فأمَّا الأول؛ وهو: «التوحيد في الصفات»؛ فالأصل في هذا الباب: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسُلُه نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه.
قوله: (فالأصل في هذا الباب ..) أي: الحكم الواجب في مسائل هذا الباب.
قوله: (أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسُلُه نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه) هذه القاعدة في هذا الباب، وهذا هو تحقيق الإيمان بالله، وبكتابه، ورسله، فمِن الإيمان بالله، وكتبه، ورسله: الإيمانُ بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، فهذا داخل في مثل قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨].
[ ٨٦ ]
ولهذا قال الإمام أحمد: «لا يُوصف الله إلا بما وصفَ به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (^١)، وقال نعيم بن حماد: «مَنْ شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيهًا» (^٢).
فمن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر؛ لأنه مكذبٌ لما أخبر الله به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله، ومن شبَّه الله بخلقه؛ فقد كفر؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم].
ومن وصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه؛ فإنه قائلٌ على الله تعالى بلا علم، وممَّا حرمه الله تعالى على عباده: القول عليه من غير علم، وممَّا يأمر به الشيطان: القول على الله بغير علم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُون (١٦٩)﴾ [البقرة]، وهذا معنى قولنا: «إنَّ أسماءَ الله تعالى وصفاته توقيفيةٌ»،
_________________
(١) «الفتوى الحموية» ص ٢٧١، و«جامع المسائل» ٣/ ١٩٥.
(٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ٣/ ٨٧، و«تاريخ دمشق» ٦٢/ ١٦٣، و«العلو» ٢/ ١٠٩٣. ونعيم بن حماد؛ هو: الخزاعي الإمام، العلامة، صاحب التصانيف، كان صلبًا في السنة، شديدًا على الجهمية، روى عن عبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن معين، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم. قال الخطيب البغدادي: «إن أول من جمع المسند وصنفه؛ نعيمٌ». توفي عام ٢٢٩ هـ. «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥٩٥.
[ ٨٧ ]
يعني: يوقف فيها مع النصوص، فما دلت النصوص على ثبوته؛ أثبتناه، وما دلت على نفيه؛ نفيناه، وما سكتت عنه؛ سكتنا عنه؛ فلا نثبته، ولا ننفيه، فمن أثبت شيئًا أو نفاه بغير دليل؛ فهو قائلٌ على الله بغير علم، فالأمور ثلاثة:
١ - ما دلت النصوص على إثباته؛ وجب إثباته.
٢ - وما دلت على نفيه؛ وجب نفيه.
٣ - وما لم تدل على إثباته أو نفيه؛ وجب الإمساك عنه، فممَّا يجب إثباته له تعالى: الحياة، والسمع، والبصر، والاستواء على العرش، والمحبة، والغضب؛ ومن أسمائه: الصمد، الحي، القيوم، العلي، كما سيأتي (^١).
ومن الأمور التي يجب نفيها عنه؛ ما نفاه عن نفسه من: النوم، والسِّنة، والأَوْد (^٢)، واللغوب، والنسيان، والصاحبة، والولد، وغيرها.
وكذلك مما يجب نفيه عنه فيما يُثْبتُ له: مماثلة المخلوقات، فنثبتُ له ما أثبته لنفسه مع نفي مماثلته لخلقه.
وأما ما لم تدل النصوص على إثباته ولا على نفيه؛ فنُمسِك عنه نفيًا وإثباتًا، مثل: الأُذُنِ، فالسمعُ ثابتٌ له تعالى بالسمع، والعقل، أما الأذن؛ فيجب الإمساك عنها نفيًا وإثباتًا.
_________________
(١) ص ١٢١.
(٢) قال تعالى: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: لا يشق عليه، ولا يثقله. «تفسير الطبري» ٤/ ٥٤٢.
[ ٨٨ ]
وكذلك أصابع القدمين، فيثبت لله سبحانه صفة القدمين، ويمسك عن أصابعهما نفيًا وإثباتًا، وأما الأصابع التي جاءت بها النصوص؛ فهي أصابع اليد، كما في حديث: «إن الله يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الملك» (^١).
ويبين ذلك: دلالة الكتاب والسنة على أن الله تعالى يأخذ السموات والأرض بيديه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال النبي ﷺ: «يأخذ الله ﷿ سمواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله، أنا الملك» (^٢).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤١٤)، ومسلم (٢٧٨٦) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) رواه مسلم (٢٧٨٨) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٨٩ ]
وقد عُلِم أنَّ طريقةَ سلفِ الأمةِ وأئمتِها: إثباتُ ما أثبته من الصفات من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه - مع ما أثبته من الصفات - من غير إلحاد، لا في أسمائه، ولا في آياته، فإن الله ذمَّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤٠)﴾ [فصلت].
فطريقتهم تتضمنُ إثباتَ الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه، والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ رد للإلحاد، والتعطيل.
طريقة سلف الأمة وأئمتها هي ما تقدم تقريره في الأصل الواجب في هذا الباب (^١)؛ وهي: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير
_________________
(١) ص ٨٦.
[ ٩٠ ]
إلحاد في أسمائه، ولا في آياته، فطريقتهم؛ هي: الصراط المستقيم، وهي: الحق الذي دل عليه السمع، والعقل.
فإن العقل والفطرة كليهما يقتضي أن الله تعالى مستحقٌ لكلِّ كمال، ومستحق لتنزيهه عن كلِّ نقص، فإذا كان المخلوق يوصف بالكمالات؛ فالله سبحانه أحق بالكمال، ف (كلُّ كمال يوصف به المخلوق لا نقص فيه؛ فالخالق أولى به، وكلُّ نقص ينزه عنه المخلوق؛ فالخالق أولى بالتنزيه عنه)؛ فهو تعالى أحقُّ بكلِّ كمالٍ، وأحقُّ بالتنزيه عن كلِّ نقص.
وقد دل السمع على ذلك، فقد جاء بإثبات الأسماء الحسنى، والصفات العلى لله تعالى إجمالًا وتفصيلًا، وجاء بتنزيهه تعالى عن النقائص والعيوب، وعن مماثلة المخلوقات.
إذًا؛ فطريقةُ سلف الأمة مستمدةٌ من الكتاب والسنة، فهم يعتمدون في هذا الباب على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وما جاء في الكتاب والسنة؛ هو موجَب العقل والفطرة؛ فالعقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح، ولا يعارضه.
وطريقةُ سلفِ الأمة وأئمتِها طريقةٌ مثلى، ووسط بين مذاهب الناس، فإن الناس اضطربوا في «باب الأسماء والصفات»، وصاروا فرقًا متناقضة متفرقة، وأهل السنة والجماعة هم الوسط بين أهل الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير (^١).
فأهلُ التعطيل أفرطوا في التنزيه، وفرَّطوا في الإثبات؛ وهم: الجهمية، ومَن تبعهم.
_________________
(١) «العقيدة الواسطية» ص ١٤٦.
[ ٩١ ]
وأهل التشبيه أفرطوا في الإثبات، وفرَّطوا في التنزيه، فلم ينزهوا الله تعالى عن مماثلة المخلوقات.
وأهل السنة والجماعة توسطوا، فلا إفراط ولا تفريط، ولذلك أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ؛ إثباتًا بلا تشبيه، فخالفوا المعطلة والمشبهة، حيث أثبتوا إثباتًا بلا تشبيه، ونزهوا الله عن جميع النقائص والعيوب، فخالفوا الطائفتين.
وبرئ مذهب أهل السنة والجماعة من البدع التي وقع فيها غيرهم في كلام الله تعالى، وفي كلام رسوله ﷺ، وفي أسماء الله وصفاته، فلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا إلحاد، فهذه خمسةُ معانٍ باطلةٌ ومنكرةٌ.
أما أهل الضلال؛ فهم بين: معطلٍ، وممثلٍ، ومحرِّفٍ، ومفوِّضٍ، والكل ملحد في أسماء الله، وفي آياته.
قوله: (سلف الأمة وأئمتها) أصل السلف: «مَنْ يتقدم غيره» (^١)، ولا سيما من تقدم قومه أو جنسه؛ فإنه يكون سلفًا لهم، فسلفُ الكفار: مَنْ تقدم منهم، وسلفُ الأخيار: مَنْ تقدم منهم؛ فسلفُ هذه الأمةِ: صدرُها. وأصدقُ من تنطبق عليه هذه الكلمة: الصحابة، فإنهم سلفُ هذه الأمة الوسطُ الخِيارُ.
والسلفُ والخلفُ من الأمور النسبية، فكلُّ من تقدم غيره وجنسه؛ يكون سلفًا، فالصحابة سلف الأمة على الإطلاق، ولكن التابعون
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» ٣/ ٩٥.
[ ٩٢ ]
وتابعوهم؛ هم سلف لمن جاء بعدهم، فالسَّلفيُّ حينئذٍ؛ هو: المقتفي للسلف الصالح، والمهتدي بهديهم.
وهذه الأمة لها أئمة وعامة؛ فالأئمة؛ هم: العلماء العاملون، وقد اجتمعت أوصاف الإمامة في الخلفاء الراشدين ﵃؛ فإنهم أئمة في العلم، وفي العمل، وفي الولاية.
ولكن المراد هنا: الأئمة في العلم والدين، وعطفُ الأئمةِ على السلف؛ مِنْ عطف الخاص على العام.
قوله: (من غير تكييف) التكييفُ مأخوذ من الكيفية؛ وهي: «هيئة الشيء التي هو عليها»، ويستفهم عن الحال ب «كيف» (^١)، فالتكييف: تحديد كُنْهِ الصفة، أو السؤال عنها ب «كيف»؛ لأن السائل عنها ب «كيف» يريدُ تحديدَها وبيانَ كُنهِها، فصفاتُ الله سبحانه لا يجوز تكييفها والتعرض لكيفيتها، ولا السؤال عن ذلك.
والتكييفُ هو الذي نصَّ العلماء على نفيه ونفي العلم بالكيفية، وقالوا في نصوص الصفات: «تُمَرُّ كما جاءت بلا كيف» (^٢)، أي: دون السؤال عن كيفيتها، ودون تكييف لها.
وقال الأئمة في الاستواء ونحوه: «الاستواء معلوم - أو: غير مجهول - والكيف مجهول» (^٣).
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» ٥/ ١٥٠.
(٢) «جامع الترمذي» ٢/ ٤٣، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ٣/ ٥٨٢.
(٣) «الرد على الجهمية» للدارمي ص ٦٦، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، و«عقيدة السلف أصحاب الحديث» ص ٣٧ - ٤٠، و«الأسماء والصفات» ص ٣٧٩، و«شرح حديث النزول» ص ١٣٢، وانظر: «الأثر المشهور عن الإمام مالك في صفة الاستواء».
[ ٩٣ ]
فالكيفية لا يجوز للعبد التعرض لها، ولكن صفات الله تعالى لها كيفية لا نعلمها، فأهل السنة لا ينفون الكيفية، ولكن ينفون التكييف، فهم ينفون العلم بالكيفية، فلا يعلم كيف هو إلا هو، ولا يعلم كيفية صفاته إلا هو.
قوله: (ولا تمثيل) التمثيل: مأخوذ من «المِثل»، وهو: «النظير» (^١)، فالتمثيل؛ هو: «الحكم على الشيء بأنه مِثلٌ لشيء آخر»، والمراد بالتمثيل هنا: «تمثيل الخالق بالمخلوق، أو: تمثيل المخلوق بالخالق».
والتشبيهُ الذي قامت الأدلة على نفيه وإبطاله؛ هو: «وصف الخالق بخصائص المخلوق، أو: وصف المخلوق بخصائص الخالق».
وهذا المقام اضطرب فيه الناس، ونشأ عنه ما نشأ من التعطيل (^٢)، فإن المعطلة قالوا: «إنَّ إثباتَ الصفات لله تعالى تشبيهٌ»، فأوجب لهم هذا أن ينفوا الصفات؛ لأنهم قالوا: «إن المخلوقات توصف بهذه الصفات، فلو أثبتنا لله الصفات؛ للزم من ذلك التمثيل»؛ فنفوها، هذه هي شبهتهم.
ولكن التشبيه الذي ورد نفيه وإبطاله في النصوص؛ هو: وصف الله بخصائص المخلوق، أو: العكس، ف «العِلمُ» ليس من خصائص الخالق، فإن المخلوق يوصف ب «العلم» أيضًا، وهكذا «السمع»، «والبصر»، ونحوها، فمطلقُ «العلم»، و«السمع»، و«البصر» - مَثلًا - معانٍ مشتركةٌ في اللفظ والمعنى.
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» ٥/ ٢٩٦.
(٢) «الصفدية» ص ١٢٩.
[ ٩٤ ]
فاللهُ تعالى يوصف ب «العلم» حقيقة، لكن «العلم» المختص به ﷾، والمخلوقُ يوصف ب «العلم» حقيقة، لكن المناسب له، فوصف المخلوق حينئذٍ ب «العلم»؛ ليس فيه تشبيهُ المخلوق بالخالق، ووصف الخالق ب «العلم» - مَثلًا - ليس فيه تشبيه الخالق بالمخلوق.
ف «العلمُ» المحدَث المحدود؛ هو من خصائص المخلوقِ، والعلمُ الأزلي، المحيط بكل شيء، الذي لا تبلغ العقول كنهه ولا مداه؛ هو من خصائص الخالق.
فمن قال: «إن المخلوق يعلم الغيب»؛ فقد شبَّه المخلوقَ بالخالقِ، فالقدريةُ الغلاةُ وقعوا في ضرب من التشبيه في قولهم: «إنه تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها»؛ وهو: تشبيه الخالق بالمخلوق.
وقول اليهود: «يد الله مغلولة» (^١) من تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأنهم وصفوا الله بخصائص المخلوق، فاليهودُ بهذا القول مشبهةٌ، وكذا قولهم: «إن الله لما خلق السموات والأرض استراح» (^٢)، فيه تشبيه للخالق بالمخلوق.
وأما قول النصارى: «إنَّ عيسى ابنُ الله» (^٣)، ففيه تشبيه الخالق بالمخلوق من وجه، وذلك بنسبة الولد إليه، وفيه - أيضًا - تشبيه
_________________
(١) ذكره الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].
(٢) رواه الطبري ٢٠/ ٣٨٢، والحاكم ٢/ ٥٤٣ من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وتعقبه الذهبي بقوله: «أبو سعد البقال، قال ابن معين: لا يكتب حديثه».
(٣) ذكره الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
[ ٩٥ ]
المخلوق بالخالق حيث ألَّهُوا المسيح، فالنصارى وقعوا بهذا في نوعَي التشبيه.
والمشركون الذين عبدوا مع الله تعالى سِواه؛ وقعوا في تشبيه المخلوق بالخالق، فهذا هو التمثيل الذي يجب نفيه، وبرئ منه مذهب أهل السنة والجماعة.
والتكييف والتمثيل بينهما تلازم، فكلُّ مَنْ كيَّف صفاتِ الله تعالى؛ فقد شبه الله بخلقه.
وتمثيل الخالق بالمخلوق يستلزم التكييف، وتمثيل المخلوق بالخالق قد يتضمن التكييف.
قوله: (ومن غير تحريف) التحريف: مأخوذ من الحَرْف، بمعنى: الطرف (^١)، ففيه تغييرٌ ومَيلٌ، وهو في الاصطلاح: «تغيير كلام الله، أو كلام رسوله عن وجهه لفظًا أو معنى»، وهذا التغيير فيه جنوح عن الصواب والحق، فكان فيه انحراف عن الوسطية والعدل، فالتحريف والانحراف بينهما تقارب من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى.
والتحريف يكون للألفاظ، ويكون للمعاني، والأغلب إطلاقه على تغييرِ المعنى. وتغييرُ اللفظ يكون بالزيادة والنقص.
ومن أمثلة التحريف اللفظي ما يروى عن بعض الجهمية أنه طلب من أحد القُرَّاء أن يقرأ قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء] بنصب لفظ الجلالة -؛ لأنه حينئذ لا يكون في الآية دلالة على تكَلُّمِ الله
_________________
(١) «القاموس المحيط» ص ١٠٣٢.
[ ٩٦ ]
تعالى، وإنما فيها أن موسى كلَّم الله تعالى، وكونُ العبدِ يكلمُ ربَّه؛ لا ينكره أحد، فكلُّ عبد يدعو ربه ﷿، كما قال ﷺ: «إن أحدكم إذا قام في صلاته؛ فإنه يناجي ربه» (^١)، وخاصية موسى ﵊ أن الله كلَّمه، وهذا إنما يتحقق على القراءة الصحيحة: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾، - فقال له المسؤول: هب أنه أمكنك ذلك، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! (^٢).
وهذا لأنه يمتنع في اللغة العربية أن يكون الضمير في قوله: ﴿وَكَلَّمَهُ﴾ في محل رفع (^٣)، ويتعين أن يكون مفعولًا به، و«ربُّ» هو الفاعل.
وأما التحريف المعنوي فهو: «صرف اللفظ عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى غيره بغير حجة توجب ذلك»، كما قال المعطلة: «يدُ الله: قدرتُه»، «الاستواء؛ هو: الاستيلاء»، «المحبة؛ هي: إرادة الإنعام»، و«الغضب؛ هو: إرادة الانتقام».
قوله: (ولا تعطيل) التعطيل: مأخوذ من العَطَل بمعنى الخُلُو (^٤)، والمراد به هنا: تعطيل الرب تعالى عن صفات كماله، وذلك بنفي
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠٥) - واللفظ له -، ومسلم (٥٥١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) الحكاية لعمرو بن عبيد مع الإمام أبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة. «بيان تلبيس الجهمية» ٣/ ٣٠٣، و«الصواعق المرسلة» ٣/ ١٠٣٧.
(٣) «اللمع في العربية» ص ١٨٩، و«الآجرومية» ص ٥٣.
(٤) «معجم مقاييس اللغة» ٤/ ٣٥١.
[ ٩٧ ]
أسمائه وصفاته سبحانه، فالمعطل يُخْلِي الرب عن صفاته، أو عن أسمائه، وصفاته عند غلاتهم.
والتحريف يستلزم التعطيل، وأما التعطيل فلا يستلزم التحريف؛ لأن التعطيل قد يكون بغير التحريف، فقد يكون بالتفويض؛ فإن المعطلة يقفون من النصوص:
* إما موقف التحريف.
* وإما أن يفوضوا، فمن ينفي - مَثلًا - حقيقة الاستواء على العرش؛ وهو: العلو والارتفاع، يقول: «معنى قولِه تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: استولى»، فيكون حينئذٍ معطلًا محرفًا؛ معطلًا للصفة عن الله، ومحرفًا للنص.
وقد يقول من ينفي حقيقة الاستواء: «الله أعلم بمراده بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾»، ويقول: «هذا ليس فيه دلالة على إثبات الاستواء على العرش؛ لأنه من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله تعالى»؛ فيكون هذا معطلًا مفوضًا.
وبهذا يُعلم أن تحريف النصوص يستلزم التعطيل، وأما التعطيل فلا يستلزم التحريف؛ لأن المعطل قد يلجأ إلى التفويض لا إلى التحريف.
قوله: (من غير إلحاد) الإلحاد في اللغة: المَيْل، ومن هذا سمي الشَّق في جانب القبر: لحدًا؛ لميله عن وسط القبر، فكلُّ مَيلٍ هو إلحادٌ لغةً (^١)، وأما في الاصطلاح فهو: «الميل عن الحق إلى الباطل، علمًا أو عملًا».
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» ٥/ ٢٣٦.
[ ٩٨ ]
وأكثر ما يطلق اسم «الإلحاد» في كلام العلماء على الإلحاد الاعتقادي، وقد يخصونه بِشَرِّ أنواع الإلحاد؛ وهو: إنكار وجود الرب ﷾، فيُسمى الدهرية: ملاحدة؛ لأنهم منكرون للخالق، والنبوات، والمعاد، فهم شرُّ الملاحدة، ولكن جنس الإلحاد لا يختص بهم، فاسم الإلحاد في الشرع يشمل أمورًا كثيرة، كما سيأتي في الكلام على الإلحاد في أسماء الله تعالى، وفي آياته سبحانه.
والشرك الذي هو عبادة غير الله مع الله من شرِّ الإلحاد، وهو إلحادٌ في عبادة الله بصرف محضِ حقه ﷾ إلى غيره.
والإلحادُ أعم هذه المعاني أعني: التكييفَ، والتمثيلَ، والتحريفَ، والتعطيلَ؛ فالتحريفُ، والتعطيلُ، والتكييفُ، والتمثيلُ؛ كلُّها إلحادٌ.
فالتحريفُ إلحادٌ في آيات الله، والتعطيلُ إلحادٌ في أسماء الله تعالى وفي صفاته، والتكييفُ إلحادٌ - أيضًا - في أسماء الله وصفاته، والتمثيلُ كذلك؛ فإن من شبَّه الله تعالى بخلقه؛ فقد ألحد في أسماء الله وصفاته.
والتعطيلُ والتشبيه معنيانِ متباينان، فالمشبهة غلوا في الإثبات، والمعطلة غلوا في النفي، والتعطيلُ والتمثيل بينهما تلازم من وجه، فالتشبيهُ يستلزم التعطيلَ، والتعطيلُ يستلزم التشبيهَ، فكلُّ مشبِّهٍ معطلٌ من وجه، وكلُّ معطلٍ مشبِّهٌ من وجه، وذلك أن من أثبت لله تعالى صفات تماثل صفات المخلوقين؛ فهو مشبِّه، وهو - أيضًا - معطل؛ لأنه لم يثبت لله ما يستحقه من الصفات؛ بل وصف الله بصفات لا تليق به ﷾؛ فصار بهذا الاعتبار معطلًا، وإن كان أصلَ مذهبِه التشبيهُ.
[ ٩٩ ]
والمعطلُ الذي نفى عن الله الأسماء والصفات، أو نفى الصفات؛ هو مشبِّه لله بالجماداتِ، والمعدوماتِ، والممتنعاتِ، ففرَّ من تشبيه الله بالموجودات، ووقع في تشبيهه بالجمادات، فوقع في تشبيهٍ أقبح، فكان بذلك معطلًا مشبهًا، وإن كان أصلَ مذهبِه التعطيلُ، فبان بهذا: أنَّ التمثيلَ يستلزمُ جنسَ التعطيلِ، والتعطيلُ يستلزم جنس التشبيهِ، والإلحادُ يعُم الجميع.
قوله: (فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]) الإلحاد في أسمائه؛ هو: المَيل بها عن الحق والصراط المستقيم، وذلك يشمل أنواعًا من الإلحاد (^١)، فالإلحاد في أسمائه تعالى يكون:
* بنفيها، كما هي طريقة الجهمية.
* ويكون بنفي معانيها، كما هي طريقة المعتزلة.
* ويكون بتسمية المخلوق بها، مثل: تسمية المخلوق: «بعالم الغيب» و«ملك الملوك»، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إنَّ أَخْنَعَ اسمٍ عند الله: رجلٌ تسمَّى: ملِك الأملاك، لا مالِك إلا الله» (^٢).
* ويكون بتسميته تعالى بما لم يسمِ به نفسه؛ كتسمية النصارى له: «أبًا»، وتسمية الفلاسفة له: «علة الوجود»، وتسميته ب «واجب الوجود»،
_________________
(١) «بدائع الفوائد» ١/ ٢٩٨.
(٢) رواه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٠٠ ]
وإن كان يصح الإخبار به عن الله تعالى، فيقال: «اللهُ واجبُ الوجود»، ولكن ليس من أسمائه ذلك.
* ويكون الإلحاد في أسماء الله بالاشتقاق من أسمائه، كما فعل المشركون، فاشتقوا من أسمائه تعالى لأسماء آلهتهم؛ ك «اللات» من الإله، و«العُزى» من العزيز (^١).
ومن الإلحاد في أسمائه ما ذكر الله عن المشركين في قوله سبحانه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠].
قوله: (وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠]) هذا تهديد بالإخبار باطلاع الله تعالى، فاللهُ كثيرًا ما يذكر العلم في تهديده للكافرين، والمنحرفين، والمتعدين لحدوده.
قوله تعالى: «﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]» هذا تهديد للملحدين في آياته بالإلقاء في النار.
وآيات الله تعالى نوعان: آيات كونية، وآيات شرعية.
ومن شواهد الآيات الكونية؛ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٢٤]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِير (٢٩)﴾ [الشورى]، وشواهدها كثيرة.
ومن شواهد الآيات الشرعية؛ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾
_________________
(١) «تفسير الطبري» ١٠/ ٥٩٦.
[ ١٠١ ]
[الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ١] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان: ٧]، وقوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم (٢)﴾ [لقمان]، ونحوها كثير.
والآيات الكونية؛ هي: المخلوقات، والآيات الشرعية؛ هي: كلمات الله تعالى المنزلة.
والإلحاد في آيات الله تعالى الشرعية يكون:
* بالتكذيب بها.
* وجحدها.
* ويكون بتحريفها عن مواضعها.
* ويكون بالزعم بأنه ليس لها معنى مفهوم، كما هو مذهب التفويض.
* ويكون بالاستهزاء بها، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ
[ ١٠٢ ]
جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء]، والاستهزاء بآيات الله إنما ينشأ عن الكفر بها، كما قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَاد (٤)﴾ [غافر]، هذا من جملة الإلحاد في آيات الله الشرعية.
أما الإلحاد في آيات الله تعالى الكونية؛ فإنه يكون:
* بجحد خالقها سبحانه.
* وبجحد دلالتها على الخالق.
* وبنفي حكمته تعالى في خلقها، كأن يقول قائل: «إن هذا الشيء مخلوق لا لحكمة»، أو يقول: «هذا حادث بغير مشيئة الله»، كما تقوله القدرية في أفعال العباد.
هذا ما يتعلق بالإلحاد في أسماء الرب سبحانه، وآياته.
وأهل السنة والجماعة يثبتون لله أسماءَه وصفاتِه، ولا يلحدون في أسمائه ولا في آياته.
ويلاحظ بعد هذا أن مذهب أهل السنة والجماعة يتميز عن المذاهب الضالة بأمور:
أولًا: أنه وسط بين مذاهب الضلال، فأهل السنة وسط في «باب الأسماء والصفات»، وطريقتهم هي المثلى؛ فإنها وسط بين التعطيل، والتمثيل.
ثانيًا: أن مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتهم في «باب الأسماء والصفات»، وغيره مستمدة من الكتاب والسنة، ومطابقة للعقل
[ ١٠٣ ]
الصحيح، بينما المذاهب المنحرفة مستمدة من الأهواء والخيالات التي لا أصل لها في عقل ولا سمع، فهي مخالفة لموجَب العقل وموجَب النقل، وإن زعم الزاعمون أنها موجَب العقل.
ثالثًا: خلو مذهب أهل السنة والجماعة من المعاني الباطلة التي وقع فيها مَنْ خالفهم، كالتحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل.
رابعًا: وهو مستفاد مما تقدم: أن مذهب أهل السنة والجماعة يتضمن ثلاثة أصول يقوم عليها:
الأول: إثبات صفات الكمال لله ﷾، كما أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ.
الثاني: تنزيهه تعالى عن مماثلة المخلوقات، وعن كل نقص.
الثالث: نفي العلم بالكيفية.
وهذه الأصول مستفادة من النصوص، وقد تضمنتها الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، فهذه الآية دلت على الحق، وردِّ الباطل في «باب الأسماء والصفات»، فدلت على أنه تعالى موصوف بصفات الكمال، مُنزَّه عن مماثلة المخلوقات، وأنه تعالى ليس كمثله شيء، وهذا يتضمن نفي العلم بالكيفية، فإن نفي التشبيه يستلزم نفي التكييف، ونفي العلم بالكيفية؛، لأن ما لا نظير له؛ لا يمكن العلم بكيفيته؛ لأن الشيء لا تعلم كيفيته؛ إلا: بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره.
[ ١٠٤ ]
واللهُ تعالى لا نظير له، والعبادُ لم يشاهدوه؛ فلا سبيل لهم إلى العلم بكيفيته سبحانه.
فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتكييف، ففيه الرد على أهل التشبيه، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ رد للإلحاد والتعطيل؛ فإن فيها إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «السميع»، و«البصير»، وفيها إثبات صفتين من صفاته، وهما: «السمع»، و«البصر».
فهذه أبرز خصائص مذهب أهل السنة والجماعة.
قوله: (ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل) قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نصٌّ في نفي تشبيه المخلوق بالخالق؛ لأن تقدير الآية: «ليس شيءٌ مثلَه تعالى»، ونفيُ هذا التشبيهِ؛ يستلزم نفيَ التشبيهِ الآخَر؛ وهو: تشبيه الخالق بالمخلوق، فإنه سبحانه إذا لم يكن له كفوٌ من خلقه؛ لزم أنه ليس مثلَ أحدٍ مِنْ خلقه، لأنه سبحانه لو كان مثلَ أحد مِنْ خلقه؛ كان هذا المخلوق مثلَه تعالى.
ومن الآيات الدالة على نفي التمثيل عن الله قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وغيرها كثير.
ويلاحظ أن هذه الآيات كلها دالة على نفي مماثلة شيء من المخلوقات للخالق سبحانه، ولا نجِدُ آية فيها التنصيص، أو التصريح بنفي مماثلة الخالق تعالى لخلقه، وذلك - والله أعلم - لأن الغالب على
[ ١٠٥ ]
الخلق تشبيه المخلوق بالخالق، فإن المشركين كلَّهم - كما تقدم (^١) - واقعون في تشبيه المخلوق بالخالق.
فقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ونحوها من الآيات؛ فيها رد على أهل التشبيه، وفيها - وهو المقصود الأول - إبطال الشرك؛ لأن الشرك يتضمن تشبيه المخلوق بالخالق، ولا يوجد في الأمم من يقول: «إنَّ اللهَ مثلُ خلقه من كل وجه» (^٢)، وقد يصِف بعضُهم اللهَ بشيء من صفات المخلوق، كما قالت اليهود: «إن الله فقير»، «يد الله مغلولة» (^٣)، فالآيات جاءت بإبطال الشرك الواقع، والتمثيل الغالب على الأمم، والله أعلم.
تنبيه:
«الكاف» في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ للتشبيه، والأصل أنها بمعنى: «مثل»، ويلاحظ في هذه الآية أن «الكاف»، و«مثل» اجتمعتا، فاختلف النحويون والمفسرون؛ فمنهم من قال: «الكاف صِلَةٌ زِيْدَتْ لتأكيدِ مضمونِ الكلام، والمعنى إذًا: ليس مثلَه شيءٌ»، وهذا سهلٌ، وواضحٌ، ولا إشكال فيه.
ومنهم من قال: «إن كلمة «مِثل» هي الصلة، والتقدير: ليس كهو شيءٌ»، وهذا يؤول إلى المعنى الأول؛ لأن «الكاف» بمعنى «مثل»،
_________________
(١) ص ٩٤.
(٢) انظر ص ٦١١.
(٣) ذكر الله ذلك عنهم: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].
[ ١٠٦ ]
ولكن الأول أولى من هذا؛ لأن الزيادة في الحروف معهودة في اللغة، أما وقوع الاسم زائدًا؛ فهذا لا يكاد يوجد في اللغة.
ومنهم من قال: «لا مانع من أن يكون المعنى: ليس مثلَ مثلِه شيءٌ، ويكون هذا من قبيل الوصف بطريق الكناية كما تقول العرب: «مثلك لا يفعل كذا»، أو «لا يعطي الزهيد» في المدح، و«مثلك لا يلاقي الشجعان» في الذم بالجبن، و«مثلك لا يعطي الجزل»، في الذم بالبخل، وليس المقصودُ مدحَ المثل ولا ذمه، وإنما المقصود مدح أو ذم المخاطب بطريق الكناية».
والأقوال الثلاثة مذكورة في بعض كتب التفسير (^١)، والأمر في هذا سهل، فإن المقصود من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؛ هو: نفي أن يكون لله مِثلٌ مِنْ خلقه، وهذا لا خلاف فيه، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) «تفسير البحر المحيط» ٧/ ٤٨٨، و«الدر المصون» ٩/ ٥٤٤، و«اللباب في علوم الكتاب» ١٧/ ١٧٣.
[ ١٠٧ ]