وإن كان المخاطَبُ ممَّن ينكرُ الصفات، ويقرُّ بالأسماء؛ كالمعتزلي، الذي يقول: «إنه حي، عليم، قدير»، وينكر أن يتصف بالحياة، والعلم، والقدرة.
قيل له: «لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات»، فإنك إن قلت: «إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي: تشبيهًا وتجسيمًا؛ لأنا لا نجدُ في الشاهد متصفًا بالصفات إلا ما هو جسم».
قيل لك: «ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه حي، عليم، قدير؛ إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم؛ فانفِ الأسماء؛ بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم».
فكل ما يحتج به من نفى الصفات؛ يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك؛ كان جوابًا لمثبتي الصفات.
[ ١٨٥ ]
الخطاب هنا مع المعتزلي الذي ينكر الصفات، ويُقِرُّ بالأسماء فيثبت لله - مثلًا - اسم الحي، والعليم، والقدير، وينكر أن يتصف بالحياة، والعلم، والقدرة.
فهذا يرد عليه في ضوء الأصل المتقدم، فيقال: «القول في الصفات كالقول في الأسماء»، فلا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات، فإن كان إثبات الأسماء لا محذور فيه؛ فكذلك الصفات، وإن كان إثبات الصفات فيه محذور؛ فكذلك الأسماء، فيلزمه أحد ثلاثة أمور ليخرج من تناقضه:
١ - أن ينفي الجميعَ - الأسماء، والصفات -، فيخرج عن مذهبه إلى مذهب الجهمية.
٢ - أو يثبت الجميعَ؛ وإن لزم عليه محذور التمثيل.
٣ - أو يثبت الجميعَ على الوجه اللائق بالله تعالى؛ وهذا هو المطلوب.
فإن قال هذا المعتزلي - الذي يثبت الأسماء وينكر الصفات -: (إنَّ إثبات الصفات؛ كالحياة، والعلم، والقدرة؛ يقتضي تشبيهًا وتجسيمًا، لأنا لا نجد في الشاهد متصفًا بالصفات إلا ما هو جسم).
قيل له: (وكذلك لا نجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه: حيٌ، عليم، قدير إلا ما هو جسم)، فإن كنت نَفيتَ الصفات لأنك لا تجد في الشاهد
[ ١٨٦ ]
متصفًا بالصفات إلا الجسم، فيلزمك نفي الأسماء، بل ونفي كل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم.
وقول المؤلف: (فكل ما يحتج به من نَفى الصفات) يعني: المعتزلي (يحتج به نافي الأسماء الحسنى) يعني: الجهمي (فما كان جوابًا لذلك) يعني: المعتزلي على الجهمي (كان جوابًا لمثبتي الصفات) يعني: على المعتزلي.
فالحجة التي نفى بها المعتزلي الصفات يحتج بها الجهمي على نفي الأسماء، وما يَرُدُّ به المعتزلي على الجهمي لنفيه الأسماء، يرد به أهل السنة والجماعة على المعتزلي لنفيه الصفات (^١).
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٧ و٧٤، و«درء تعارض العقل والنقل» ١/ ١٢٧، و«الصفدية» ص ٣٢٧، و«شرح حديث النزول» ص ١١٢.
[ ١٨٧ ]