وبيان هذا، أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا؛ كالوجه واليد؛ ومنها ما هي: معانٍ وأعراض، وهي قائمة بنا؛ كالسمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة.
ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه: حي، عليم، قدير، لم يقل المسلمون: «إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا»؛ فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه؛ لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا؛ بل صفة الموصوف تناسبه.
فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين؛ فصفاته كذاته ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوبُ كالمنسوبِ، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه؛ كما قال النبي ﷺ: «ترون ربكم كما ترون الشمسَ، والقمرَ» فشبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي.
[ ٣٢٥ ]
أي: وبيان ما تقدم من أن ظاهر جميع نصوص الصفات مراد؛ وأن الظاهر هو ما يليق بالله تعالى ويختص به، كما هو قول أهل السنة والجماعة، مما يبين هذا: (أن صفاتنا منها ما هي أعيان) أي: متعينة متشخصة، و(أجسام)، والجسم؛ هو: «الشيء الكثيف»؛ كالبدن.
(وهي أبعاض لنا) أي: بعض منا، تقول: يد الإنسان بعضه، ووجهه بعضه، أو بعض منه.
ومن صفاتنا (ما هي معانٍ وأعراض) أي: معنوية لا تقوم بنفسها؛ كالعلم، والقدرة.
ولم يقل المسلمون لما أخبر الله تعالى عن نفسه بأنه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٩)﴾ [البقرة]، وأنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [الملك]: (إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا)، بل قالوا: «إن ظاهر ذلك مراد؛ لأن مفهومه في حقه ليس كمفهومه في حقنا».
فصفاته لا يقال لها: «أعراض»، لأن العرض؛ هو: «الذي يعرض ويزول»، ولا يقال لها: «أبعاض»؛ لأن ذلك يشعر بالتجزؤ.
ومن نزه الله تعالى عن الأعراض والأبعاض من نفاة الصفات؛ فلا بد من مواجهته بالاستفصال؛ كما تقدم في حكم الألفاظ المجملة في «القاعدة الثانية» (^١).
_________________
(١) ص ٢٩١.
[ ٣٢٦ ]
وكذلك لما أخبر الله أنه خلق آدم بيديه؛ لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه، كمفهومه في حقنا؛ وهو: «التمثيل»، فلما كان هذا الظن وهذا المفهوم منتفيًا؛ لم يقل المسلمون: «إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد»؛ بل قالوا: «إن ظاهره مراد»؛ لأن ظاهرها هو ما يليق بالله تعالى من الوصف الذي يناسبه، فكما أن للمخلوق صفة تناسبه، فلله تعالى صفة تناسبه.
وإذا كانت ذات الله تعالى ليست مثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين، و«الكلام في الصفات كالكلام في الذات».
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فالله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وقوله: (وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه) المنسوب؛ هو: الصفة، والمنسوب إليه؛ هو: الموصوف، أي: ليست الصفة المنسوبة إلى الله؛ كالصفة المنسوبة إلى المخلوق، (ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه) أي: وليس الخالق الذي تنسب إليه صفاته؛ كالمخلوق الذي تنسب إليه صفاته.
واستشهد الشيخ هنا بحديث الرؤية، وقد ذكره بمعناه، وقد جاء بألفاظ كثيرة، ومنها قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم؛ كما ترون هذا القمر» (^١) الحديثَ.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
[ ٣٢٧ ]
فالرؤية والرائي في الموضعين في الحديث متعلقة بالمخلوق، ولذا شبه (الرؤية بالرؤيةِ)، فرؤيةُ المؤمنين لربهم تشبه رؤيتهم للشمس صحوًا، والقمر ليلة البدر من حيث:
أولًا: الجلاء، والوضوح، وعدم الخفاء.
ثانيًا: أنها رؤية من العلو، وفيه رد على الأشاعرة القائلين بأنه: «يرى لا في جهة».
ثالثًا: الرؤية من غير إحاطة.
وأما المرئي، فالمذكور «أولًا» هو الله تعالى، والمذكور «ثانيًا» هو القمر، ولا يُقصد في الحديث تشبيه المرئي بالمرئي؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولهذا قال الشيخ تعليقًا على هذا الحديث: (فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي).
* * *
[ ٣٢٨ ]