وقد قال ﷾: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] ذكر ذلك في موضعين من كتابه.
وقد بيَّن في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام - وأصلُ الشرك: الشركُ بالشيطان - فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون (٣١)﴾ [التوبة].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُون (٨٠)﴾ [آل عمران]، فبيَّن أن اتخاذَ الملائكة والنبيين أربابًا؛ كفرٌ.
[ ٥٨٩ ]
بعد أن ذكر الشيخ أَوجبَ الواجبات، وأعظمَ الحسنات؛ وهو: شهادة أن لا إله إلا الله؛ ذكر ما يضاد هذا الأصل؛ وهو: عبادة غير الله، فالشرك ضد التوحيد.
والشرك أعظم الذنوب، وأظلم الظلم، كما في حديث ابن مسعود ﵁ لما سأل النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا، وهو خلقك» (^١)، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان].
والشرك الذي يناقض أصل التوحيد والإيمان؛ هو: الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر؛ فإنما يناقض: كمال التوحيد الواجب.
فالموحد؛ هو: الذي أفرد الله تعالى بالعبادة، وآمن أنه لا يستحقها غيره، وكفر بما يعبد من دون الله.
والمشرك؛ هو: الذي عبد مع الله غيره.
ومما يدل على عِظم الشرك الأكبر خصائصُه الثلاثة؛ وهي:
١ - أنه لا يغفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾.
٢ - أنه موجب للخلود في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢].
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).
[ ٥٩٠ ]
٣ - أنه لا ينفع معه عمل، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٨٨)﴾ [الأنعام].
وقسم العلماء الشرك الأكبر إلى أقسام (^١):
فمنه: شرك الطاعة، وشرك المحبة، وشرك الدعاء، وشرك الإرادة.
فدليل شرك الطاعة؛ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون (١٢١)﴾ [الأنعام].
ودليل شرك المحبة؛ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
ودليل شرك الدعاء؛ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)﴾ [العنكبوت]، أي: بدعاء غير الله، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلَال (١٤)﴾ [الرعد].
ودليل شرك الإرادة؛ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ [هود].
_________________
(١) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» ١/ ٦٦١، و«الضياء الشارق» ص ١٨٧.
[ ٥٩١ ]
والشرك الأكبر بالنظر إلى المعبودين لا يمكن حصره، ولكن الشيخ هنا ذكر ما جاء منه في القرآن الكريم.
فمن ذلك: الشرك في الملائكة، والأنبياء، والصالحين، والكواكب، والجن.
ومن أدلة الشرك بالأنبياء، والملائكة؛ ما ذكره الشيخ من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُون (٨٠)﴾، فبيَّن أن اتخاذ الملائكة، والنبيين أربابًا؛ كفرٌ، ومن أدلة الشرك بالأنبياء؛ آية المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ الآيةَ.
ومن أدلة الشرك بالصالحين؛ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾، وذلك بطاعتهم في تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ الله.
وليس معنى قوله: ﴿أَرْبَابًا﴾ أي مشاركون له في أفعاله؛ من: الخلق، والملك، والتدبير؛ بل المقصود بذلك: اتخاذهم آلهة ومعبودين، فالرب يطلق في اللغة على: «المعبود» (^١)، ومثلُ هذه الآيةِ الآيةُ الأخرى؛ وهي: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا﴾.
_________________
(١) لم أجد في كتب اللغة هذا المعنى، ووجدت: «المالِك، والسيد، والمُصْلح، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّم، والمُنْعِم»، لكن ذكر جمع من المفسرين أن «الرب» لغة: «المعبود». كصاحب: «المحرر الوجيز» ١/ ٦٧، و«الجامع لأحكام القرآن» ١/ ٢١١، و«الدر المصون» ١/ ٤٢، و«اللباب في علوم الكتاب» ١/ ١٧٩، وغيرهم.
[ ٥٩٢ ]
والموجِبُ لتفسيرِ «الأربابِ» ب «المعبودينَ، والآلهةِ» - أي بالشرك في توحيد الإلهية، وليس بالشرك في توحيد الربوبية -؛ الواقعُ؛ لأنه لم يكن أحد من هؤلاء المشركين يعتقد مشاركة الأنبياء، والأحبار، والرهبان لله تعالى في الخلق والتدبير؛ بل كان شركهم في العبادة والطاعة. كما سيذكر الشيخ ذلك.
ونبه الشيخ إلى أن الشرك الجامع للمشركين على اختلاف معبوداتهم؛ هو: الشرك بالشيطان، وذلك بطاعته في عبادة غير الله تعالى، كما قال ﷿: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)﴾ [يس].
* * *
[ ٥٩٣ ]