فصل
فأما الأصلان:
فأحدهما: أن يقال: «القول في بعض الصفات كالقول في بعض».
فإن كان المخاطب ممن يقرُّ ب «أن الله حيٌّ بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة»، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره؛ إما ب: «الإرادة»، وإما ب «بعض المخلوقات من: النعم، والعقوبات».
قيل له: «لا فرق بين ما نفيته، وبين ما أثبته؛ بل القول في أحدهما كالقول في الآخر»، فإن قلتَ: «إن إرادته مثل: إرادة المخلوقين»، فكذلك محبته، ورضاه، وغضبه، وهذا هو التمثيل.
وإن قلت: «إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به»، قيل لك: «وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضًا، وغضبٌ يليق به، وللمخلوق رضًا وغضب يليق به».
وإن قال: «إن الغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام».
[ ١٧٢ ]
قيل له: «والإرادة: ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة»، فإن قلت: «هذه إرادة المخلوق». قيل لك: «وهذا غضب المخلوق».
وكذلك يُلزم بالقول في كلامه، وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته، إن نفى عنه الغضبَ، والمحبة، والرضا، ونحو ذلك ممَّا (^١) هو من خصائص المخلوقين، فهذا مُنتفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات.
وإن قال: «إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين؛ فيجب نفيه عنه». قيل له: «وهكذا السمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة».
فهذا المفرِّقُ بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه؛ كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: «ليس له إرادة ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات»، فإنه يُبيِّنُ للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها «القديم»، ولا تكون كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من: المحبة، والرضا، ونحو ذلك.
_________________
(١) أثبت محقق المطبوع ما يلي: «إن نفى [عن] الغضب، والمحبة، والرضا، ونحو ذلك [ما] هو من خصائص المخلوقين» ا. هـ. مع أن أكثر النسخ على وفق ما أثبت هنا، وهو الذي رجحه الشارح، وقال في العبارة شيء، ولعل بعد قوله: «خصائص المخلوقين [عنده]».
[ ١٧٣ ]
بدأ الشيخ بالكلام عن الأصل الأول؛ وهو أن: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض).
وهذا الأصلُ الذي ذكره الشيخُ صحيحٌ معقول؛ ومعناه: أن حكم الصفات واحد، فما يجب في بعضها من إثبات، أو نفي، أو لزوم تمثيل؛ يجب في بعضها الآخر، وذلك أنها متماثلة من حيث إنَّ الموصوف بها واحد، ومصدرها واحد، والواجب التسوية بين المتماثلات.
وفي هذا الأصلِ يَرُدُّ الشيخ ﵀ على أهل التعطيل باختلاف فِرَقهم من: أشاعرة، ومعتزلة، وجهمية، وفلاسفة، وكلِّ من نفى شيئًا من الصفات بحجة استلزام إثباتها للتمثيل.
ومحور الرد بهذا الأصل بيان ما في هذه المذاهب من التناقض، وأول وأولى من يُرد عليه بهذا الأصل: الأشاعرة، وبمعناه على بقية الطوائف.
وقد بدأ الشيخ بالرد على المشهور من مذهب الأشاعرة؛ وهو: إثبات سبع صفات، وتأويل، أو تفويض الباقي.
فهم يثبتون الحياةَ، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادةَ، حقيقةً وينازعون في بقية الصفات كالمحبةِ، والرضا، والغضبِ، والكراهة، ويجعلونها من قَبيل المجاز.
[ ١٧٤ ]
ويفسرونها؛ إما ب (الإرادة)، أي: بإرادة الإنعام بالنسبة للمحبة والرضا، وإرادة الانتقام بالنسبة للغضب والكراهة، وإما أنْ يفسروها ببعض المخلوقات من النعم، والعقوبات؛ فيقولون في المحبة - مثلًا -: «إنها النعم»، وفي الغضب: «إنه العقوبات».
فيقال لمن يفرق بين الصفات؛ فيثبت بعضًا، وينفي بعضًا: «لا فرق بين ما أثبت وما نفيت، فإن كان ما نفيته يستلزم التشبيه عندك؛ فعليك أن تنفي ما أثبته لاستلزامه التشبيه كذلك؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فالموصوف بها واحد، ومصدر تلقيها واحد».
وإن قال: «إن ما أثبته لا يستلزم التشبيه»، فعليه أن يثبت البقية كذلك، وإلا وقع في التناقض.
فيلزم هذا المفرِّق واحد من ثلاثة ليخرج من تناقضه:
١ - إما أن يثبت الجميع على وجه التمثيل، وهذا باطل ينكره الجميع.
٢ - وإما أن يثبت الجميع على وجه يليق بالله تعالى - يعني - بدون تمثيل، وهذا هو المطلوب.
٣ - وإما أن ينفي الجميع، فيلحق بالمعتزلة، وسيأتي الكلام معهم.
فإنْ فَسَّر ما ينفيه من صفات الله تعالى بمعاني صفات المخلوقين، كقوله في الغضب - مثلًا -: (إنه غليان دم القلب لطلب الانتقام).
[ ١٧٥ ]
قيل له: «وكذلك يمكن أن تفسر معاني ما تثبته من صفات الله تعالى بمعاني صفات المخلوقين؛ كأن يقال في الإرادة إنها: ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة».
فإن قال: «الإرادة بهذا المعنى إرادة المخلوق»، قيل له: «والغضب بالمعنى الذي فسرته غضب المخلوق».
فلا يلزم من نفي معنى الصفة المختصِ بالعبد؛ نفيُ المعنى الحق اللائق بالله تعالى، فعليك كما أثبت إرادة تليق بالله ليست كإرادة المخلوق - وهكذا في بقية الصفات التي تثبتها - عليك؛ أن تثبت لله غضبًا يليق به تعالى ليس كغضب المخلوق، وهكذا في سائر الصفات التي تنفيها؛ بحجة استلزامها للتشبيه.
وبيانًا لتناقض هذا المفرِّق - وهو الأشعري - فإنه يحتج عليه بكلامه مع خصمه المعتزلي الذي ينفي الصفات التي يثبتها هو، فإذا قال المعتزلي للأشعري: (ليس لله تعالى إرادة، ولا كلام قائم به؛ لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات).
فإن هذا الأشعري الذي يثبت الكلام والإرادة لله تعالى يرد على المعتزلي بقوله: (إن هذه الصفات يتصف بها «القديم»، ولا تكون كصفات المحدثات).
[ ١٧٦ ]
(فهكذا يقول له - أهل السُّنَّة - المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك)، أي: «إنه يتصف بها الرب، ولا تكون كصفات المخلوقات» (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ١١٢، و«مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٥، و«الرسالة الأكملية» ص ١١٩، و«الصفدية» ص ٣٢٧، و«درء تعارض العقل والنقل» ١/ ١٢٨.
[ ١٧٧ ]