والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:
تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.
وتارة يَرُدُّون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل.
أي: الذين يجعلون ظاهر نصوص الصفات المعنى الفاسد يغلطون من وجهين؛ أي: مِنْ أحد وجهين:
تارة يجعلون المعنى الفاسد حقيقة؛ هو ظاهر اللفظ، فيجعلون لفظ النص محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر الفاسد - في زعمهم -.
وتارة يَرُدُّون المعنى الحق لاعتقادهم أنه معنى فاسد وليس كذلك.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه].
الأول يزعم: أنَّ ظاهرَ النصِ وصفُه تعالى باستواء مثل استواء المخلوق على ظهور الفلك والأنعام، مع اعتقاده بأن هذا ليس مرادًا؛
[ ٣٠٣ ]
بل المراد وصفه تعالى باستواء يخصه، وهذه حال الجاهل الذي سبق ذكره.
فغلطُه حيث جعل المعنى الفاسد هو ظاهر النص، فقولُه بنفي تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه؛ صحيحٌ، وقوله: «إن هذا الظاهر ليس بمراد»؛ صحيح، لكن زعمه أن هذا المعنى الفاسد؛ هو ظاهر النص؛ غلطٌ.
والثاني يقول: «إن ظاهر هذه الآية، وصفه تعالى بالاستواء على العرش، والاستواء على الشيء إنما هو من صفات المخلوق وخصائصه»، فلا يجوز عنده أن يقال: «إن اللهَ تعالى مستوٍ على العرش»، بمعنى: أنه فوق العرش.
فيقول: «ليس هذا الظاهر بمراد»؛ بل المراد ب «استوى» على العرش: استولى على العرش، أو أقبل على خلق العرش، ونحو ذلك.
فهذا اعتقد أن ظاهر النص - الذي هو المعنى الحق -: معنى فاسد؛ فنفاه بناء على هذا الاعتقاد، وهذا معنى قول الشيخ: (يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل).
فكل من الأول والثاني جعل ظاهر النص معنى فاسدًا، لكن الأول غلط من جهة أنه جعل المعنى الفاسد حقيقة؛ هو ظاهر اللفظ - النص - حتى يكون النص محتاجًا إلى تأويل، وليس كما ظن.
[ ٣٠٤ ]
والثاني رد المعنى الحق، الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقاده أنه معنى باطل، فهو غالط في اعتقاده أنه معنى باطل، وفي نفيه هذا المعنى الحق، بناء على اعتقاده وتصوره الفاسد.
فظهر بهذا: أن الأول مخطئ من جهة اللفظ، أي: الحكم على لفظ النص، ومصيب من جهة المعنى، وهو: نفيه للمعنى الفاسد.
والثاني: مخطئ من جهة اللفظ والمعنى، مصيب فيما قصد إليه من نفي ما اعتقد أنه باطل، وهذا هو المعطل للصفات.
* * *
[ ٣٠٥ ]
فالأول: كما قالوا في قوله: «عبدي جعتُ فلم تطعمني» الحديثَ، وفي الأثر الآخر: «الحجرُ الأسود يمينُ الله في الأرض، فمَن صافحه وقبَّله فكأنما صافحَ اللهَ وقبَّل يمينه»، وقوله: «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن».
فقالوا: «قد عُلم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق».
ذكر الشيخ هذه الأمثلة لمن يغلط؛ فيجعل المعنى الفاسد هو ظاهر اللفظ، فيكون محتاجًا إلى تأويل حسب ظنه وزعمه. والواقع أن المعنى الفاسد ليس هو ظاهر اللفظ، لأنه جاء في النص ما يفسر ويوضح المعنى المراد.
ففي الحديث الأول: وهو قوله تعالى في الحديث القدسي: («عبدي جعت فلم تطعمني») (^١) الحديثَ، ليس ظاهره أن الله تعالى يجوع، ويمرض؛ لأنه جاء في الحديث ما يوضح المعنى، ويبيِّن أن المراد: جوع العبد ومرضه.
_________________
(١) الحديث مذكور بالمعنى، وقد رواه مسلم (٢٥٦٩) وغيره، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: .. يا ابن آدم استطعمتك؛ فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان؛ فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ ..» الحديثَ.
[ ٣٠٦ ]
فمن جعل المعنى الفاسدَ ظاهرَ اللفظِ ونفاه؛ فهو مصيبٌ من جهة المعنى، حيث نفى المعنى الفاسد عن الله تعالى، ولكنه غلط من جهة اللفظ، حيث جعل هذا المعنى الفاسد هو ظاهر لفظ الحديث.
المثال الثاني: ما ورد في الأثر الذي يروى مرفوعًا (^١)، وموقوفًا (^٢) - ولم يثبت مرفوعًا -: («الحجرُ الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله؛ فكأنما صافح الله، وقبَّل يمينه») فبعض الغالطين يظن أن ظاهر الأثر أن الحجر الأسود؛ هو صفة الله ويده اليمين، وهذا الظاهر ليس بمراد، فهذا الشخص غلط في زعمه بأن ظاهر الأثر هو المعنى الفاسد،
_________________
(١) رواه ابن خزيمة ٤/ ٢٢١، والحاكم ١/ ٤٥٧، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٥٧٦ - وقال: «لا يثبت» - من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. ورواه ابن ماجه (٢٩٥٧)، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٨٧ من حديث أبي هريرة ﵁. ومِن حديث جابر ﵁ رواه ابن عدي في «الكامل في «ضعفاء الرجال» ١/ ٥٥٧ - وقال: «إسحاق بن بشر الكاهلي قد روى غير هذه الأحاديث، وهو في عداد من يضع الحديث» -، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٥٧٥ - وقال: «لا يصح» -، وقال ابن تيمية: «روي مرفوعًا، ولم يثبت». «الاستغاثة» ص ٣٨٧، و«مجموع الفتاوى» ٦/ ٣٩٧، و«درء تعارض العقل والنقل» ٥/ ٢٣٦ و٢٣٩، و«بيان تلبيس الجهمية» ٦/ ١٣٧، وفيها - أيضًا - كلامه على معنى الحديث وأمثاله، والرد على المبتدعة.
(٢) رواه عبد الرزاق ٥/ ٣٩، وابن أبي عمر في «مسنده» - كما في «المطالب العالية» ٦/ ٤٣٢ - والأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ٣٢٣ و٣٢٤ و٣٢٦، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٨٨ و٨٩، من طرق بألفاظ متقاربة منها: «الركن يمين الله في الأرض يصافح بها عباده؛ كما يصافح أحدكم أخاه»، ولم أجد هذا اللفظ الذي ذكره الإمام ابن تيمية. وقال ابن تيمية في «شرح العمدة» ٣/ ٤٣٥: «إسناده صحيح»، وقال ابن حجر في «المطالب العالية» ٦/ ٤٣٢: «موقوف صحيح».
[ ٣٠٧ ]
وإلا كان قد أصاب في نفي هذا الظاهر المتوهم الفاسد، لأن في الأثر ما يدفع هذا المعنى الفاسد كما سيبينه الشيخ بعد قليل.
المثال الثالث: حديث («قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء») (^١) قالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فزعموا أن ظاهر الحديث يدل على أن أصابع الرب تعالى داخلة في أجوافنا، متصلة بقلوبنا، ولذا قالوا بأن الظاهر غير مراد.
فيقال: إن هذا النافي قد أحسن في نفيه لهذا المعنى الفاسد، وفي نفيه لأن يكون هذا المعنى الفاسد مرادًا، ولكنه غلط في زعمه وظنه بأن هذا المعنى الفاسد هو ظاهر الحديث.
ومنشأ غلطه: اعتقاده بأن «البينية» تقتضي الاتصال والملاصقة، وليس الأمر كذلك؛ ف «البينية» في اللغة العربية لا يلزم منها اتصال ولا التصاق، بل قد تقتضي ذلك وقد لا تقتضيه، كما في لفظ «المعية» فهي تقتضي مطلق المصاحبة، وقد يكون معها امتزاج وقد لا يكون.
* * *
_________________
(١) لم أجد هذا اللفظ، وقد روى مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن؛ كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ..».
[ ٣٠٨ ]
فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة؛ لعلمتم أنها لا تدل إلا على حق.
أما الحديث الواحد: فقوله: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله؛ فكأنما صافح الله وقبل يمينه»؛ صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: «يمين الله في الأرض»، وقال: «فمَن قبَّله وصافحه،؛ فكأنما صافح الله وقبل يمينه»، ومعلوم أن المشبَّهَ غير المشبهِ به، ففي نصِّ الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرًا، وأنه محتاج إلى التأويل؟! مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس.
وأما الحديث الآخر؛ فهو في الصحيح مفسرًا: «يقول الله: عبدي جعتُ؛ فلم تطعمني. فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضتُ فلم تعدني. فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده».
وهذا صريح في أن الله ﷾ لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبدُه وجاع عبده، فجعلَ جوعه جوعه، ومرضه مرضه،
[ ٣٠٩ ]
مفسرًا ذلك بأنك «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده». فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل.
بدأ الشيخ ببيان المعنى الصحيح للأمثلة الثلاثة، والرد على زَعْمِ مَنْ زَعَمَ أن ظاهر هذه النصوص هو المعنى الفاسد، وأن هذا الظاهر ليس بمراد؛ فقال: (أما الحديث الواحد) يعني: الأول، وبدأ بذكر أثر ابن عباس، وبيِّن معناه الصحيح، ونبه إلى أن المعتمد أن هذا الأثر إنما يعرف عن ابن عباس، وأنه ليس بمرفوع.
ثم ذكر حديث أبي هريرة، وبيِّن بذكر بقية الحديث أنه ليس فيه ما يوجب التوهم الفاسد؛ لأن الحديث جاء مفسرًا ومبينًا؛ إذ قال: «مرض عبدي فلان .. وجاع عبدي فلان» إلى آخره، فجعل: (جوعه جوعه، ومرضه مرضه)، الضمير في الأول فجعل (جوعه) للعبد، وفي الثاني (جوعه) للرب، وهكذا في قوله: (ومرضه مرضه)، وفسَّره بقوله: (لو أطعمته لوجدت ذلك عندي)، فمن أطعم الجائع؛ وجدَ جزاءه عند ربه.
وقوله: («لو عدته لوجدتني عنده») أي: لو عدت المريض لله؛ لوجدتني عنده.
وهذه عندية تتضمن: القرب والمعية الخاصة، فمن عاد المريض؛ فاز بهذا القرب وهذه المعية.
[ ٣١٠ ]
وقوله: («مرض عبدي فلان») الأظهر أن العبودية هنا هي العبودية الخاصة.
وبفهم الحديث؛ لا يبقى فيه لفظ يحتاج إلى تأويل.
فائدة:
كلُّ قربٍ خاصٍ يتضمنُ المعيةَ الخاصةَ، ولا عكس.
* * *
[ ٣١١ ]
وأما قوله: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»؛ فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصلٌ بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه.
ولا في قول القائل: «هذا بين يَدَيَّ» ما يقتضي مباشرته ليديه.
وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة.
وكذلك في هذا المثال الثالث: مَنْ ظنَّ أنَّ ظاهره أنَّ أصابع الرب متصلة بالقلوب، وأنها داخلة في أجواف العباد؛ فيوجب تأويل هذا الحديث؛ لأن ظاهره ليس بمراد: فهذا غالطٌ من جهة اللفظ؛ حيث زعم وتوهم أن ظاهر الحديث: أن أصابع الرب في قلوب وأجواف العباد، وإن كان مصيبًا في نفي هذا المعنى الباطل الذي توهمه.
ونقول: إن ما توهمه من ظاهر الحديث؛ غير صحيح، فالحديث لا يدل على ذلك؛ لأن لفظة (بَيْنَ) لا تقتضي اتصالًا ولا ملاصقة، كما إذا قال القائل: (هذا بين يَدَيَّ)، ومعلوم إذا قيل: (السحاب بين السماء والأرض)؛ لا يقتضي ذلك اتصاله بالسماء، ولا بالأرض.
[ ٣١٢ ]
من الغلط جعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله،
وإيضاح ذلك في آيتي «يس»، و«ص»
ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١].
فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهًا بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾.
وأيضًا؛ فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع؛ فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في المفرد.
فالله ﷾ يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد: مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح]، وأمثال ذلك.
[ ٣١٣ ]
ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع؛ تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية؛ فتدل على العدد المحصور، وهو مقدسٌ عن ذلك.
فلو قال: «ما منعك أن تسجد لما خَلَقَتْ يدِيْ»؛ كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، ولو قال: «خَلَقْتُ بيدِيْ» بصيغة الإفراد، لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بصيغة التثنية؟
هذا، مع دلالة الأحاديث المستفيضة؛ بل المتواترة، وإجماع سلف الأمة على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا»، وأمثال ذلك.
أي: ومما يشبه جَعل المعنى الفاسد هو ظاهر اللفظ؛ جعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله.
وجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله؛ يؤدي بصاحبه إلى مخالفة دلالة اللفظ في اللغة وعدم معرفة المراد، كمن يسوي بين معنى قولك:
[ ٣١٤ ]
«محمدًا أكرمتُ»، وقولك: «أكرمتُ محمدًا»؛ فإن الجملة الأولى تفيد: الحصر؛ لتقديم المفعول، دون الثانية (^١).
وقد ذكر الشيخ لذلك مَثلًا؛ وهو اعتقاد بعض الناس أن قوله تعالى: (﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾) مثل قوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾)، فصاحب هذا الظن يعتقد أن الله تعالى خلق آدم كما خلق الأنعام، وأن المراد بالآيتين: التعبير باليدين عن الفاعل، وليس المراد إثبات صفة اليدين، ولا خلق آدم باليدين.
فهم جعلوا آية «ص»؛ وهي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الصريحة في إثبات صفة اليدين لله تعالى؛ جعلوها نظير آية «يس»؛ وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، وليس الأمر كذلك؛ بل هذا غلط من جهة اللفظ، والمعنى.
وقد ذكر الشيخ الفروق بين الآيتين، كما يأتي في كلامه إن شاء الله.
لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي؛ فصار شبيهًا بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وهناك أضاف الفعل إليه؛ فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾.
_________________
(١) هذه المسألة يذكرها البلاغيون في مبحث «القصر»، والأصوليون في «مفهوم المخالفة»؛ انظر: «تلخيص المفتاح» ص ٩٦، و«البحر المحيط في أصول الفقه» ٤/ ٥٦، و«شرح الكوكب المنير» ٣/ ٥٢١، و«البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها» ١/ ٥٣٧.
[ ٣١٥ ]
وأيضًا؛ فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾.
وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، في المفرد.
فالله ﷾ يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد: مظهرًا، أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾، وأمثال ذلك، ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية؛ فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك؛ فلو قال: «ما منعك أن تسجد لما خلقَتْ يدِيْ»؛ كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، ولو قال: (خَلَقْتُ بيدِيْ) بصيغة الإفراد، لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بصيغة التثنية؟
هذا مع دلالة الأحاديث المستفيضة؛ بل المتواترة، وإجماع سلف الأمة على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله ﷺ: «المقسطون عند الله على منابرَ مِنْ نورٍ، عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين -، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا» (^١)، وأمثال ذلك.
قوله: (لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي ..) إلخ.
_________________
(١) رواه مسلم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٣١٦ ]
ذكر الشيخ هنا فروقًا من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى بين آية (ص) وآية (يس)، وهي كما يلي:
الأول: أنه في آية (ص) أسند الفعل إلى نفسه؛ حيث قال: (﴿خَلَقْتُ﴾)، وفي آية (يس) أسند الفعل إلى الأيدي؛ فقال: (﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾)، وهذا فرق لفظي.
الثاني: في آية (ص) ذكر الله تعالى نفسه بصيغة الإفراد، وفي آية (يس) ذكر الله تعالى نفسه بصيغة الجمع الدالة على التعظيم.
الثالث: في آية (ص) ذكر اليدين بصيغة التثنية، وفي آية (يس) ذكرها بصيغة الجمع.
الرابع: أنه في آية (ص) أسند الفعل إلى نفسه، وعداه إلى اليدين بالباء، أما في آية (يس) فإنه أسند الفعل إلى الأيدي، وحينئذٍ؛ فلا مجال للتعدية بالحرف.
فهذه أربعة فروق لفظية، وهي فروق لها أثر في الدلالة والمعنى.
وقد ذكر الشيخ بناء على ذلك بعض المقارنات؛ وهي:
١ - أن آية (ص) تشبه آية المائدة، وهي قوله تعالى: (﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾) من حيث ذكر اليدين بلفظ التثنية.
٢ - وأن آية (يس) تشبه عددًا من الآيات، فهي شبيهة بقوله تعالى: (﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾) من حيث إسناد الفعل إلى الأيدي.
[ ٣١٧ ]
وهي شبيهة بقوله تعالى: (﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾) وذلك من جهة ذكر المثنى بلفظ الجمع، فالمثنى في اللغة العربية إذا أضيف إلى مثنى أو جمع فإنه يجمع، ومن شواهده قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
فكذلك هنا لما ذكر الله تعالى نفسه بصيغة الجمع الدالة على التعظيم، وأضاف الصفة المثناة إليه، ذكرها بصيغة الجمع، كما في قوله: (﴿أَيْدِينَا﴾)، وقوله: (﴿بِأَعْيُنِنَا﴾).
كما أن آية (يس) تشبه آية الملك، وهي قوله: (﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾)، وآية آل عمران، وهي قوله: (﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾) من جهة ذكر لفظ اليد بصيغة المفردِ، والمفردُ المضاف يعمُّ كلَّ ما يدخل تحت مسماه (^١).
وقد دلت النصوص أن لله تعالى يدين تليقان به سبحانه، لا تماثل أيدي المخلوقين، كما هو الشأن في سائر صفاته، وهذه الآيات وإن كانت تدل على إثبات صفة اليد لله تعالى؛ إلا أن الآيات الواردة في إثبات هذه الصفة بعضها أصرح من بعض في الدلالة على ذلك والبعد عن شبهة المجاز.
فأصرح آية في ذلك، وأبعد آية عن شبهة المجاز: آية (ص)؛ وهي قوله تعالى: (﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾)، ثم آية المائدة؛ وهي قوله: (﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾) وإن كانت آية جمع اليدين مما يُستدل به عند أهل السنة والجماعة على إثبات هذه الصفة.
_________________
(١) «البحر المحيط في أصول الفقه» ٣/ ١٠٨، و«القواعد» لابن اللحام ٢/ ٧٣٣، و«شرح الكوكب المنير» ٣/ ١٣٦، وهو مذهب الجمهور.
[ ٣١٨ ]
وهناك فرق بين الآيتين في المعنى؛ وهو:
أن آية (ص) تدل على خلق آدم باليدين، وفيه فضيلة لآدم، وخصوصية، وتشريف.
أما آية (يس)؛ فلا تدل على أن الله تعالى خلق الأنعام بيديه، ولو كانت تدل على ذلك؛ لم يكن لآدم خصوصية على سائر المخلوقات؛ فهذا الأسلوب في اللغة العربية لا يدل على خصوص فعل اليدين، بل يعبر بهذا عن مطلق الفعل سواء كان باليد أو بغيرها، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فيدخل في ذلك كل ما كسبه الإنسان سواء كان بيديه أم بغيرها من سائر جوارحه.
ومن أساليب اللغة العربية إسناد الفعل لليدين؛ وإن لم يكن الفعل حصل باليدين، لأنهما أداة الفعل في الغالب، فيقال: «هذا بما كسبت يداك»، وإن كان شيئًا قاله بلسانه.
فهذا فرق بين الآيتين، فاللهُ تعالى خلق آدم بيديه، وخصه بذلك تكريمًا، وتشريفًا.
وخلق سائر الأنعام بمشيئته وقدرته، وكلماته الكونية؛ فبطل بهذا قول من قال: «إن آية (ص) مثل آية (يس)» بما سبق بيانه من الفروق: اللفظية، والمعنوية (^١).
وكما دل القرآن على إثبات اليدين؛ فقد دلت السنة المتواترة على ذلك، وأجمع السلف على إثبات صفة اليدين لله تعالى.
_________________
(١) «بيان تلبيس الجهمية» ٥/ ٤٧٨، و«الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز» ص ٣٦٣، و«الصواعق المرسلة» ١/ ٢٦٨.
[ ٣١٩ ]
ومن أدلة السنة على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صحيح مسلم، وغيره قال: قال رسول الله ﷺ: «المقسطون عند الله على منابرَ مِنْ نورٍ عن يمين الرحمن، - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا».
وقوله: «عن يمين الرحمن» أي يلون يده اليمين؛ بدليل قوله: «وكلتا يديه يمين»، ومعنى «يمين»: أي: ذات يُمنٍ، وخير، وبركة. وفي ذلك احتراز لدفع توهم النقص في اليد الأخرى، ولله تعالى يدان، ونطق القرآن بإثبات اليمين، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وورد في بعض الألفاظ تسمية اليد الأخرى بالشمال، كما في صحيح مسلم (^١)، وفي بعض الألفاظ قال: «اليد الأخرى» (^٢).
فإحدى يدي الرب تعالى تسمى: «اليمين»، وله يد أخرى، وإن كان وصف اليمين شاملًا لكلتا يديه ﷾، ولو كانت كلتا يديه تسمى بذلك؛ لم يكن لتخصيص المقسطين بأنهم عن يمين الرحمن معنى، ولصح أن يقال: إنه تعالى: يقبض الأرض بيمينه، وهو خلاف ظاهر القرآن، وظاهر السنة.
* * *
_________________
(١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) رواه البخاري (٧٤١١)، ومسلم (٩٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وجاء في إحدى روايات حديث ابن عمر ﵄ السابق عند أبي داود (٤٧٣٢).
[ ٣٢٠ ]