وإن كان المخاطَب من الغلاةِ، نفاةِ الأسماء والصفات، وقال: «لا أقول هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير؛ بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجازٌ، لأن إثبات ذلك؛ يستلزم التشبيه بالموجود، الحي، العليم، القدير.
قيل له: «وكذلك إذا قلت: «ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير»، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات».
الخطاب هنا مع صنف من الغلاة، وهم الذين ينفون الأسماء والصفات، (^١) وهؤلاء غلاةٌ بالنسبة للمعتزلة، وكلُّ الغلاة ينفون الأسماء والصفات وهذا الوصف يصدق على الجهمية، والفلاسفة؛ بل وحتى الباطنية، وإن كان الباطنيةُ عندهم غُلوٌّ أعظمُ من ذلك.
ومن نفى أسماء الله وصفاته - فقال: (إن الله تعالى ليس بحي، ولا عليم، ولا قدير)، وليس بموجود، وليس له حياة، ولا علم، ولا قدرة،
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٧.
[ ١٨٨ ]
وهكذا بقية الأسماء والصفات» -؛ شُبْهَتُه في ذلك: أنَّ إثباتها يستلزم تشبيه الله بالموجود، الحي، العليم، القدير، فيَحمل ما جاء في القرآن من أسماء الله وصفاته على أنها أسماء لمخلوقاته، أو أنها مجاز.
وهذه الشبهة عنها جوابان:
الأول: على فرض التسليم بأن إثبات هذه الأسماء والصفات يستلزم التشبيه بالموجودات، فيقال: «ونفي الأسماء والصفات يستلزم التشبيه بالمعدومات، وهو أقبح من التشبيه بالموجودات».
الثاني: سيذكره الشيخ فيما بعد (^١)، ومضمونه: الجواب بالمنع؛ وهو: أنه لا يلزم مِنْ اتفاقِ المسميين في بعض الأسماء والصفات عند الإطلاقِ؛ التشبيهُ الذي نفته الأدلةُ العقلية والنقلية. فالاتفاقُ في القدر المشترك والمعنى الكلي عند الإطلاقِ؛ لم تنفه الأدلة، ولا يستلزم التشبيه، وإنما المنفي ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق أو المخلوق.
* * *
_________________
(١) ص ١٩٩.
[ ١٨٩ ]
فإن قال: «أنا أنفي النفي والإثبات».
قيل له: «فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات؛ فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل».
أي: أن هذا النافي للأسماء والصفات لما أُلزِم بالتشبيه بالمعدومات؛ انتقل من وصف الله بالنفي فقط؛ إلى الوصف بالنفي ونفي النفي! - يعني - ينتقل من نفي الصفات الثبوتية إلى نفي النقيضين؛ فيقول: «لا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل، ولا حي ولا ميت»!، فانتقل عن أنْ يكون جهميًا غاليًا إلى أن يكون باطنيًا.
والجواب عن هذا الذي ينفي النقيضين: أنه يلزم منه التشبيه بالممتنعات؛ فإن سلب النقيضين؛ كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعاتِ، والممتنعُ أبعد عن الكمال من المعدوم الممكن (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ١٢٠.
[ ١٩٠ ]
فإن قلت: «إنما يمتنع نفي النقيضين عمَّا يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العَدَمِ والمَلَكَةِ، لا تقابل السَّلْبِ والإيجاب، فإنَّ الجِدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت؛ إذ ليس بقابل لهما».
قيل لك: «أولًا: هذا لا يصح في الوجود والعَدَم، فإنهما متقابلان تقابل السَّلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما؛ ثبوت الآخر.
وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل؛ فهذا اصطلاحٌ اصْطَلَحَتْ عليه المتفلسفةُ المشَّاؤون، و«الاصطلاحاتُ اللفظية؛ ليست دليلًا على نفي الحقائق العقلية»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون (٢١)﴾ [النحل] فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهورٌ في لغة العرب، وغيرهم».
هذا اعتذارٌ ممن ينفي النقيضين عن إلزامه تشبيه الله تعالى بالممتنعات، حيث قال: «إن هذا الإلزام يلزم مَنْ ينفي النقيضين عن القابل لهما، أمَّا ما ليس قابلًا لهما؛ فيجوز نفيهما عنه، فالجدار - مثلًا -
لما كان غيرَ قابلٍ للحياة والموت، والعمى والبصر، ونحو ذلك؛ صح نفي هذين المتقابلين عنه، فيقال: «ليس بحي ولا ميت، ولا أعمى ولا
[ ١٩١ ]
بصير، ونحو ذلك»، والله تعالى غيرُ قابلٍ للاتصاف بالصفة ولا ضدها؛ فيصح نفيهما عنه».
وقبل ذكرِ الرد عليه؛ نُبيَّن بعض المصطلحات الواردة في كلام المؤلف:
فالنقيضان؛ هما: «المتقابلانِ اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان معًا في شيء واحد» (^١)؛ مثل: السَّلب والإيجاب، والوجود والعدم.
والضدان؛ هما: «الأمرانِ الوجوديان اللذان لا يجتمعان، وقد يرتفعان» (^٢)؛ كالسَّواد والبياض، فإنه يمتنع أن تكون نقطةٌ سوداءُ وبيضاءُ في وقت واحد؛ لكن يمكن أن تكون حمراء.
والعَدَمُ والمَلَكَةُ؛ هما: «الأمرانِ المتقابلان اللذان، أحدهما وجودي والآخر عدمي؛ وهو عدمُ ذلك الوجودي عمَّا من شأنه أن يقبله» (^٣)؛ كالحياة والموت بالنسبة للإنسان؛ فيمتنع نفيهما عنه.
فهذا النافي للصفة وضدها؛ كالحياة والموت، والبصر والعمى، لما قيل له: «إنه يلزم من ذلك نفي النقيضين، وهو ممتنع».
قال: «إن هذا الإلزام إنما يلزم في النقيضين، وهذه المتقابلات من قبيل العدم والملكة؛ لا من قبيل السلب والإيجاب، والمتقابلانِ تقابل العدم والملكة؛ يجوز نفيهما عمَّا ليس قابلًا لهما».
_________________
(١) تقدم في ص ١٣٢ ذِكره، وتوثيقه.
(٢) «شرح الكوكب المنير» ١/ ٦٨، و«آداب البحث والمناظرة» ص ٤٤.
(٣) «الجواب الصحيح» ٢/ ١٢٧، و«آداب البحث والمناظرة» ص ٤٥.
[ ١٩٢ ]
ويُرد على من نفى النقيضين عن الله - بنفيه الصفة وضدها - بحجةِ أنَّ اللهَ غيرُ قابل للاتصاف بذلك؛ بجوابين (^١):
الجواب الأول: المنع، والجواب بالمنع من ناحيتين:
١ - لو سلمنا صحةَ نفي النقيضين عن الله تعالى على أنهما يتقابلان تقابل العدم والملكة في الصفات؛ فإنه لا يصح في الوجود والعدم؛ لأنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، لا تقابل العدم والملكة باتفاق العقلاء؛ فإنه يلزم من رفع أحدهما؛ ثبوت الآخر في أي شيء.
٢ - (أن ما ذكرته مِنْ أنَّ الحياة والموت، والعلم والجهل)؛ يصحُ نفيهما عما ليس قابلًا لهما: (اصطلاح اصطلح عليه الفلاسفة المشَّاؤون) أتباع أرسطو - وسموا بذلك لأنهم يتعلمون فلسفتهم حال مشيهم (^٢) - فهو اصطلاحٌ فلسفي، وليس حكمًا عقليًا ولا شرعيًا، والاصطلاحاتُ اللفظية لا تدل على نفي الحقائق العقلية، ولا تغير منها شيئًا.
فدعوى أنه يجوز نفي هذه المتقابلات عمَّا ليس قابلًا لها؛ كما مثلوا في نفي الحياة والموت عن الجدار، هذا اصطلاح فلسفي،
_________________
(١) سيذكر ابن تيمية هذه الشبهة ويجيب عنها بجواب أطول في «القاعدة السابعة» ص ٥٦٤، وكذا ذكرها في مواضع من كتبه. انظر الإحالة إليها في الموضع المشار إليه في «القاعدة السابعة».
(٢) «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» ص ١٩، وفي «الملل والنحل» ٢/ ٨٧: «كان أفلاطون يلقِن الحكمةَ ماشيًا تعظيمًا لها، وتابعه على ذلك أرسطوطاليس، ويسمى هو وأصحابه: «المشائين».
[ ١٩٣ ]
أما عند العقلاء، وفي لغات العالم؛ فالجدار ميت، والحجر ميت، والعصا ميتة.
ودعوى أنَّ الجدارَ غيرُ قابل للحياة، وكذا العصا غير مسلَّم، فالعصا قبِلتْ الحياة؛ كما في عصا موسى ﵇ (^١)، والطين قابل للحياة، كما سيأتي في «القاعدة الأولى» (^٢).
واستَشهد الشيخُ هنا بقول الله تعالى عن أصنام المشركين: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون (٢١)﴾.
فسمى الجمادَ ميتًا، وهذا معروف في لغة العرب، وغيرهم.
* * *
_________________
(١) قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِين (١٠٧)﴾ [الأعراف].
(٢) ص ٢٧٤، وفي «القاعدة السابعة» ص ٥٧٠.
[ ١٩٤ ]
وقيل لك: ثانيًا: «فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت، والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات؛ أنقصُ ممَّا يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر؛ أكملُ مِنَ الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما، فأنت فررتَ من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك».
وأيضًا: «فما لا يقبل الوجود والعدم؛ أعظمُ امتناعًا مِنَ القابل للوجود والعدم؛ بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعًا، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم؛ كان أعظمَ امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم.
وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول؛ فذلك أعظم امتناعًا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم؛ هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد».
هذا هو الجواب الثاني من الرد، وهو على فرض التسليم، والرد بهذا من وجهين:
١ - بالنسبة لهذه المتقابلات إذا سلمنا أنه يجوز نفيها عمَّا ليس قابلًا لها، فما لا يقبل الاتصاف بواحد من هذه المتقابلات؛ أعظمُ نقصًا من
[ ١٩٥ ]
القابل لها، فالأعمى الذي يقبل الاتصافَ بالبصر؛ أكملُ من الجدار الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما - على حد زعمهم -، فلو قالوا: «إن الله يقبل الاتصاف بالحياة والموت؛ لكان أهون من قولهم: «إنه لا يقبل الاتصاف بهما» - حسب اصطلاحهم -؛ لأن ما لا يقبل؛ كالجدار؛ أعظمُ نقصًا من القابل لهما.
فهذا فرَّ من تشبيه الله تعالى بالأحياء القابلة للكمال، فوصفه بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك.
٢ - وبالنسبة للوجود والعدم: لو سلمنا جواز نفيهما عمَّا ليس بقابل لهما؛ فيقال: «إذا كان من المعلومِ بصرائحِ العقولِ امتناعُ وصفِ الشي بأنه موجودٌ معدوم، أو نفي الوجود والعدم عنه، وإذا كان ذلك ممتنعًا عقلًا؛ فإنَّ جَعْلَ الشيءِ غيرَ قابلٍ للاتصاف بالوجود والعدم؛ أعظمُ امتناعًا».
فهذا الذي نفى الصفةَ وضدَها عن الله، ومنعَ قبولَ اتصافِ الله تعالى بالوجود والعدم؛ جعَلَ وجودَ الربِ الواجبِ الذي لا يقبلُ العدمَ: أعظمَ الممتنعاتِ، وهذا غايةُ التناقض والفساد.
* * *
[ ١٩٦ ]
وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم - ورفعُهما؛ كجمعِهما -، ومنهم من يقول: «لا أثبت واحدًا منهما»، وامتناعُه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر؛ لا يمنعُ تحققَ واحدٍ منهما في نفس الأمر، وإنما هو: كجهلِ الجاهل، وسكوتِ الساكت، الذي لا يُعبِّر عن الحقائق.
وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم؛ أعظمَ امتناعًا مما يُقَدَّر قبوله لهما - مع نفيهما عنه - فما يُقَدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم؛ أقرب إلى المعدوم والممتنع ممَّا يُقَدَّر قابلًا لهما مع نفيهما عنه.
وحينئذٍ؛ فنفيهما مع كونه قابلًا لهما؛ أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجبِ الوجود قابلًا؛ وجب له؛ لعدمِ توقفِ صفاته على غيره، فإذا جاز القبول؛ وجب، وإذا جاز وجود المقبول؛ وجب، وقد بسط هذا في موضع آخر، وبُيِّنَ وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
يشير الشيخ هنا إلى مَنْ قال: «أنا أنفي النفي والإثبات»، فمنهم من يصرح بنفي النقيضين فيقول: «لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل»، ومنهم من يقول: (أنا لا أثبت واحدًا منهما)، أي:
[ ١٩٧ ]
لا أقول: «موجود ولا معدوم، ولا لا موجود ولا لا معدوم»، فامتناعه عن إثبات أحدهما؛ لا يغير من الواقع شيئًا، ولا يمنعُ تحقق واحد منهما في نفس الأمر؛ بل هو مثل: سكوت الساكت، وجهل الجاهل (^١).
وقول المؤلف: (وما جاز لواجب الوجود قابلًا؛ وجب له؛ لعدمِ توقفِ صفاته على غيره ..).
أي: إذا جاز أن يكون الله تعالى قابلًا للشيء؛ وجب أن يكون قابلًا له؛ لعدم توقف صفاته على غيره، فالممكن الذي يقبل الوجود؛ لا يجب له الوجود؛ لأن وجوده متوقفٌ على غيره، أما الله تعالى فلا يتوقف اتصافه بصفات الكمال على غيره، فما جاز لواجب الوجود قبوله؛ صار واجبًا، أي بمعنى: وجب أن يكون قابلًا (^٢).
فصفة العلم والسمع والبصر والحياة وغيرها من الصفات الذاتية؛ واجبة لله تعالى.
وأما الصفات الفعلية؛ فتوصف بالجواز لا الوجوب.
* * *
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ٧٤ و١٢١، و«مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٢، و«الرسالة الأكملية» ص ١٢٢.
(٢) «الرسالة الأكملية» ص ٧٦، و«مجموع الفتاوى» ١٢/ ١٥٧، و«الرد على المنطقيين» ص ٢٨٥.
[ ١٩٨ ]
وقيل له - أيضًا: «اتفاقُ المسَمَّيَيْنِ في بعض الأسماء والصفات؛ ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلةُ السمعيات والعقليات، وإنما نفَتْ ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، ممَّا يختص ب: وجوبه، أو جوازه، أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾».
يردُّ الشيخ هنا على الجهمي الذي سبق ذكرُ شبهته في نفي الأسماء والصفات؛ وهي: «شبهة استلزام الإثبات للتشبيه»، وذكر الشيخ هناك (^١) أحد الجوابين عن هذه الشبهة؛ وهو: جوابٌ بالتسليم.
وهنا يذكر الجواب الثاني،؛ وهو: جواب بالمنع؛ وهو أن يقال:
«إنَّ اتفاقَ المسَمَّيَيْنِ عند الإطلاق في الأسماء والصفات؛ ليس هو التمثيل الذي نفته الأدلةُ العقلية والشرعية، فليس في إثبات القدر المشترك - الذي هو المعنى العام الكلي للصفة - تمثيلٌ، وإنما التمثيل المنفي: ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق ﷾، أو المخلوق، ممَّا يختص ب: وجوبه، أو جوازه، أو امتناعه».
فأما ما يختص الرب بوجوبه؛ فالصفات الذاتية؛ كالحياة، والقدرة.
_________________
(١) ص ١٨٨.
[ ١٩٩ ]
وأما ما يختص بجوازه؛ فالصفات الفعلية؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة.
وأما ما يختص بامتناعه؛ فالنقائص، وهذه هي أحكام العقل الثلاثة.
وممَّا يختص المخلوق بوجوبه؛ الحدوث، والافتقار.
وممَّا يختص المخلوق بجوازه عليه؛ فكالحياة، وبعض صفات الكمال، والنقص.
وممَّا يختص المخلوق بامتناعه؛ فكل ما يختص به الرب تعالى من صفات الكمال.
* * *
[ ٢٠٠ ]
وأما ما نفيته؛ فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك: تشبيهًا، وتجسيمًا؛ تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مُسَمٍّ بهذا الاسم؛ يجب نفيه.
ولو ساغ هذا؛ لكان كل مُبطلٍ يسمي الحق بأسماء يُنَفِّرُ عنها بعض الناس، ليُكَذِّب الناسُ بالحق المعلوم بالسمع والعقل.
وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة.
أي: يقال لهذا الجهمي الذي ينفي أسماء الله وصفاته: «إنَّ ما نفيته ثابت بالأدلة الشرعية والعقلية، وتسميتك إثبات ذلك: تشبيهًا وتجسيمًا؛ تمويه وتلبيس على الجهال، الذين تؤثر فيهم العناوين والأسماء المخالفة للحقائق؛ فيظنون أن كل معنى سماه مسَمٍّ بهذا الاسم الذي هو التشبيه؛ يجب نفيه».
فالجاهلُ يتأثرُ بتسميةِ المعطلِ إثباتَ الصفات لله تعالى: (تشبيهًا وتجسيمًا)، فتؤثر هذه التسمية في دينه وعقله، ويبادر إلى التكذيب بالحق المعلوم بالسمع والعقل، ويخرج إلى التعطيل المستلزم للكفر والجهالة، والغي والضلالة.
[ ٢٠١ ]
أما أهلُ العلم والبصيرة؛ فلا تؤثر فيهم هذه التسميات الكاذبة، والاصطلاحات الحادثة؛ فإن الاصطلاحات اللفظية الحادثة؛ لا تغير ولا تنفي الحقائق العقلية والشرعية الثابتة.
فمن نفى التشبيه عن الله تعالى ممَّن لم يُعرف باتباعه لمنهج أهل السنة والجماعة؛ فإنا نستفصل عن مراده بالتشبيه الذي نفاه؛ فإن قصد بذلك نفي صفات الله تعالى الثابتة له بحجة استلزام إثباتها للتشبيه؛ فيُرَدُّ عليه نفيه، فليس في إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به؛ تشبيهٌ، وإنْ قصد بنفي التشبيهِ ما هو من خصائص المخلوق؛ فنعم.
* * *
[ ٢٠٢ ]