والإخبارُ عن الغائب لا يُفهم إن لم يُعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأنَّ ما أخبر الله به مِنَ الغيب؛ أعظم ممَّا يعلم في الشاهد.
وفي الغائب: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (^١).
فنحن إذا أخبرَنا اللهُ بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار؛ علمنا معنى ذلك، وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسَّرنا ذلك.
وأمَّا نفسُ الحقيقةِ المخبَرِ عنها - مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة -؛ فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
قد يرد سؤال على ما تقدم: لماذا أخبرنا الله تعالى عن هذه الأمور الغيبية العظيمة المباينة لما في الدنيا بهذه الأسماء التي لها معنى في
_________________
(١) نص حديث تقدم تخريجه في ص ٣٥٦.
[ ٣٩١ ]
الشاهد مما كان سببًا بالنسبة لبعض الناس أن يتوهموا التشبيه؟ أجاب الشيخ على هذا السؤال:
بقوله: (والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد) (^١) أي: لا بدَّ للمخاطَب المخبَرِ عن ذلك الغيب من أمرين:
الأول: أن يعرف المعنى الذي في الشاهد.
فإذا كان لا يعرف المعنى الذي في الشاهد؛ فلا يمكن أنْ يعرفَ المخبَرَ عنه في الغائب.
الثاني: أن يعرف دلالة اللفظ على ذلك المعنى.
فقد يعرف المعنى ولكنه لا يعلم دلالة اللفظ عليه. مثال ذلك: إنسان لا يعرف التفاح ولا الموز، فإذا قلتَ له: «اشتريتُ تفاحًا أو موزًا»، فإنه لا يفهم هذا الخطاب، وإذا أريته التفاح والموز، وأخبرته بأنها نوع من المأكولات؛ عَرَف هذا الخطاب، وقَبْلَ ذلك لم يفهم ما قلتَ له؛ لأنه لا يعرف هذا المعنى؛ فضلًا عن أن يعرف دلالة هذا اللفظ عليه.
وقد يعرف هذا الإنسانُ هذا التفاحَ والموز، ولكن لا يعرفه بهذا الاسم، كما لو كان أعجميًا لا يعرف التفاح والموز إلا بلغته الأعجمية،
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ١٠٤.
[ ٣٩٢ ]
فهذا يعرف هذا المعنى ولكنه لا يعرف دلالة هذا اللفظ عليه، فإذا لم تمكن الترجمة؛ فإنك تحضر التفاح والموز عنده وتشير إليه، وهو يعرفه مِنْ قبل، لكنه استفاد منك دلالة اللفظ على هذا المعنى عندك.
إذًا؛ الإخبار عن الغائب لا بد فيه من هذين الأمرين.
قوله: (في الشاهد) أي: في الحاضر عند العباد في الدنيا، وهذا الكلام قد تقدمت الإشارة إليه في آخر الأصل الأول في قول الشيخ: «وكلُّ ما نثبته من الأسماء والصفات؛ فلا بد أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب» (^١).
قوله: (فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب …) إلخ، أي: أنَّ هذه النصوصَ معلومةٌ لنا من وجه دون وجه، كما في مطلع هذه «القاعدة» (^٢)، فنفهم معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥] الآية، ومعنى سائر النصوص المشتملة على ذكر؛ ما أعد الله لأوليائه من أصناف النعيم، فنفهم منها ما يمكن لنا إدراكه، أما حقائقها على ما هي عليه؛ فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فنحن لا نتصور كُنه ذلك الماء واللبن، ولا كُنه ما فيها من المتعة واللذة.
فيجب مع فهمنا لتلك المعاني أن نفهم أن هذه المعاني ليست مثل ما في الدنيا، ولا حقيقتها كحقيقتها.
_________________
(١) ص ٢١٠.
(٢) ص ٣٥٢.
[ ٣٩٣ ]
فهذه النصوص إذًا؛ لها تأويلان: تأويل نعلمه، وتأويل لا نعلمه، وكذلك نصوص الأسماء والصفات كما تقدم (^١)، فلها تأويل نعلمه، وهو معانيها المفهومة بموجب اللغة والسياق، ولها تأويل لا نعلمه وهو حقائقها على ما هي عليه في الخارج.
قوله: (مثل التي لم تكن بعد) (^٢) كأن الشيخ يشير إلى بعض أشراط الساعة - مثلًا -، فهذه قد تظهر للناس ويشاهدونها في الدنيا، مثل: ما أخبر به من طلوع الشمس من مغربها (^٣)، وخروج الدابة (^٤)، والمسيح الدجال وما يكون على يده (^٥).
* * *
_________________
(١) ص ٣٥٢.
(٢) «تفسير سورة الإخلاص» ص ٣٧٣.
(٣) انظر: البخاري (٤٦٣٥)، ومسلم (١٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢].
(٥) انظر: صحيح مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان ﵄.
[ ٣٩٤ ]