القاعدة السادسة
أنَّ لقائلٍ أن يقولَ: لابدَّ في هذا البابِ من ضابطِ يُعرف به ما يجوزُ على الله ﷾ ممَّا لا يجوز في النفي والإثبات؛ إذ الاعتمادُ في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وقدر مميِّز.
فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه؛ فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم؛ لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسَّرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير؛ ممَّا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يُعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا؛ نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.
[ ٤٦٢ ]
محور هذه «القاعدة» بيان الضابط الذي يعرف به ما يجوز على الله تعالى ممَّا لا يجوز في باب الأسماء والصفات، وقد بيَّن الشيخ أن اعتماد المتكلمين في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو الاعتماد على مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد.
وقد بدأ الشيخ في بيان فساد هذين الضابطين، وأخَّر بيان الضابط السليم إلى ما بعد.
ونستعجل هنا ذكر الضابط السليم في هذا الباب، وهو أمران؛ أحدهما: عقلي، والآخر سمعي.
فأما السمعي؛ فهو: أن يُوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، نفيًا وإثباتًا، فيثبت ما جاءت النصوص الشرعية بإثباته، بلا تكييف ولا تمثيل، وينفى ما جاءت النصوص بنفيه، بلا تعطيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى].
أما الضابط العقلي؛ فهو: أن يُوصف الله تعالى بكل كمال على وجه الكمال، وأن ينزه عن كل نقص، فكل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه؛ فالخالق أولى بالاتصاف به، فهذا الضابط ممَّا يوجبه العقل.
أما الضابطان اللذان أشار إليهما الشيخ هنا، فكلاهما غير سديد، ولا مفيد.
[ ٤٦٣ ]
فالنافي لأسماء الله وصفاته إن اعتمد في نفيه على مجرد نفي التشبيه، أي: أنه يزعم أن إثباتها تشبيه، فيقال له: إن أردت أن إثبات الصفات لله تعالى يلزم منه تشابه الخالق والمخلوق من جميع الوجوه - أي: التمثيل -؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل هو باطل، ولم يقل بذلك أحد.
وإن أردت بالتشبيه: المشابهة من وجه دون وجه، أو المشاركة في الاسم؛ فإن هذا المعنى لا يصح نفيه، وليس مِنَ التشبيه المنفي عن الله تعالى؛ بل إن هذا المعنى لازمٌ لهذا النافي فيما يثبته، ولو لم يثبت إلا صفة الوجود، فيقال له: إنه يلزم إثبات قدر مشترك بين وجود الخالق، ووجود المخلوق؛ وهو: مطلق الوجود.
والتشبيه والتمثيل الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه؛ هو: مشاركة المخلوق للخالق فيما يختص به، مما يختص ب: وجوبه، أو جوازه، أو امتناعه؛ فهذا هو الممتنع بضرورة العقل؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، ولا يلزم من نفي هذا المعنى نفي المشابهة من بعض الوجوه؛ لأنه ما من شيئين إلا وبينهما تشابه من وجه.
ومن اعتقد أن التشابه من بعض الوجوه يلزم منه التماثل؛ فإنه يلزم على هذا أن يقول: إن السوادَ مِثْلُ البياضِ، والماءَ مِثلُ النار، والطعامَ مثلُ التراب.
فالحقُ أن المشابهة والاتفاق في بعض الوجوه؛ لا يلزم منه التماثل.
[ ٤٦٤ ]
فالاعتماد في النفي والتنزيه على مجرد نفي التشبيه؛ ليس بسديد؛ لأنه يلزم منه ما التزمه المعطلة من نفي الصفات بحجة أن إثباتها يلزم منه التشبيه، الذي هو الاتفاق من بعض الوجوه.
ومعلوم أن هذا المعنى ليس هو التشبيه المنهي عنه، ولهذا وجب الاستفصال عن المراد بلفظ التشبيه، كما سبق.
* * *
[ ٤٦٥ ]