وبيَّنا أن الصواب؛ هو: أنَّ وجودَ كلِّ شيء في الخارج؛ هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن؛ فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ: «الوجود»؛ كلفظ: «الذات»، و«الشيء»، و«الماهية»، و«الحقيقة»، ونحو ذلك.
وهذه الألفاظ كلها متواطئة، وإذا قيل: «إنها مشكِّكة، لتفاضل معانيها»، فالمشكِّك نوع من المتواطئ العام، الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلًا في موارده، أو متماثلًا.
وبيَّنا أن المعدوم شيء - أيضًا - في العلم والذهن؛ لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به.
وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعيَّنة، فتتشابه بذلك، وتختلف به.
وأما هذه الجمل المختصرة؛ فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، مَنْ فهمها عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى،
[ ٥٠٢ ]
وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر؛ إذ «لكلِّ مقامٍ مقالٌ».
والمقصود هنا: أن الاعتمادَ على مثل هذه الحجة فيما يُنفى عن الرب، وينزَّه عنه - كما يفعله كثير من المصنفين -؛ خطأٌ لمن تدبَّر ذلك، وهذا مِنْ طرق النفي الباطلة.
بدأ الشيخ هنا بذكر الصواب في المسائل التي تناقض فيها المتكلمون واضطربوا.
أمَّا المسألة الأولى؛ وهي: «كون وجود الشيء عين ماهيته أو زائدًا عليها»، فالصواب: أن وجودَ كلِّ شيء موجود؛ هو عين ماهيته في الخارج، وأن وجوده في الخارج زائد على وجوده في الذهن، فالوجود الذهني وجود علمي، ولا يلزم من كون الشيء موجودًا في الذهن أن يوجد في الخارج، بل قد يوجد في الخارج، وقد لا يوجد (^١).
وأما المسألة الثانية؛ وهي: اشتراك الموجودات في الوجود هل هو من قبيل المشترك اللفظي، أو المتواطئ، أو المشكِّك؟ فالمسألة فيها ثلاثة أقوال:
_________________
(١) «حقيقة مذهب الاتحاديين» ص ١٥٦، و«منهاج السنة» ١/ ٣٧٦، و«الرد على المنطقيين» ص ١٠٦.
[ ٥٠٣ ]
والقول الثاني والثالث؛ الخطب فيهما يسير؛ لأن المشكك نوع من المتواطئ العام، فالمتواطئ؛ هو: «الذي يشترك أفراده في معناه، سواء مع التفاضل، أو التساوي» (^١).
والمشكِّك: خاص ب «المتواطئ الذي تفاضل أفراده في معناه»، كما في نور الشمس والسراج؛ فهما مشتركان في معنى النور العام مع تفاوت في حقيقته.
وإنما سمي المشكِّك مشكِّكًا؛ لأن الناظر فيه يتردد ويشك، هل هو من المتباين، أو من المتواطئ؟ فإذا نظر إلى التفاوت؛ ظن أنه مِنْ المتباين، وإذا نظر إلى الاتفاق في المعنى؛ جعله من المتواطئ، فالإنسان باعتبار أفراد الإنسان؛ يعد متواطئًا، والنور باعتبار التفاضل والتفاوت فيه يعد مشكِّكًا.
وأما الوجود؛ فالأقرب أن يكون مشكِّكًا لوجود التفاوت العظيم في وجود الموجودات؛ كما في وجود البعوضة، ووجود العرش مثلًا.
وأما المسألة الثالثة؛ وهي: هل المعدوم شيء، أو ليس بشيء؟
فيه قولان، والصواب التفصيل (^٢).
فالمعدوم شيء في العلم، فله وجود في الذهن، وليس شيئًا في الخارج.
_________________
(١) تقدم تعريف المتواطئ في ٤٣٤ و٤٤٦، وكذا الكلام على هذه المسألة.
(٢) «حقيقة مذهب الاتحاديين» ص ١٤٣ - ١٥٩، و«مراتب الإرادة» ص ١٨٢، و«منهاج السنة» ١/ ٣٧٦، و«الجواب الصحيح» ٢/ ٤٧٩.
[ ٥٠٤ ]
فتقول - مثلًا -: أريد أن أفعل شيئًا، فهذا الشيء المذكور موجود في الذهن، وليس موجودًا في الخارج.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم] أي: قبل الخلق. فوجوده في العلم؛ بل وفي الرسم أيضًا؛ لأنه مكتوب، وإن كان غير موجود في الخارج حينذاك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، فهذا الشيء ليس موجودًا في الخارج؛ لأنه يمتنع إيجاد الموجود، فهذا في الإثبات، والأول في النفي.
وأما المسألة الرابعة؛ وهي: الكلام في الأحوال إثباتًا ونفيًا (^١)، والمراد بالأحوال: النسبة بين الصفة والموصوف، مثل: قيام وقائم، فالصفة القيام، والموصوف القائم، والنسبة هي: نسبة القيام إلى القائم، وبعضهم يعبر عن ذلك ب: كون الشيء قائمًا، أو كونه عالمًا، أو كونه قادرًا، ونحو ذلك.
فهذه النسبة ليست شيئًا زائدًا موجودًا في الخارج، وإنما توجد الصفة والموصوف الذي قامت به تلك الصفة، فالنسبة، أي: نسبة الصفة للموصوف، وقيام الصفة بالموصوف وكون الشيء موصوفًا بالصفة؛ معنى ذهني عقلي، وهو النسبة والإسناد والإضافة، فليس هناك شيء ثالث في الخارج زائد عن الصفة والموصوف.
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ٩٢، و«درء التعارض» ٥/ ٣٥ و٩/ ٣٩٥، وانظر: ص ٦٢٥، حاشية رقم (١).
[ ٥٠٥ ]
وقول الشيخ: (والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة …) وهي: أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فالاعتماد عليها من طرق النفي الباطلة، وهذا من ختم الكلام بما بدأ به، تأكيدًا له وتذكيرًا به، حيث قال في مطلع «القاعدة»: (إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد) (^١).
* * *
_________________
(١) ص ٤٦٢.
[ ٥٠٦ ]