وأيضًا؛ فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع مِنْ أنه ﷾ لا كفء له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته؛ كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته؛ كحقيقة شيء من صفات المخلوقات.
فيُعلم قطعًا: أنه ليس مِنْ جنس المخلوقات؛ لا الملائكة، ولا السموات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا أبدانهم، ولا أنفسهم، ولا غير ذلك؛ بل يُعلم: أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات؛ أبعدُ من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها؛ أبعدُ من مماثلة حقيقةِ شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر.
فإن الحقيقتين إذا تماثلتا؛ جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها؛ فيلزم أن يجوز على الخالق، القديم، الواجب بنفسه؛ ما يجوز على المحدَث، المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجوب والغنى، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه، غير واجب بنفسه، موجودًا معدومًا، وذلك جمع بين النقيضين.
[ ٥٤١ ]
وهذا ممَّا يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: «بصر كبصري، ويد كيدي»، ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
بعد أن ذكر الشيخ دلالة السمع على تنزيه الله تعالى عن النقص بطرق متعددة؛ بيَّن مطابقةَ السمع للعقل في دلالته على نفي المثيل، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وذلك بذكر الدليل العقلي على نفي المثيل، وهو أنه يعلم قطعًا: أن الله تعالى ليس من جنس شيء من مخلوقاته؛ لا الملائكة، ولا السموات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا غير ذلك؛ بل يعلم قطعًا: أن حقيقة اللهِ تعالى؛ أبعدُ عن مماثلة شيء من الموجودات من سائر الحقائق، وأن مماثلة الله تعالى لشيء من الحقائق؛ أبعدُ من مماثلة حقيقة أي شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر.
وهذا يشبه ما سبق في «المثال الأول» مِنْ: أن مباينةَ الله تعالى لخلقه؛ أعظمُ من مباينة أيِّ مخلوق لمخلوق آخر (^١).
_________________
(١) ص ٢٢٥.
[ ٥٤٢ ]
ومثل ما سبق في «القاعدة الخامسة» مِنْ: «أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحدًا به، أو حالًا فيه من الخالق مع المخلوق» (^١).
فاللهُ تعالى لا يَشركه مخلوق في شيء من خصائصه، ممَّا يجب، أو يجوز، أو يمتنع عليه ﷾، كما أن الله تعالى لا يَشرك المخلوق في شيء من خصائصه.
والشيخ أشار في مطلع «القاعدة السادسة» إلى الدليل العقلي على إبطال التمثيل عند قوله: (وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسَّرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له) (^٢).
وهنا يوضح الشيخ هذا الدليل بأنه لو قيل بتماثلِ حقيقةِ الخالقِ وحقيقةِ المخلوقِ؛ لجاز على كلٍّ منهما ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما يجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها.
فيلزم على تقدير وجود المثل؛ أن يكون اللهُ تعالى الموصوفُ بوجوب الوجودِ والقِدم والغنى؛ مثلَ المخلوقِ الموصوفِ بالحدوث، والحاجة، وجواز العدم، وأن تكون صفاتُ الله تعالى صفاتٍ للمخلوق، وصفاتُ المخلوقِ صفاتٌ لله تعالى.
_________________
(١) ص ٤٢٧.
(٢) ص ٤٦٢.
[ ٥٤٣ ]
فيكون الشيءُ الواحدُ - سواء كان الخالق أو المخلوق - موصوفًا بالوجوب والعدم، والحدوث والقِدم، والغنى والحاجة، وهذا يلزم منه الجمع بين النقيضين، وهذا مما يعلم بالعقل امتناعه.
فثبت امتناع المِثْل لله تعالى.
قال الشيخ: (وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة) والمشبه؛ هو: الذي يقول: (لله تعالى بصرٌ كبصري، ويد كيدي)، ونحو ذلك، وهذا باطلٌ، فبصرُ الله تعالى أزَليٌّ، ولا يحده شيء، بخلافِ بصرِ المخلوقِ الحادثِ، المحدودِ، الناقصِ، المعرضِ للآفات.
وسمعُ الخالق واسعٌ لجميع الأصوات، وهو أزَليٌّ لم يحدث له، أما سمع المخلوق؛ فهو محدود، وحادث.
فإن أراد بكون بصرِ الله تعالى وسمعه؛ كبصر المخلوق وسمعه؛ فقد جعل الأزليَّ كالمحدَث، وهذا جمع بين النقيضين، وهكذا إذا زعم أن سمعَ الله تعالى وبصره محدودٌ كالمخلوق؛ فقد أعظمَ على الله تعالى الفرية، وتنقصه.
* * *
[ ٥٤٤ ]
وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك، لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع.
وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه؛ سكتنا عنه؛ فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عمَّا لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله ﷾ أعلم.
يقول الشيخ: ليس المقصود هنا استيفاء وبيان كل ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات على وجه التفصيل؛ فإن هذا يعلم بتدبر الكتاب، والسنة.
وليس المقصود كذلك استيفاء طرق كل ما ينزه الرب تعالى عنه، وإنما المقصود: ذكر مجامع الطرق، ومجامع الأدلة المفيدة لما يجب لله تعالى، ويجوز عليه، ويمتنع عليه.
ونتيجة ما تقدم: أن ما قام الدليل على إثباته؛ أثبتناه، وما دل الدليل على نفيه؛ نفيناه، وما لم يقم الدليل على إثباته ولا على نفيه؛ فإنا نمسك عنه، فلا نثبته ولا ننفيه؛ إلا إذا دل العقل على إثباته؛ فنثبته، أو دل على نفيه؛ فننفيه، فالعقل دليل في الجملة على سبيل الإجمال.
[ ٥٤٥ ]
وجَعْلُ العقل دليلًا هنا على ما لم يدل الدليل السمعي عليه؛ افتراضٌ نظري، وإلا فليس هناك شيء يُنفى عن الله تعالى لم يدل على نفيه الدليل السمعي: نصًا، أو لزومًا.
فالعقلُ يدل على أن الله تعالى موصوفٌ بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، ولكن مع ذلك؛ فإنا لا نجد معنى منفيًا عن الله تعالى لم يعلم نفيه إلا بالعقل، غاية الأمر أن تتطابق دلالة العقل مع دلالة السمع، أو تكون الدلالة للسمع فقط، كما سبق معنا في الإثبات أن من الصفات ما هو سمعي فقط، ومنها ما هو سمعي وعقلي (^١).
فالحياةُ، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، والرحمة، والعلو، ونحو ذلك؛ معلومةٌ بالسمع والعقل.
وأما الاستواء، واليدان، والوجه، والضحك، والفرح، ونحو ذلك؛ فإنما علمت بالسمع فقط.
وأما ما لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على إثباته ولا على نفيه؛ فإنا نسكت عنه؛ فلا نثبته، ولا ننفيه.
مثال ذلك: «الأُذُن»، فليس في السمع، ولا في العقل ما يثبتها، أو ينفيها عن الله تعالى.
* * *
_________________
(١) ص ٤٧٨.
[ ٥٤٦ ]