وهذا يتبين ب:
القاعدة الرابعة
وهي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها؛ أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مَثَّلَ ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنَّ أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطَّله؛ بقيت النصوص معطلة عمَّا دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ، الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل -؛ قد عطَّل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم؛ فيكون معطلًا لما يستحقه الرب تعالى.
[ ٣٢٩ ]
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات المَوات والجمادات، أو صفات المعدومات.
فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عمَّا دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله، وفي كلام الله بين التعطيل، والتمثيل؛ فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته.
تقدم في القاعدة السابقة: أن ظاهر نصوص الصفات مرادٌ، وهو ما يليق بالله تعالى ويختص به من صفات الكمال.
وأن الزعم بأن الظاهر غير مراد؛ باطل، فإنْ جَعَلَ الظاهر هو التمثيل؛ فهو مبطل من حيث ظن أن ذلك هو ظاهر النصوص، وإن أثبت الصفات على ما يليق بالله تعالى، أو جعل الظاهر الذي هو ما يليق بالله من إثبات الصفات تمثيلًا؛ فهو مبطل من حيث نفى الظاهر اللائق بالله تعالى.
وهذا يتبين ب «القاعدة الرابعة» التي سيتكلم عليها المؤلف هنا، ومدارها عمَّا يترتب عليه توهم التشبيه في صفات الله تعالى؛ وهي: (أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها؛ أنها تماثل صفات المخلوقين).
[ ٣٣٠ ]
هذا التنويع الذي ذكره المؤلف راجع إلى تنوع الناس في توهم التمثيل، فمنهم من يتوهم ذلك في كل الصفات؛ كالجهمية والمعتزلة، ومنهم من يتوهم ذلك في كثير منها، أو أكثرها؛ كالأشاعرة ونحوهم، ثم إن هذا المتوهم يريد أن ينفي تلك الصفات التي فَهِم منها التمثيل، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير؛ وهي أنواع من الإلحاد في أسماء الله، وآياته:
أحدها: ظنَّه واعتقاده أن ظاهرَ نصوصِ الصفاتِ مُمَاثَلَةُ صفاتِ الله لخلقه، فجعل مدلول كلام الله: الكفر، والضلال.
الثاني: أنه لما اعتقد أن ظاهر النصوص التمثيل، ونفى الصفات من أجل ذلك؛ عطَّل النصوص عمَّا دلت عليه من الحق الذي أراده الله ورسوله منها.
وهذان المحذوران يتعلقان بالنصوص الشرعية، فقد جمع فيهما بين: التعطيل، والتمثيل.
الثالث: أنه ينفي عن الله تعالى صفات كماله بغير علم؛ فيعطل الرب عمَّا يجب له من صفات الكمال.
الرابع: أن تعطيله ذلك يؤول به إلى وصف الله تعالى بنقيض صفاته، فيصفه بصفات: الجمادات، والناقصات، أو المعدومات، والممتنعات.
وهذان المحذوران يتعلقان بصفات الرب تعالى.
[ ٣٣١ ]
وهذه الأربعة كلها محذورة، وتنافي تعظيم الله تعالى، وتعظيم كلامه، وكل واحد من هذه الأربعة كافٍ في بيان فساد مذهب المعطلة.
ثم إن الشيخ بعد أنْ فصَّل هذه المحاذير؛ ذكرها مجملة مبينًا أنها من الإلحاد في أسماء الله تعالى، وآياته، وذلك في قوله: (فيكون قد عطَّل صفات الكمال ..) إلخ، فقوله: (فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات) فيه ذكر للثالث، والرابع، وقوله: (وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات) فيه ذكر الثاني، ثم الأول.
وقوله: (فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل) فيه إجمال لتلك المحاذير بعد إجمال.
(فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته)، وقد ذم الله تعالى الملحدين في أسمائه وآياته، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤٠)﴾ [فصلت].
* * *
[ ٣٣٢ ]