشيئة العبد ومشيئة الله، فقد يشاء الله تعالى ما لا يشاء العبد، وقد يشاء العبد ما لا يشاء الله، ولكن لا تكون مشيئة العبد إلا أن يشاء الله، فمشيئة الله تتعلق بمشيئة العبد، وبما شاءه العبد، فاللهُ تعالى شاء مشيئة العبد، وشاء حصول ما شاءه العبد، فتكون مشيئة العبد وما شاءه العبد؛ كلٌّ منهما قد شاءه الله.
وأحيانًا: تكون مشيئة العبد - وذلك بمشيئة الله - ولكن لا يكون ما شاء العبد؛ لأن الله تعالى لم يشأه.
وأحيانًا: يكون الأمر بما لم يشأه العبد، فمشيئة الله تعالى قد تتعلق بمشيئة العبد وبما شاءه العبد وحصل منه، وأحيانًا تتعلق بأحدهما دون الآخر.
فلا تلازم بين مشيئة الله تعالى ومشيئة العبد، فما شاء الله كان وإن لم يشإ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله.
وإذا كان الأمر كذلك؛ لم يصح عطف مشيئة العبد على مشيئة الله تعالى بحرف «الواو» المقتضية للتسوية؛ بل ب «ثم» المقتضية للترتيب والتراخي؛ لأن مشيئة العبد متراخية عن مشيئة الله، ومترتبة على مشيئة الله تعالى.
[ ٦٥٤ ]
وفي هذا المعنى قال الإمام الشافعي ﵀:
ما شئتَ كان وإنْ لم أشأ … وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ
خَلقتَ العبادَ على ما علمتَ … ففي العلمِ يجري الفتى والمسنْ
على ذا مننتَ، وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ، وذا لم تُعنْ
فمنهم شقيٌ، ومنهم سعيد … ومنهم قبيحٌ، ومنهم حسنْ (^١)
* * *
_________________
(١) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ٤/ ٧٧٧، و«الأسماء والصفات» ص ١٧١.
[ ٦٥٥ ]