فالكلام في باب «التوحيد والصفات» هو من باب الخبر، الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في «الشرع والقدر» هو من باب الطلب والإرادة، الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفيًا وإثباتًا.
والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض، والحض والمنع، حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الأخير معروف عند العامة والخاصة، معروف عند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في «كتاب الأيمان»، وكما ذكره المقسمون للكلام من أهل النظر والنحو والبيان، فذكروا أن الكلام نوعان: خبر، وإنشاء، والخبرُ دائر بين النفي والإثباتِ، والإنشاءُ: أمر، أو نهي، أو إباحة.
ذكر الشيخ في هذه الجملة الفرق بين الأصلينِ المتقدمَينِ المسؤول عنهما: (التوحيد، والصفات)، (والشرع، والقدر).
[ ٧٠ ]
والفرق بينهما من وجوه:
الأول: الفرق بينهما من جهة نوع الكلام، فإن الكلام يقسمه أهل العلم من علماء النحو، والبيان، وكذلك الفقهاء إلى قسمين:
خبر، وإنشاء، أو: خبر، وطلب (^١).
والخبر يدور على النفي والإثبات، نحو: «محمد قائم»، و«محمد ليس بقائم» وعلى التصديق والتكذيب، فإن الخبر؛ إما أن يكون صدقًا، أو كذبًا، ولهذا يُعَرِّف أصحاب المعاني الخبر بأنه: «ما يحتمل الصدق والكذب لذاته» (^٢).
ومعنى: «لذاته» أي: بقطع النظر عن قائله، فإذا نظرت إلى الكلام بقطع النظر عن الأدلة، وبقطع النظر عن القائل؛ تقول: «هذه الجملة تحتمل الصدق والكذب»، لكن الأخبار الصادقة التي يخبر بها الصادقون - وأعلى ذلك أخبار الله ﷾ هي أخبار صادقة لا تحتمل الكذب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء].
والطلبُ يدور على المحبة والبغض، وعلى الحض والمنع، نحو: «قم»، و«لا تقم».
والطلبُ له صيغ كثيرةٌ وأنواعٌ ليس هذا محَل ذكرها.
_________________
(١) «الفروق» للقرافي ١/ ٩٤، و«الإيضاح في علوم البلاغة» ص ١٧، و«تلخيص المفتاح» ص ٤٧، و«البحر المحيط في أصول الفقه» ٤/ ٢١٥، و«الإتقان في علوم القرآن» ٣/ ٢٢٥، و«شرح الكوكب المنير» ٢/ ٣٠٠، و«البلاغة العربية: أسسها، وعلومها، وفنونها» ١/ ١٦٦.
(٢) «الإيضاح في علوم البلاغة» ص ١٧، و«تلخيص المفتاح» ص ٤٧، و«البلاغة العربية» ١/ ١٦٧.
[ ٧١ ]
قوله: (نفيًا وإثباتًا) أي: من حيث الغاية؛ فإن غايةَ الأمرِ الإثباتُ، وغايةَ النهيِ النفيُ، فقولك: «اذهب»، «اجلس»، ونحوه؛ غايته ومقصوده: حصول المطلوب، وهذا هو معنى الإثبات، وقولك: «لا تذهب»، «لا تجلس»، ونحوه؛ غايته ومقصوده: عدمٌ ونفيٌ، وبهذا يكون الطلب متضمنًا للنفي والإثبات.
قوله: (والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض، والحض والمنع) فهذا أمر جِبِلِّيٌّ في الإنسان، فالذي يقول لك مثلًا: «قمْ» لا تقول له: «صدقت»، أو «كذبت» والذي يقول لك: «فلانٌ مسافرٌ»، أو «فلانٌ لم يقدَمْ» تقول له: «صدقت»، أو «كذبت».
فمِمَّا فطر الله تعالى عليه عباده الفرق بين التصديق والتكذيب، والحب والبغض، والحض والمنع.
قوله: (كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان) جَمْعُ يمينٍ؛ وهو: القَسَم؛ فالفقهاء ذكروا في هذا الكتاب: أن الكلام ينقسم إلى: خبر وطلب؛ لأنهم يقسمون اليمين إلى: يمين مكفَّرة، ويمينٍ غير مكفَّرة.
واليمين المكفرة؛ هي: التي تدخلها الكفارة، وغير المكفرة؛ هي: التي لا تدخلها الكفارة (^١)، فالحلفُ على المستقبل على فعل، أو ترْك، هذا هو «الإنشاء»، والحلف على أمر واقع؛ هو «الخبر».
_________________
(١) «الحاوي الكبير» ١٥/ ٢٦٦، و«بداية المجتهد» ١/ ٤٠٩، و«المحرر» ٣/ ١٩، و«الشرح الكبير» ٢٧/ ٤٧٠.
[ ٧٢ ]
فاليمين المكفَّرة؛ هي: الحلف على مستقبَلٍ؛ كأن يقول قائل: «والله لأفعلنَّ كذا»، أو: «والله لا أفعلُ كذا»؛ فإنْ حَنِثَ؛ بأنْ حصل خلافُ ما حلف عليه؛ وجبتْ عليه الكفارةُ، وإن تحقق ما حلف على فعله، أو تَرَكَ ما حلف على تركه؛ كان بارًا بيمينه، ولا كفارةَ عليه.
وأما الحلف على أمر واقع؛ فهو اليمين التي لا تدخلها الكفَّارة؛ لأنها إن كانت صدقًا؛ فلا موجب للكفارة، وإن كانت كذبًا؛ فالكذب لا تمحوه الكفارة؛ بل لا تمحوه إلا التوبة إلى الله تعالى.
والمقصود: أن الكلام في «التوحيد، والصفات» من باب «الخبرِ»، والكلامُ في «الشرع، والقدر» من باب «الطلب»، وإيضاح هذا: أنَّ العباراتِ التي يعبَّر بها عن مسائل التوحيد والأسماء والصفات؛ خبريةٌ، كجمل سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٣)﴾ [الحديد].
وقوله ﷺ: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» الحديثَ (^١)، وقوله ﷺ: «لَلَّه أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل براحلته» (^٢)، وقوله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» (^٣)، ونحوها.
_________________
(١) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم (٢٧٤٦) من حديث البراء بن عازب ﵄.
(٣) رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٧٣ ]
حتى العبارات التي يتكلم بها الإنسان إذا أراد أن يخبر عن الله تعالى؛ فإن كلامه هذا خبرٌ، كقوله: «اللهُ تعالى عظيمٌ»، «اللهُ تعالى فوقَ عرشه»، «اللهُ تعالى ليس حَالًَّا في مخلوقاته» إلخ.
حتى الأقوال الأخرى المردودة، كقول المبتدعة: «إن اللهَ جسمٌ»، أو: «ليس بجسم»، ونحوها من الألفاظ التي لا يصح إطلاقها نفيًا ولا إثباتًا، وكقول بعض المبتدعة: «إن الله تعالى لا ينزل إلى السماء الدنيا»، أو: «لا يجيءُ يوم القيامة، وإنما يجيءُ أمره»، فكل هذا من باب «الخبر».
وأما الكلام في «الشرع والقدر»؛ فهو من باب «الطلبِ»، والواقعُ أن الذي من باب «الطلب» هو «الشرع»، فالكلام فيه شيء من التجوز، أو التغليبِ: تغليبِ الشرع على القدر.
وبيْن الشرع والقدر ارتباطٌ وثيق؛ لأن كُلًا منهما متعلق بأفعال المكلفينَ، فكل ما وقع من أفعال المكلفين فإنه بقدر الله تعالى، وكلها يتعلق بها الشرع، لأن أفعال المكلفين؛ إما طاعة، أو معصية، أو مباحة.
فالذي نصوصه من باب «الطلب» هو «الشرع»، وأما نصوص «القدر»؛ فهي من باب «الخبر» لما تقدم (^١): أن الإيمان بالقدر هو من الإيمان بالله تعالى؛ لأن الإيمان بالقدر هو الإيمان بعلم الله تعالى السابق، وكتابته لمقادير الأشياء، والإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والإيمان بعموم خلقه تعالى، وهذا كلُّه من الإيمان بالله ﷾.
_________________
(١) ص ٥٢.
[ ٧٤ ]
وأما «الشرع»؛ فهو الأوامر والنواهي، وهو دين الله تعالى الذي جعله لعباده يسيرون عليه، فالكلام فيه من باب «الطلب»، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين (٤٣)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقد يأتي الكلام بصورة «الخبر»؛ ومعناه: «الأمر»، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية.
* * *
[ ٧٥ ]
وإذا كان كذلك؛ فلا بُدَّ للعبدِ أنْ يثبتَ لله ما يجبُ إثباتُه له من صفاتِ الكمالِ، وينفي عنه ما يجبُ نفيه عنه مما يضاد هذه الحال.
ولا بُدَّ له في أحكامه مِنْ أنْ يثبتَ خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمالَ قدرتِه، وعمومَ مشيئته، ويثبت أمرَه المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدَره إيمانًا خاليًا من الزلل.
قوله: (وإذا كان كذلك) أي: إذا كان الأمر أن الكلام في «التوحيد، والصفات» من باب «الخبر»، والكلام في «الشرع، والقدر» من باب «الطلب»؛ (فلا بد للعبد …) إلخ.
الفرق الثاني بين الأصلينِ المتقدمينِ في قوله: (فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب - إلى قوله - خاليًا من الزلل)؛ وهو: الفرق بينهما مِنْ جهةِ ما يجبُ على العبد فيهما.
فالواجب على العبد في توحيد الصفات: أن يثبت لله ما يجب إثباته من صفات الكمال، وينفي ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال.
ويجب على العبد في الشرع والقدر: أن يثبت أحكام الله الكونية والشرعية؛ فيثبت خَلق اللهِ وأمرَه، ولهذا قال الشيخ: (ولا بد له في أحكامه ..).
[ ٧٦ ]
وأحكام الله تعالى نوعان: أحكام شرعية، وأحكام كونية، وهذا التقسيم من جنس تقسيم الإرادة، والأمر، والقضاء، والكتابة، والإذْن، والجَعْل، والكلمات، والبعث، والإرسال، والتحريم: إلى شرعي، وكوني (^١).
ومن شواهد الحكم الكوني؛ قوله ﷾: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين (١٠٩)﴾ [يونس]، وقوله تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (٦٧)﴾ [يوسف]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
ومن شواهد الحكم الشرعي؛ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد (١)﴾ [المائدة]، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٤٠)﴾ [يوسف].
قوله: (ولا بدَّ له في أحكامه من أن يثبت: خلقه، وأمره) إثباتُ الخلق يتضمنُ الإيمانَ بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه تعالى على كل شيء قدير، وهذا معنى قول الشيخ: (فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته)؛ فالشيخ رحمه الله تعالى عبَّر عن الأصل الثاني ب «الأحكام».
قوله: (ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل) أي: والمتضمن بيان ما يسخطه، فإن الله تعالى بيَّن لنبيه ﷺ ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال، وبيَّن ما يسخطه
_________________
(١) انظر: ص ٦٣ حاشية رقم (٢).
[ ٧٧ ]
ويبغضه من الأقوال والأعمال، ففيه شيء من الاكتفاء بالمذكور عن غيره لدلالته عليه.
قوله: (ويؤمن بشرعه وقدره؛ إيمانًا خاليًا من الزلل) أي: مَنْ أثبتَ الخلْقَ كلَّه لله، وقال: «إنَّ اللهَ خالقُ كلِّ شيء»، ويَدخلُ في هذا أفعال العباد، وآمن مع ذلك بشرع الله تعالى، وأنه أمر عباده ونهاهم؛ فقد حقق الإيمان بالشرع، والقدر.
* * *
[ ٧٨ ]
وهذا يتضمنُ التوحيدَ في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيدُ في القصد والإرادة والعملِ، والأولُ يتضمنُ التوحيدَ في العلم والقول، كما دلت على ذلك سورةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، ودلت على الآخَر سورةُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان يقرأ ﷺ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر، وركعتي الطواف، وغير ذلك.
وقوله: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته ..) إلخ، هذا هو الفرق الثالث بين الأصلين؛ وهو: الفرق بينهما مِنْ حيث تضمنُهما لنوعي التوحيد.
قوله: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل) أي: أن الإيمان بالشرع والقدر يتضمن: «التوحيد في العبادةِ»، والتوحيدُ في العبادة له اسم آخر؛ وهو: «التوحيد في القصد والإرادة والعمل»، ويعبر عن هذا النوع: ب «التوحيد الطلبي»؛ لأنَّ نصوصَه طلبيةٌ.
قوله: (والأول يتضمن التوحيد في العلم، والقول) أي: الأصل الأول، وهو: «التوحيد والصفات»؛ يتضمن التوحيد في العلم، والقول، ويعبر
[ ٧٩ ]
عن هذا النوع: ب «التوحيد في المعرفة والإثبات»، أو: «التوحيد العلمي الخبري»؛ لأنَّ نصوصَه أخبارٌ.
وهذا الكلامُ يتضمنُ تقسيمَ التوحيدِ إلى هذين القسمَيْنِ (^١)، والمشهور أن التوحيد ثلاثة أقسام: «توحيد الربوبية»، و«توحيد الإلهية»، و«توحيد الأسماء والصفات» (^٢).
ولا مشاحة بين التقسيمين، ولا منافاة بينهما؛ بل هما طريقتان مآلهما إلى شيء واحد، فإفراد الله تعالى في العبادة وفي القصد والإرادة والعمل؛ هو: «توحيد الإلهية»، وإفراد الله تعالى في الأمور الاعتقادية العلمية القولية؛ هو: «توحيد الربوبية»، و«توحيد الأسماء والصفات».
وهذه الأقسام مترابطة، فالتوحيد في العلم والقول؛ يستلزم التوحيد في العبادةِ، والتوحيدُ في العبادة يتضمن التوحيد في العلم والقول.
فالربُّ المالك لكل شيء، الخالقُ لكل شيء، القادرُ على كل شيء، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الموصوفُ بصفات الكمال؛ هو المستحقُ للعبادة؛ فهذا معنى الاستلزام.
والإله المستحق للعبادة؛ هو: النافعُ، الضار، المعطي، المانع، الفعَّال لما يريد، وهذا معنى تضمن «توحيد العبادة» ل «توحيد الربوبية»، و«توحيد الأسماء والصفات».
_________________
(١) «مدارج السالكين» ٣/ ٤١٧، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» ص ٩٣، و«بدائع الفوائد» ١/ ٢٤٣.
(٢) انظر: كتاب: «المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد».
[ ٨٠ ]
وبعضُ أهل الأهواء والأغراض يستنكرون هذا التقسيم، ويقولون: «إنه بدعة»!، وهذا مغالطة؛ فإنه إذا كان هذا التقسيمُ بدعةً؛ فكلُّ ما جاء به العلماء من تقسيمات لمسائل العلمِ، وتبويبٍ، وبيانِ أسماءٍ للأحكام؛ كلُّه بدعة!
وهذه الأحكام كانت معلومة في عهد النبي ﷺ في الحقيقة، ولكن الأسماء والمصطلحات ليست موجودة، فأنواعُ التوحيد موجودةٌ كلُّها في القرآن وفي السنة، لكن هذا الاصطلاح؛ وهو: أن التوحيد ينقسم إلى كذا وكذا، والتعبير عنه بهذه العبارات؛ هذا هو الجديد، وهذا من طبيعة نشأة العلوم، وتصنيف المسائل، وتقسيم المعاني، فمن يقول: «إنه بدعة»؛ فهو مُبطلٌ مغالطٌ.
حتى الذين يقولون مثل هذا الكلام عندهم تقسيم للتوحيد؛ كالأشاعرة عندهم أن التوحيد ينقسم إلى: «توحيد في الذات»، و«توحيد في الصفات»، و«توحيد الأفعال»، والصوفية عندهم، «توحيد العامة»، و«توحيد الخاصة»، و«توحيد خاصة الخاصة» (^١).
والتوحيد في الأصل؛ هو: «جعل الشيء واحدًا» (^٢)، وهو في حق الله تعالى: «اعتقاد أنه واحد لا شريك له في أفعاله؛ كالخلق، والرَّزق، والتدبير، والإحياء، والإماتة»، وإفراده بهذا المعنى؛ هو معنى: «توحيد الربوبية».
_________________
(١) سيأتي كلامٌ للمؤلف في تقسيم بعض الطوائف للتوحيد في: ص ٦٠٦، وانظر: «مجموع الفتاوى» ٤/ ١٥٠، و«درء التعارض» ١/ ٢٢٥، و«مدارج السالكين» ٣/ ٤١٥، و«الكافية الشافية» ص ١٧٠.
(٢) «القاموس المحيط» ص ٤١٤.
[ ٨١ ]
ولا بُدَّ - أيضًا - من اعتقاد تفرده بمالَه من الأسماء والصفات، فلا شريك له ولا شبيه؛ وهذا هو: «توحيد الأسماء والصفات».
كما أنه لا بُدَّ من الإيمان بتفرده باستحقاق الإلهية، وتخصيصه مع ذلك بالعبادة، وذلك بعبادته وحده لا شريك له، وهذا هو: «توحيد الإلهية»، أو: «توحيد العبادة»، فلا بدَّ من توحيده تعالى في ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته.
والمشركون الذين واجهتهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بالدعوة كانوا مشركين في «العبادة»، أو «الإلهية»، أما في «الربوبية»؛ فلم يكونوا مشركين، ومن أجل ذلك قال العلماء: «إن التوحيد الذي فيه الخصومة بين الرسل والكفار من أُمَمِهم؛ هو: توحيد العبادة» (^١)؛ ولهذا كلُّ رسول كان يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]؛ لأنهم كانوا مقرين بربوبية الله تعالى في الجملة، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
ولهذا احتج الله ﷾ عليهم فيما أنكروه بما أقروا به، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (٢١)﴾ الآية [البقرة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ [يونس].
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٣/ ١٠١، و«درء التعارض» ١/ ٢٦٦، و«تيسير العزيز الحميد» ١/ ١٦٣.
[ ٨٢ ]
فبمراعاة هذا التقسيم للتوحيد؛ نُفرِّق بين من ينكر الكلَّ، مثل: الملاحدة الجاحدين للخالق، فهؤلاء ينكرون التوحيد كلَّه، لأن مَنْ أنكر وجود الخالق؛ لم يبق معه شيء من الإيمان.
أما المشركون - وهم غالب الأمم -؛ فعندهم شيء من الإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف]، فعندهم إيمانٌ، ولكنه إيمان لا يكفي للدخول في الإسلام، ولا يكفي للنجاة من العذاب، فشرط ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله.
ومعنى «الإله» - كما تقدم (^١) -: «المعبود». والإله الحق؛ هو الله تعالى، فلا معبود بحق إلا الله تعالى، وكل معبود سواه؛ فهو باطل، فالتوحيد لا يتحقق إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، ولهذا كانت هذه الشهادة؛ هي: أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم.
هذا ما يتعلق بتقسيم التوحيد بمناسبة قول الشيخ ﵀: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده) إلخ.
قوله: (كما دلت على ذلك سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾) أي: دلت على التوحيد في العلم والقولِ؛ سورةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾.
قوله: (ودلت على الآخَر سورةُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾) أي: ودلت على التوحيد في العبادة، والتوحيد في القصد والإرادة والعمل؛ سورةُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾.
_________________
(١) ص ٤٦.
[ ٨٣ ]
فسورةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ دلت على التوحيد في العلم والقولِ نصًا، وسورة ُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ دلت على توحيد العبادةِ نصًا.
وقوله ﷾: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ إلى آخر السورة، هذا خطاب لجميع الكفار بإعلان البراءة منهم، ومن عبادتهم، ومن معبوداتهم، وإعلان أن العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا هو «توحيد العبادة».
وأما سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾؛ ففيها الإخبار بأن الله تعالى؛ هو: الأحد، الصمد، فاسمه «الأحد»؛ يدل على أنه واحد لا شريك له، ولا شبيه له في ذاته، وفي صفاته، وأسمائه، وأفعاله.
واسمه «الصمد» فُسِّر بأنه: «الذي لا يأكل ولا يشرب»؛ لأنه الغني، وفُسِّر بأنه: «السيدُ الكاملُ في سؤدده، وفي غناه، وفي حكمته، وفي علمه»، وأنه: «الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها» (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيه رد على اليهود، والنصارى، والمشركين الذين نسبوا إليه الولد.
وقوله: ﴿وَلَمْ يُولَد (٣)﴾ لأنه الأوَّل الذي ليس قبله شيء، فلا بداية لوجوده، أما المولود؛ فيكون موجودًا بعد العدم. وفي هذا النفي تأكيدٌ لأحديته، وصمديته.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ أي: لم يكن أحدٌ مِثلًا له سبحانه، فهي تشبه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
_________________
(١) «تفسير الطبري» ٢٤/ ٧٣١ - ٧٣٦، و«تفسير ابن كثير» ٨/ ٥٢٨.
[ ٨٤ ]
قوله: (وهما سورتا الإخلاص) لأنهما مشتملتان على التوحيد الخالص فهما مُخْلَصَتان لأصل الدين بكلِّ معانيه.
قوله: (وبهما كان يقرأ ﷺ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر (^١)، وركعتي الطواف (^٢)، وغير ذلك) كالوتر (^٣)، وفي سنة المغرب (^٤)، وفي ذلك افتتاح لِلَّيل والنهار، واختتام لِلَّيل والنهار بالتوحيد بتلاوة هاتين السورتين (^٥).
وبهذا تنتهي المقدمة، وقد اشتملت على: سبب التأليف، وذكر الموضوع الذي فيه الكلام والبحث، وعلى الأسباب المقتضية لتحقيق هذين الأصلين، وعلى الفروق بين الأصلين: من حيث نوع الكلام، ومن جهة ما يجب على العبد فيه، ومن حيث تضمنُها لنوعي التوحيد.
وبعد هذه المقدمة يأتي الشروع في الكلام على الأصل الأول، والله الموفق.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (٧٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم (١٢١٨) من قول محمد بن علي بن حسين، وليس مرفوعًا، وانظر: «الفصل للوصل المدرج في النقل» ٢/ ٦٣٩.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٠٦، والنسائي ٣/ ٢٣٥، وصححه ابن حبان (٢٤٣٦)، والنووي في «خلاصة الأحكام» ١/ ٥٥٦، والعراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ١/ ٥٢٨، من حديث أُبي بن كعب ﵁.
(٤) رواه أحمد ٢/ ٢٤، والنسائي ٢/ ١٧٠ من حديث ابن عمر ﵄، وجاء أيضًا من حديث جماعة من الصحابة، انظر: «تخريج أحاديث القراءة في سنة الفجر».
(٥) «زاد المعاد» ١/ ٣١٦، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» ص ٩٤، و«بدائع الفوائد» ١/ ٢٤٤.
[ ٨٥ ]