ولكن مِنَ الناس مَنْ يجعل التشبيه مفسَّرًا بمعنى من المعاني، ثم إنَّ كلَّ من أثبت ذلك المعنى قالوا: «إنه مشبِّه». ومنازعهم يقول: «ذلك المعنى ليس هو من التشبيه».
وقد يفرَّق بين لفظ التشبيه والتمثيل، وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: «كلُّ مَنْ أثبت لله صفة قديمة؛ فهو مشبِّه ممثِّل»، فمَن قال: «إن لله علمًا قديمًا، أو قدرة قديمة»، كان عندهم مشبهًا ممثلًا، لأن «القِدم» عند جمهورهم؛ هو أخص وصف «الإِله»، فمن أثبت لله صفة قديمة؛ فقد أثبت له مِثلًا قديمًا؛ فيسمونه مُمَثِّلًا بهذا الاعتبار.
أي: من الناس من يجعل للتشبيه معنى يصطلح على إطلاقه عليه، ويجعل مَنْ أثبت ذلك المعنى الذي فسَّر به التشبيه: مشبهًا، كما يجعل المعتزلة إثبات الصفات لله تعالى: تشبيهًا، والمثبت لها مُشَبِّهًا.
وقول الشيخ: (وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل) يشير فيه إلى التفريق بين اللفظين وذلك من جهتين:
[ ٤٦٦ ]
الأولى: أن التمثيل أخص من التشبيه، فالتمثيل يراد به: «مطابقة الشيء للشيء في الأمر الذي ماثله فيه، ومساواته له»، أما التشبيه؛ فإنه أعم من التمثيل؛ لأن من التشبيه المشابهة من بعض الوجوه دون بعض.
الجهة الثانية: أن النصوص وردت بنفي المماثلة، ولفظ التمثيل؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ولم يرد في شيء من النصوص نفي المشابهة (^١).
وإن كان في الاستعمال الدارج عدم التفريق بينهما؛ فيقال: «هذا تشبيه، وتمثيل».
ويذكر الشيخ شبهةً للمعتزلة في نفيهم الصفات، وجعلهم من أثبتها مُمَثِّلًا، ذلك أنه لما كان (القِدَم) عند جمهورهم أخص وصف (الإله)؛ فمن أثبت لله تعالى صفة قديمة؛ ك «العلم»، و«القدرة»؛ جعلوه مشبهًا ممثلًا؛ لأن هذا الإثبات - على زعمهم - يستلزم تعدد القدماء، المستلزم تعدد النظراء والأمثال والأشباه، أي: تعدد الآلهة.
فكلامهم مبني على مقدمتين:
الأولى: أن (القِدَم) أخص أوصاف (الإله).
والثانية: أن إثبات الصفات القديمة؛ يلزم عليه إثباتُ مِثْلٍ لله في أخص أوصافه؛ وهو: القِدم؛ فيلزم عليه - عندهم - تعدد القدماء، وتعدد الآلهة (^٢).
_________________
(١) «الجواب الصحيح» ٢/ ٢٦٧، و«مناظرة الواسطية» ص ١٦٦، و«بيان تلبيس الجهمية» ٢/ ٥١٢ و٣/ ١٣٤، و«منهاج السنة» ٢/ ٥٢٧.
(٢) «الرد على الجهمية والزنادقة» ص ١٤٠، و«شرح الأصبهانية» ص ٧٦ و١١٢، و«درء التعارض» ٥/ ٤٦.
[ ٤٦٧ ]
ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه حقيقة؛ ما لا يتصف به غيره، مثل: كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك.
أي: أن مثبتة الصفات سواء من أهل السنة والجماعة، أو من مثبتة الصفات في الجملة؛ كالأشاعرة، والكُلَّابية (^١): يخالفون المعتزلة في زعمهم أن القِدم أخص أوصاف الإله، فإن القِدم يمكن أن يطلق على صفات الله تعالى فيقال: «صفات الله تعالى قديمة»؛ بل حتى المخلوق فإنه يوصف بالقِدم النسبي الذي هو: «التقدم على الغير»، وإن لم يكن تقدمه مطلقًا كما سبق بيانه (^٢).
أما أخص أوصاف الله تعالى؛ فهو ما لا يتصف به غيره، مثل: أنه (رب العالمين)، وأنه (بكل شيء عليم)، وأنه (على كل شيء قدير)، وأنه (إله واحد) (^٣).
_________________
(١) نسبة إلى عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، وستأتي ترجمة عند ذكر المؤلف له في ص ٥٦١.
(٢) ص ١٣٤.
(٣) (درء التعارض) ٥/ ٤٦ و١٠/ ٢٧٩، و(الجواب الصحيح) ٢/ ٣٢٨، و(الرسالة الأكملية) ص ١٣٧.
[ ٤٦٨ ]
فمثل هذه الأوصاف لا يجوز أن تطلق على غيره تعالى؛ بل ولا على صفاته، فلا يطلق على شيء من صفاته بأنها: (رب العالمين) ونحو ذلك مما لا يتصف به غير الله تعالى.
فمن الصفات ما لا يوصف به إلا الرب تعالى؛ مثل كونه: (على كل شيء قدير)، وأنه «الإله».
ومن الصفات ما يمكن أن تطلق على الرب تعالى، ويمكن أن تطلق على صفاته، أو بعضها؛ ك «الكَرَمِ»، و«السَّعَة»؛ كما في الحديث «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم» (^١)، وقوله تعالى: ﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧].
* * *
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وقال النووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٣١٤: «حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد جيد»، وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» ١/ ٢٧٧: «حديث حسن غريب، ورجاله موثقون».
[ ٤٦٩ ]
ثم مِنْ هؤلاء الصفاتية مَنْ لا يقول في الصفات: «إنها قديمة»؛ بل يقول: «الرب بصفاته قديم».
ومنهم مَنْ يقول: «هو قديم وصفته قديمة»؛ ولا يقول: «هو وصفاته قديمان».
ومنهم من يقول: «هو وصفاته قديمان»؛ ولكن يقول: «ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القِدم ليس من خصائص الذات المجردة؛ بل هو من خصائص الذات الموصوفة بصفات»، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلًا عن أن تختص بالقِدم.
وقد يقولون: «الذات متصفة بالقِدم، والصفات متصفة بالقِدم، وليست الصفات إلهًا، ولا ربًا، كما أن النبي مُحْدَث وصفاته مُحْدَثة، وليست صفاته نبيًا».
فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم «التشبيه»، و«التمثيل»؛ كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم يقول لهم أولئك: «هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا؛ فهذا المعنى لم ينفه عقل، ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية، والعقلية».
والقرآن قد نفى مسمَّى «المثل»، و«الكفء»، و«الند»، ونحو ذلك، ولكن يقولون: «الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف،
[ ٤٧٠ ]
ولا كفأه، ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل؛ فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة».
يقصد الشيخ بالصفاتية هنا مَنْ يثبت الصفات في الجملة من أهل الكلام؛ كالكُلَّابية، والأشاعرة.
وقد ذكر الشيخ أن هؤلاء الصفاتية لهم في إطلاق لفظ «القِدم» على صفات الله تعالى مذاهب:
* فمنهم مَنْ لا يقول: «إن صفات الله قديمة»؛ بل يقول: «الله بصفاته قديم».
فهذا الصنفُ يجدُ حرجًا من وصف الصفة بالقِدم على انفراد؛ كأنه يَشعر بأن إطلاق القِدم على الصفة وَحْدَها يُشعر بوجودٍ مُستقل للصفة عن الموصوف، ثم يقول: «الله بصفاته قديم»؛ فيلزم من ذلك أن صفاته تعالى قديمة.
فهذا الصنف لا يَرى إطلاق القِدم على صفات الله تعالى إلا تبعًا.
* ومنهم من يقول: «الله قديم، وصفاته قديمة»، ولا يرى حرجًا في ذلك، ولكنه لا يقول: «الله وصفاته قديمان»؛ لأن التثنية تُشعر باستقلال الصفة عن الموصوف، ولأن هذا التعبير صريحٌ بالاثنينية،
[ ٤٧١ ]
ويُشعر بالاستقلالية المتضمنة لتعدد القدماء، الأمر الذي خاف منه المعتزلة.
فالمسألة هنا لفظية.
* والمذهب الثالث في ذلك أوسع؛ وهو: مَنْ لا يرى حرجًا في إطلاق القول بأن الله تعالى قديم وصفاته قديمة، والله وصفاته قديمان، ولا يقتضي ذلك أن الذات المجردة عن الصفات موصوفة بالقِدم، لأن الذات المجردة لا وجود لها، فضلًا عن أن توصف بالقِدم، أو أن تختص بالقِدم.
فإذا قلنا: «الله قديم»، أي: الله تعالى الموصوف بالصفات، وإذا قلنا: «صفات الله تعالى قديمة»، أي: الصفات القائمة بالذات، وليس معنى ذلك أن الصفات قائمة بغير الموصوف.
والقول بأن صفات الله تعالى كلها قديمة؛ فيه نظر؛ لأن صفات الله تعالى منها: الذاتية، ومنها: الفعلية.
أما الصفات الذاتية؛ فإنها قديمة؛ لأنها لازمة لذات الرب تعالى.
وأما الصفات الفعلية؛ فلا يصح وصفها بالقِدم مطلقًا؛ لأنها تابعة لمشيئة الله ﷿، وما كان تابعًا لمشيئة الله تعالى؛ فلا يكون قديمًا.
نعم يقال في جنس الفعل: «إنه قديم النوع، ولكنه حادث الآحاد»، وكذلك: «الكَلام».
[ ٤٧٢ ]
فيقال: «إنه تعالى لم يزل فعَّالًا لما يريد، ولم يزل متكلمًا إذا شاء»، وأما آحاد الكلام والأفعال؛ فهي حادثة بمشيئة الله.
ثم إن الصفة وإن وصفت بالقِدم؛ فإن ذلك لا يقتضي مشاركتها في شيء من خصائص الله تعالى، فالقِدم ليس من خصائص الذات المجردة؛ بل من خصائص الذات الموصوفة بالصفات؛ فلا يلزم من ذلك أن تكون إلهًا، فصفة الإله ليست إلهًا، فإن الصفة لا توصف بكل ما يوصف به الموصوف، فلا توصف بما يختص به الرب تعالى.
ومثال ذلك: أنَّ النبيَّ حادِثٌ، وصفاته حادثة، وليستْ صفةُ النبيِّ نبيًا، والإنسانُ حادث وصفاته حادثة، وليستْ صفة الإنسان إنسانًا، فالإنسانُ اسمٌ للموصوف، وليس اسمًا للصفة، وليس كل ما يطلق على الموصوف؛ يصحُ إطلاقه على الصفة.
وقوله: (فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية) الإشارة بقوله: (فهؤلاء)، إلى المعتزلة، والمراد بالصفاتية هنا خصومهم مِنْ: الأشاعرة، ونحوهم، فإذا أطلق المعتزلةُ على الأشاعرةِ - المثبتةِ للصفاتِ في الجملة -: اسمَ التشبيهِ، والتمثيلِ؛ كان هذا بحسب اعتقاد المعتزلة في أن إثبات الصفات، أو شيء منها؛ يلزم منه التشبيه، أو التمثيل؛ بناء على أصلهم أن القِدم أخصُ أوصاف الرب تعالى.
وهذا المعنى ينازعهم فيه خصومهم مِنْ الأشاعرة، ونحوهم من الصفاتية كما تقدم.
[ ٤٧٣ ]
ومِن أدلة أنَّ وصف الصفة بالقِدم لا يستلزم المماثلة، وإثبات الصفات لا يستلزم إثبات النظراء: أنَّ الصفة في اللغة العربية لا تُعدُّ مِثلًا، ولا نِدًا للموصوف.
واللهُ تعالى إنما نفى عن نفسه: (المثل)، و(الكفء)، و(الند)، و«السميَّ»، فلا يدخل في ذلك نفي الصفة؛ لأن الصفة ليست مِثلًا، ولا نِدًا للموصوف في اللغة العربية، فلا تدخل في النص أصلًا.
ومن المعلوم أن نفاة الصفات يستدلون على نفيهم للصفات بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لقولهم: «إن إثبات الصفات يستلزم إثبات نظراء، وأمثال لله تعالى».
فيقال لهم: «إن الصفة ليست مِثلًا، ولا نِدًا للموصوف في اللغة العربية، وعلى هذا؛ فلا يدخل إثبات الصفات في الأمثال، والأنداد المنفية عن الله تعالى في مثل هذه النصوص».
ثم يقال للمعتزلة الذين يجعلون إثبات شيء من الصفات تشبيهًا: «إن هذا المعنى لم ينفه عقل، ولا سمع، فليس في العقل ما ينفي مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة، الذي هو إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به، وليس في الشرع ما ينفي ذلك أيضًا، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية، والعقلية».
[ ٤٧٤ ]