فصل
وأمَّا الخاتمةُ الجامعةُ؛ ففيها قواعد نافعة:
القاعدة الأولى
أنَّ اللهَ سبحانه موصوف بالإثبات والنفي. فالإثبات؛ كإخباره أنه: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]، و: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [الملك: ١]، وأنه: ﴿سَمِيعٌ بَصِير (٦١)﴾ [الحج: ٦١]، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
تقدم ذِكر الأصلينِ والمثلينِ، وهذه هي الخاتمة الجامعة، التي وعد بها الشيخ، وهي تشتمل على سبع قواعد، وهذه القواعد أطول مما سبق.
وهذه القاعدة: شرعية، وعقلية.
فهي شرعية لدلالة النصوص عليها، كما في سورة الإخلاص، ففيها إثبات، ونفي؛ فالإثبات في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)
[ ٢٥٩ ]
اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾، والنفي في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهذا نفي، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى] إثبات.
فتجد في النص الواحد والآية الواحدة: نفيًا وإثباتًا، وكما في آية الكرسي ففيها إثبات، ونفي.
وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه] نفي، وهكذا.
فمنهج الرسل في صفات الله تعالى مشتمل على النفي، والإثبات؛ النفي المجمل لصفات النقص والعيب، والإثبات المفصل لصفات الكمال (^١).
وهذه القاعدةُ عقلية؛ لأن المدح والكمال؛ إنما يكون بإثبات المحامد ونفي النقائص، وفي هذا رد على المعطلة، الذين لا يصفون الله إلا بالسلوب، دون إثبات لصفات الكمال.
كما أن في هذا ردًا على اليهود، وعلى الذين يصفون الله بصفات النقص، وفيها رد على الممثلة الذين يصفون الله بمثل صفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقول المؤلف: (إن الله سبحانه موصوف بالإثبات) أي: إثبات صفات الكمال.
وقوله: (والنفي) أي: نفي النقائص والعيوب.
_________________
(١) انظر: ص ١٠٨.
[ ٢٦٠ ]
وينبغي أنْ يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأنَّ النفيَ المحضَ عدمٌ محضٌ، والعدمُ المحضُ ليس بشيء، وما ليس بشيء؛ هو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع؛ لا يوصف بمدح ولا كمال.
النفي لا يكون مدحًا؛ إلا إذا تضمن إثباتَ كمالٍ.
فالنفيُ نوعانِ: نفيٌ محضٌ، ونفيٌ غيرُ محضٍ.
فالنفيُ المحض ليس بمدح؛ لأنه عدمٌ محض، والعدمُ المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء؛ فليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا.
وأما النفيُ غير المحض؛ فهو المتضمن لإثبات الكمال.
ووجه ضلال المعطلة، الذين يصفون الله بالنفي المحض أو بالسلوب: أنهم اقتصروا على وصف الله تعالى بصفات السلب فقط، ولم يثبتوا له صفات الكمال، ومعلوم أن السلب المحض ليس بشيء؛ (ولهذا يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال).
[ ٢٦١ ]