وإن قال نفاة الصفات: «إثبات العلم، والقدرة، والإرادة؛ يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع».
قيل: «وإذا قلتم: «هو موجود، واجب، وعَقْلٌ وعاقِلٌ ومعقولٌ، وعَاشِقٌ ومعشوقٌ، ولذيذٌ وملتذ ولذة». أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه، وتسمونه توحيدًا».
فإن قالوا: «هذا توحيد في الحقيقة، وليس هذا تركيبًا ممتنعًا».
قيل لهم: «واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة، وليس هو تركيبًا ممتنعًا».
يذكر المؤلفُ ﵀ هنا شبهةً أخرى لنفاة الصفات؛ وهي: شبهة معروفة عن الفلاسفة، وقد أخذها عنهم بعض المتكلمين، حيث زعموا: «أن إثبات صفات متعددة، متغايرة المعنى؛ كالعلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر؛ يلزم منه التركيب»، أي: يلزم منه أنْ تكونَ
[ ٢٠٣ ]
ذاتُ الله تعالى وتقدس مركبةً، فيجب نفي الصفات، لاستلزامها هذا المعنى الممتنع الباطل.
والمركب؛ هو: «المكون من شيئين» مثلًا، وهو: «المنقسم»، وله معانٍ في اللغة (^١)، والاصطلاح، وهو في اصطلاح الفلاسفة: «ما يتميز فيه وجه عن وجه»، يعني: ما يتميز بعضه عن بعض، فيكون متميزًا، له جوانب، ومعانٍ.
وهم يَغْلُون في توحيد الله، فيقولون: «إنه واحد من جميع الوجوه»، ومن هنا نفوا الصفات؛ لأنها تتضمن إثبات معانٍ للذات الواحدة.
ويجيب الشيخ عن هذه الشبهة المعروفة ب «شبهة التركيب» عند الفلاسفة، بأنَّا لو سلمنا جدلًا بأنَّ إثبات الصفات تركيبٌ؛ فأنتم أيها الفلاسفة تقولون: (بأنَّ الله تعالى: موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة). وهذه معانٍ متعددة ومتغايرة، وهو تركيب عندكم، ومع ذلك تثبتونه لله تعالى وتسمونه «توحيدًا»، فإن كان إثبات هذه المعاني عندكم توحيدًا، فإثبات الصفات لله تعالى توحيد، وإن كان إثبات الصفات لله تعالى يعد عندكم من التركيب الممتنع، لإفادتها معانٍ متعددة؛ فكذلك ما أطلقتموه على الله تعالى يعدُّ تركيبًا ممتنعًا، يعني: أنا نقول لكم فيما نفيتم كما تقولونه فيما أثبتم، ونقول لكم فيما أثبتم ما تقولونه فيما نفيتم.
وإطلاق الفلاسفة على الله تعالى بأنه (عَقْلٌ) لا يجوز لما يلي:
_________________
(١) «القاموس المحيط» ص ١١٧.
[ ٢٠٤ ]
١ - أنه لفظ مبتدع لم يرد به الشرع.
٢ - أنه مأخوذ من العِقال، وسمي العقل عَقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن الوقوع فيما لا يحسن، ويمنعه عنه (^١)، وهذا المعنى لا يليق بالله تعالى؛ لأنه يشعر بنقص يناسب المخلوق؛ بل الله تعالى عالم، وعليم، وعلام الغيوب ﷾.
وأما القول بأنه (معقول) فهذه اللفظة؛ تتضمن نسبة العقل إلى الإنسان، فهو يعقل صفات الله تعالى، أي: يعلمها ويفهم معناها بعقله، فالمسألة هنا أسهل.
وكذلك إطلاق لفظ (عشق)، و(عاشق)، و(معشوق)؛ لا يجوز في حق الله تعالى لما يلي:
١ - أنه لم يرد في الشرع؛ بل هو لفظ مبتدع.
٢ - أنه يتضمن معنى لا يناسب في حق الرب تعالى (^٢)، بل لا يقال فيه تعالى ولا يطلق عليه؛ إلا ما ورد في الكتاب والسنة؛ من أنه تعالى: يحبُ أولياءه ويحبونه.
بقي سؤال هنا؛ وهو: هل يجوز إطلاق لفظ «التركيب» على الله تعالى نفيًا أو إثباتًا؟
والجواب: أن يقال: «إن لفظ «التركيب» كغيره من الألفاظ المحدثة، والمحتملة، مثل: «التجسيم»، و«التشبيه»، فقد يتضمن نفيها؛ نفي
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» ٤/ ٦٩.
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» ٥/ ٨٢.
[ ٢٠٥ ]
المعنى الحق، وقد يتضمن إثباتها؛ إثبات المعنى الباطل، ولذا وجب الاستفصال والتفصيل، فلا تنفى مطلقًا، ولا يثبت معناها مطلقًا».
وقد فصَّل شيخ الإسلام هذا المعنى في بعض كتبه ك «المنهاج» وغيره (^١)، وبيَّن أن المركب يحتمل معانٍ؛ منها:
١ - ما كان متفرقًا، ثم اجتمع.
٢ - ما يقبل الانقسام والتفرق.
٣ - ما تقوم به العديد من الصفات، كما عند الفلاسفة.
فالأول والثاني باطلان ممتنعان على الله تعالى؛ لأنه سبحانه: أحدٌ، صمد، لم يلد ولم يولد، ولا تجزُّؤ في ذاته.
وأما الثالث؛ فهو باطل من جهة اللغة، فليس في لغة العرب تسمية الواحد الموصوف بالصفات مركبًا.
وأما من جهة المعنى؛ فهو ثابت لله تعالى، وإن سماه الفلاسفة تركيبًا، فالاصطلاحات اللفظية؛ ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية.
* * *
_________________
(١) «منهاج السنة» ٢/ ١٦٤ و٢/ ٥٣٨، و«الرد على المنطقيين» ص ٢٢٦، و«شرح حديث النزول» ص ٨٨، و«الصفدية» ص ١٣٤، و«شرح الأصبهانية» ص ٧٢، و«درء تعارض العقل والنقل» ١/ ١٠٠ و٣/ ٤٠٣ ٥/ ١٤٢ و٩/ ٣١٠، و«الرسالة الأكملية» ص ١٠٩، و«فهرس مجموع الفتاوى» ٣٦/ ١١٣.
[ ٢٠٦ ]
وذلك أنه من المعلوم في صريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا؛ هو معنى كونه قادرًا، ولا نفس ذاته؛ هو نفس كونه عالمًا قادرًا، فمن جوَّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف؛ فهو من أعظم الناس سَفسطة، ثم إنه متناقض؛ فإنه إن جَوَّز ذلك؛ جاز أن يكون وجودُ هذا هو وجود هذا، فيكون الوجودُ واحدًا بالعَين لا بالنوع.
وحينئذٍ، فإذا كان وجود الممكن؛ هو وجود الواجب، كان وجودُ كلِّ مخلوقٍ - يعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه -؛ هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم.
وإذا قُدِّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكلِّ تشبيه وتجسيم، وكلِّ نقص، وكلِّ عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طَرَدُوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذٍ؛ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير.
يؤكد الشيخ ما سبق في رده على الفلاسفة في شبهة «التركيب»، فيبين أنه من المعلوم بصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا؛ هو معنى كونه قادرًا، وهذا فيه رد على الفلاسفة في قولهم: «إن العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، والإرادة هي الحياة»، فيجعلون
[ ٢٠٧ ]
الصفة هي الصفة الأخرى، وهكذا بقية الصفات، فكل صفة معناها هو معنى الصفة الأخرى.
كما أنه من المعلوم أن نفس ذاته ليس هو معنى كونه عالمًا قادرًا، وهذا يرجع إلى إبطال قولهم: إن الصفة هي الموصوف.
(فمن جوَّز أن تكون الصفة هي الصفة الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف؛ فهو من أعظم الناس سَفسطة)، أي: مناقضة للعقول، ثم إن من قال بهذا القول؛ فإنه متناقض، ووجه تناقضه: أنه إذا جوَّز الوَحْدة بين هذه المعاني المتعددة المختلفة: لزمه (أنْ يجوِّز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا)، أي: وجود هذا الممكن، هو وجود ذاك الممكن، فوجود هذا الإنسان هو وجود ذلك الإنسان الآخر، والثالث، والرابع وهلمَّ جرَّا من بقية الموجودات من حيوانات، وجمادات، ومن جميع المعاني المتعددة.
فإذا جعل العلمَ هو القدرة، والسمع هو البصر وهكذا، وجعل العلمَ هو العالم، فَطَرْدُ ذلك: أن يكون وجود الموجودات واحدًا، فالوجود عنده واحد بالعين لا بالنوع.
والواحد بالعين؛ هو: الذي لا يقبل الشركة، أي: الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
والواحد بالنوع؛ هو: المشترك، أي: الذي لا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه.
[ ٢٠٨ ]
فهؤلاء جعلوا الوجود الواحد بالنوع واحدًا بالعين، فصار وجود الممكن؛ هو وجود الواجب، أي: صار وجودُ المخلوقِ، الذي يعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه؛ هو: نفس وجود الرب الواجب الغني عن كل ما سواه، الذي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم.
وإذا كان الواقع كما يقوله هؤلاء الفلاسفة؛ لزم أن يكون الوجودُ الواجب - أي: وجود الرب تعالى - موصوفًا بكلِّ تشبيه وتجسيم، وكلِّ نقص وعيب، طالما أنه لا فرق بين وجود الواجب، والممكن. أي: الخالق، والمخلوق.
وهذا اللازم يصرح به أهل (وَحْدة الوجود الذين طَرَدُوا هذا الأصل الفاسد). أي: عمَّموه، وأطلقوه، والتزموا به.
وقد تبين مما سبق: أن أقوال نفاة الصفات باطلة على كلِّ تقدير، أي: سواء أجيب عنها بفرض التسليم، أو بالمنع، كما سبق في الرد على الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، والفلاسفة والباطنية.
* * *
[ ٢٠٩ ]