الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحُكمِه، وأمثال ذلك، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِين (٦٢)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ﴾ [التوبة: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأمثال ذلك.
الأصل الثاني: هو الإقرار بالرسالة، وهو مضمون شهادة أن محمدًا رسول الله، وهو الأصل الثاني الذي يتميز به أهل الإسلام من أهل
[ ٦٥٦ ]
الكفر، والأصل الأول هو توحيد الألوهية الذي هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذا الأصل الثاني الذي هو مضمون شهادة أن محمدًا رسول الله؛ يتبيَّن بمعرفة ما تقتضيه هذه الشهادة، فهي متضمنة الإقرار برسالته إلى الناس كافة؛ بل إلى الثقلين: الجن والإنس، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا يسع أحدًا الخروجُ عمَّا جاء به، كما تتضمن وتقتضي: محبته، وإرضاءه، والتحاكم إليه، وطاعته طاعة مطلقة، واتباع ما جاء به (^١).
وهذا عنوان محبة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وطاعته تكون باتباع أمره، واجتناب نهيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين (١٤)﴾ [النساء].
ومن مقتضيات هذه الشهادة تحكيمه ﷺ في كل صغير وكبير من أمور الدين، والرضا والتسليم لحكمه، على حد قوله تعالى:
_________________
(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» ٢/ ٣٦٧، و«مجموع الفتاوى» ١١/ ٤٥٢ و١٩/ ١٠٢، و«الوصية الكبرى» ص ٤٢٢، و«إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» ص ٩.
[ ٦٥٧ ]
(﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾).
ولعل هذه الآية أعظم وأبلغ آية في بيان حق الرسول ﷺ، فإن الله تعالى نفى الإيمان عمَّن لم يحكم الرسول بأبلغ عبارة؛ فقال: ﴿فَلَا﴾، وأكد هذا النفي بالقسم بأعظم مقسم به؛ فقال: ﴿وَرَبِّكَ﴾، وفي تخصيص هذا الوصف، وهو ربوبيته للرسول؛ تنبيه على أن هذا التشريف، وهذا التفضيل، والتنويه؛ هو من آثار ربوبيته تعالى لنبيه ﷺ.
وكرر أداة النفي «لا» في قوله: ﴿فَلَا﴾ وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ثم لم يقتصر الأمر على مجرد التحكيم؛ بل شرط مع ذلك عدم وجود الحرج في النفوس، كما شرط التسليم المطلق.
فمَن لم يحقق هذه الصفات؛ فهو ناقص الإيمان، أو عديم الإيمان، ومن الآيات الدالة على وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على سائر الخلق آية المحبوبات الثمانية في سورة براءة؛ وهي: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية.
ومن مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله؛ التقيد بشرعه، وعدم الإحداث فيه؛ لأن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وقد قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد» (^١)، فكل عبادة، وكل عقيدة، وكل دين يتدين به شخص؛ لم يرد في الشرع؛
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.
[ ٦٥٨ ]
فهو بدعة مردودة على صاحبها، وهي مخالفة لحقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله.
وأعظم الناس ضلالًا في هذا الأصل من اعتقد أن أحدًا يسعه الخروجُ عن شريعة محمد ﷺ.
فالمخالفون لهذا الأصل الثاني «شهادة أن محمدًا رسول الله»؛ إما أن يكونوا مكذبين، أو مبتدعين.
كما أن المخالفين للأصل الأول «التوحيد»؛ إما أن يكونوا مشركين، أو مستنكفين عن عبادته ﷾.
* * *
[ ٦٥٩ ]