بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضدُّ التشابهِ الخاصِ، فالتشابهُ الخاصُ؛ هو: «مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر»، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو، أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام؛ هو: «الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر».
وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما.
ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما؛ فيكون مشتبهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا تمييز معه؛ قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يَعرِف منه أهلُ العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وُعِدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا؛ فظن أنه مثله، فعَلِمَ العلماءُ أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبهًا له من بعض الوجوه.
[ ٤١٧ ]
قوله: (بخلاف الإحكام الخاص) أي: الذي يخص بعض القرآن، وبهذا يكون الإحكام الخاص، والتشابه الخاص؛ ضدين، وقد تقدم في مطلع «القاعدة»: الكلام على الإحكام الخاص، والتشابه الخاص من حيث الدليلُ؛ وهو آية آل عمران (^١)، وتقدم - أيضًا - ذِكرُ جملةٍ من أقوال المفسرين في المراد بالمحكم، والمتشابه (^٢).
فمنها: أن «المحكم»؛ هو: «الناسخ»، و«المتشابه»؛ هو: «المنسوخ»، ومنها: أن «المحكم»؛ هو: «الواضح البين الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا»، و«المتشابه»؛ هو: «ما يخفى معناه على بعض الناس»، أو: «ما يحتمل أكثر مِنْ معنى».
والتضادُّ بين الناسخ والمنسوخ، وبين الواضح والخفي، وبين ما لا يحتمل وما يحتمل؛ ظاهرٌ.
فلا تكون الآيةُ الواحدة محكمةً ومتشابهةً في نفس الوقت بالمعنى الخاص؛ بل قد تكون محكمة ومتشابهة بالمعنى العام.
ثم ذكر الشيخ هنا ضابطَ التشابه الخاص، والإحكام الخاص بقوله: (فالتشابه الخاص؛ هو: مشابهة الشيء لغيره من وجه، مع مخالفته له من وجه آخر)، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو، أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام؛ هو: (الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر).
_________________
(١) ص ٣٥٩.
(٢) ص ٣٦٠.
[ ٤١٨ ]
وهذا التعريف من الشيخ لا ينافي ما سبق ذكره من أقوال المفسرين في آية آل عمران: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]؛ فإن الشيخ هنا ذكر المعنى الذي يرجع إليه معنى التشابه الخاص، ومعنى الإحكام الخاص، وهو الأصل، وهذا المعنى لا يختص بالآيات - كما سيأتي إن شاء الله تعالى -، بل يجري في الآيات المتشابهات، والأحاديث المتشابهة، كما يجري في المعاني والألفاظ المتشابهة، وفي الذوات المتشابهة، وغيرها.
فنطبق تعريف الشيخ للإحكام والتشابه الخاص على بعض ما قيل في معناهما:
ممَّا قيل: إن «المحكم»؛ هو: «الناسخ»، و«المتشابه»؛ هو: «المنسوخ»، فهذا التعريف ينطبق عليه تعريف الشيخ المتقدم، فإن الآية المنسوخة تشبه الآية غير المنسوخة من حيث إنها آية، ومن حيث إنها تدل على حكم، والأصل أن هذا الحكمَ قائمٌ وباقٍ، ولكن الآية المنسوخة تخالف غير المنسوخة من جهة أن حكمها قد رُفِع.
وبسبب هذا التشابه؛ يحصل اشتباه عند بعض الناس، فإنَّ مَنْ لم يبلغه الناسخُ يغلطُ؛ فيعمل بالدليل المنسوخ؛ لأنه لم يعلم الدليل المحكم الذي يزيل الاشتباه، ولهذا كان الواجب في المحكم والمتشابه - كما تقدم (^١) -؛ هو: الإيمان بالمتشابه، والعمل بالمحكم، ورد المتشابه إلى المحكم الذي يزيل الاشتباه.
_________________
(١) ص ٣٨٨.
[ ٤١٩ ]
وهكذا القول بأن (المحكم)؛ هو: (المبين)، و(المتشابه)؛ هو: (المجمل)؛ لأنه بسبب ما فيه من الإجمال يشتبه؛ لأنه يحتمل أكثر من معنى؛ فيشبه غيره من وجه، مع مخالفته له من وجه آخر.
وقد تقدم (^١): أن نصوص الصفات، ونصوص المعاد؛ يمكن أن تكون من المتشابه لا بمعنى التشابه عند أهل التفويض، الذين يقولون: «إن نصوص الصفات متشابهة بمعنى أنه لا يعلم معناها إلا الله تعالى»، ولكنها متشابهة بمعنى «أنه يشتبه معناها ويخفى على بعض الناس».
كما مثَّل الشيخ ﵀ في هذا الموضع بقوله: (كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وُعِدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا؛ فظن أنه مثله) أي: مثل ما في الدنيا (فعَلِمَ العلماء أنه ليس هو مثله) أي: مثل ما في الدنيا (وإن كان مشبهًا له من بعض الوجوه).
ففرقٌ بين قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِين (٦٦)﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، فهذا ماءٌ غيرُ آسنٍ، ولبنٌ، وخمر، وعسل، وذاك ماءٌ، ولبن، وخمر، وعسل، ولكن مع الفارق، فهذه آيات وردت في مشارب الدنيا، وتلك آيات وردت في مشارب الآخرة.
_________________
(١) ص ٣٨٨.
[ ٤٢٠ ]
قوله: (وهذا التشابه) أي: التشابه الخاص.
قوله: (إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين، مع وجود الفاصل بينهما) أي: أنَّ كلَّ موجوديْنِ بينهما اشتباه وافتراق، وقد تكثر وجوه الاشتباه وتقل وجوه الافتراق، وقد يكون العكس.
قوله: (ثم مِنَ الناس) هذا هو الحاصل بسبب التشابه الخاص (مَنْ لا يهتدي للفصل بينهما؛ فيكون مشتبهًا عليه) أي: من الناس مَنْ يدرك القدر المشترك، ولا يدرك القدر المميِّز، فمَن عَرفَ المنسوخَ، ولم يعرفِ الناسخَ؛ يقع في الغلط، وهكذا مَنْ عرفَ المجملَ، ولم يعرفِ المبيَّن، ومن عرفَ المطلقَ، ولم يعرفِ المقيَّدَ، ومن عرفَ العامَّ، ولم يعرفِ الخاصَّ.
قوله: (فالتشابه الذي لا تمييز معه؛ قد يكون من الأمور النسبية الإضافية) الشيء النسبي؛ هو: غير العام، أي: الذي يثبت للبعض دون البعض. وأما الشيء العام، أو الثابت على كلِّ حال؛ فهذا يقال له: «اشتباه حقيقي»، فاللفظ الذي لا يفهمه أحد؛ اشتباه عام، وأما الذي يخفى معناه على بعض الناس؛ فإن الاشتباه فيه نسبي.
وقد عرَّف الشيخ الاشتباه النسبي بقوله: (بحيث يشتبه على بعض الناس، دون بعض).
إذًا؛ التشابه الذي في بعض نصوص القرآن مِنَ الاشتباه النسبيِّ، فنصوصُ الوعد والوعيد، ونصوصُ الصفات يشتبه معناها على بعض
[ ٤٢١ ]
الناس، ولهذا غلط الغالطون؛ فظنوا أنها تدل على التشبيه، وأنه تعالى لو قامت به الصفات؛ لزم من ذلك مشابهته لخلقه!
أمَّا أهلُ العلمِ؛ فإنهم يدركون أنَّ أسماءَ الله تعالى وصفاتِه - وإنْ كان بينها وبين أسماءِ العباد وصفاتِهم اتفاقٌ من بعض الوجوه - لا تماثل صفات الخلق، وأن ما اختص الله به من ذلك؛ فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
قوله: (ومثل هذا يعرفُ منه أهلُ العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه) أي: أن أهلَ العلم يعرفون ويدركون الفَرْقَ والفصل؛ فيزول عنهم الاشتباه، فيعرفون الناسخَ مِنَ المنسوخِ، والمطلق من المقيد، والعام من الخاص، ويردون المتشابه إلى المحكم الذي يزيل الاشتباه.
* * *
[ ٤٢٢ ]