وهذا يتبين بالأصل الثاني وهو أن يقال: «القول في الصفات كالقول في الذات»، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات.
فإذا قال السائل: «كيف استوى على العرش»؟
قيل له - كما قال ربيعةُ ومالكٌ وغيرهما -: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة»، لأنه سؤال عمَّا لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: «كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا»؟
قيل له: «كيف هو»؟ فإذا قال: «أنا لا أعلم كيفيته».
قيل له: «ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة؛ يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له. فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه، وبصره، وتكليمه، ونزوله، واستوائه، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟!
وإذا كنت تقر بأن له ذاتًا حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء؛ فسمعه، وبصره، وكلامه، ونزوله، واستواؤه؛ ثابتٌ في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي
[ ٢١٣ ]
لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم، وكلامهم ونزولهم واستواؤهم».
هذا هو الأصل الثاني من الأصلين اللَّذَيْنِ سبق أن نوَّه عنهما المؤلف بقوله: «وهذا يتبيَّن بأصلين شريفين» (^١).
فالأصل الأول سبق الكلام فيه؛ وهو: (أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض) (^٢)، وقد رد به المؤلف على: الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، والفلاسفة، والباطنية.
وأما الأصل الثاني؛ فهو الذي ذكره المؤلف هنا بقوله: (القول في الصفات كالقول في الذات)، يعني: أن حكم الذات والصفات واحدٌ، فما يقال في أحدهما من إثبات أو نفي يقال في الآخر، وما يوصف به أحدهما من تنزيه أو تمثيل يصدق على الآخر، فالقول فيهما واحد.
وجميع الطوائف يُقرون بأن لله تعالى ذاتًا وحقيقة ثابتة في نفس الأمر، ولا تشبه سائر الذوات، فيقال لهم: «فكذلك هذه الذات موصوفة بصفات لا تشبه صفات المخلوقين، فالله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله».
_________________
(١) ص ١٦٨.
(٢) ص ١٧٢.
[ ٢١٤ ]
وهذا الأصلُ يمكن أن يردَّ به على جميع الطوائف، لكن أخص مَنْ يردُّ به عليه من الطوائف: الجهمية، كما يمكن أن يرد به على أهل التكييف، الذين يذكرون لصفات الله كيفية، أو يسألون عن كيفيتها.
ولفظ: (الذات) لم يرد في النصوص الشرعية إطلاقه على الله تعالى إلا فيما يضاف إليه من شرائعه، كما في شعرِ خُبيبٍ ﵁ لما أرادوا قتله قال:
فلستُ أُبالي حينَ أُقْتَلُ مسلمًا … على أيِّ جنبٍ كان لله مَصرعي
وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأ … يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (^١)
يقول أهل اللغة (^٢): إن «ذات» مؤنث لفظ «ذو» بمعنى: صاحب.
_________________
(١) خبيب؛ هو: ابن عَدي بن مالك الأنصاري الأوسي، شهِد بدرًا، وقَتَل فيها: الحارث بن عامر بن نوفل، وبعث النبي ﷺ عشرة رجال سرية عَينًا منهم خبيب، فلما كانوا بالهدأة، نفر لهم مائة رجل من بني لحيان من هذيل، فقتلوا منهم ثمانية، وأسروا خبيبًا، وباعوه بمكة لبني الحارث بن عامر - بعد معركة بدر - فقال هذه الأبيات عند قتله ﵁. انظر: «صحيح البخاري» (٣٩٨٩)، و«الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٢٢٥.
(٢) «تهذيب اللغة» ١٥/ ٤١، و«الصحاح» ٦/ ٢٥٥١، و«القاموس المحيط» ص ١٧٤١.
[ ٢١٥ ]
ولم تأت في اللغة بمعنى: «الحقيقة». فيقال: جاء محمد نفسه، ولا يقال: ذاته، وقيل: بل ورد، وإن كان قليلًا (^١)، كما في الأثر: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله» (^٢).
(فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش)؟
فإنه يجاب بما جاء عن بعض السلف كالإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والإمام مالك، وغيرهما (^٣) من الجواب المحكم والذي جاء فيه:
(الاستواء معلوم): يعني: معلوم معناه في اللغة؛ وهو: علا، وارتفع.
_________________
(١) «مفردات ألفاظ القرآن» ص ٣٣٣، و«مشارق الأنوار» ١/ ٢٧٣، و«نتائج الفكر» ص ٢٣١، و«تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١١٣، و«درء تعارض العقل والنقل» ٤/ ١٤١ و١٠/ ١٥٧، و«الرسالة الأكملية» ص ٩٩، و«مجموع الفتاوى» ٦/ ٣٤١، و«الصواعق المرسلة» ٤/ ١٣٨٤، و«بدائع الفوائد» ٢/ ٤٠٢، و«فتح الباري» لابن حجر ١٣/ ٣٨١، و«الكليات» ص ٤٥٤.
(٢) رواه أبو الشيخ في «العظمة» ١/ ٢٤٠، وابن بطة في «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية» - الرد على الجهمية - ٣/ ١٥٢، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص ٢٧١ من قول ابن عباس ﵄، ولفظه: «تفكروا في كل شيء …». وقال الذهبي في «العرش» ٢/ ١٣٤: «إسناده حسن»، وقال ابن حجر في «الفتح» ١٣/ ٣٨٣: «سنده جيد».
(٣) تقدم تخريجه في ص ٩٣. وربيعة؛ هو: ابن أبي عبد الرحمن فرُّوخ التيمي مولاهم، أبو عثمان، الإمام، الفقيه، المجتهد، مفتي المدينة، اشتهر ب «ربيعة الرأي»؛ لأنه كان بصيرًا بالرأي. سمع من: أنس بن مالك، وعامة التابعين من أهل المدينة. وروى عنه: الأئمة: مالك، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، والليث بن سعد، وغيرهم. وحديثه مخرَّج في الكتب الستة. توفي سنة ١٣٦ هـ. «تاريخ بغداد» ٩/ ٤١٤، و«سير أعلام النبلاء» ٦/ ٨٩.
[ ٢١٦ ]
(والكيف مجهول): أي: كيفية الصفة مجهولة لنا، فالواجب إمرارها كما جاءت دون سؤال عن كيفيتها.
(والإيمان به واجب): أي: الإيمان بالاستواء واجب؛ لأنه داخل في الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، وهو مِنْ مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله، لأن من مقتضاها: تصديقه فيما أخبرَ، واستواءُ الرب تعالى على العرش؛ هو مما أخبرنا الله به في كتابه، وبلغه الرسول ﷺ.
(والسؤال عن الكيفية بدعة)؛ فلم يكن من منهج السلف السؤال عن كيفية صفات الرب تعالى؛ لأنه سؤال عمَّا لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
فالسؤال عمَّا استأثر الله بعلمه بدعة، ثم إنه طَلَبُ شيءٍ لا سبيل إليه، وليس هذا من شأن العاقل.
وهذا الجواب المأثور عن بعض السلف في السؤال عن كيفية الاستواء؛ يمكن أن يُقال في السؤال عن كيفيةِ أيِّ صفة من صفات الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف جوابًا آخر لمن سأل عن الكيفية، فإذا قال: (كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)؟
(قيل له: كيف هو؟) أي: يسأل عن كيفية ذات الرب تعالى.
(فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته).
[ ٢١٧ ]
(قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذِ العلمُ بكيفية الصفة؛ يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له)، فإذا انتفى اللازم؛ انتفى الملزوم (^١)، فإذا انتفى العلم بكيفية الموصوف؛ انتفى العلم بكيفية الصفة بطريق الأولى.
فكيف تُطالِب بالعلم بكيفية الصفات، وأنت لا تعلم كيفية الذات؟
(فإذا كنت تُقر بأن لله تعالى ذاتًا حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء من خلقه)؛ فكذلك سائر صفاته ﷾، فإنه يجب إثباتها ونفي مماثلتها لصفات الخلق، ونفي العلم بكيفيتها (^٢).
* * *
_________________
(١) سيأتي بيان معنى «الملزوم»، و«اللازم» في ص ٤١٥.
(٢) «مجموع الفتاوى» ١٢/ ٥٧٥، و٣٣/ ١٧٧، و«مناظرة الواسطية» ص ١٦٧، و«الفتوى الحموية» ص ٣٦٧ و٥٤١، و«الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز» ص ٣٥٥.
[ ٢١٨ ]