القاعدة الثانية
أن ما أخبر به الرسول عن ربه ﷿ فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة؛ وجب على كل مؤمن: الإيمان به، وإن لم يُفهم معناه.
وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفقًا عليه بين سلف الأمة.
يبين الشيخ هنا حكم ما يُذكر من الألفاظ في صفات الله تعالى، فما ورد منها في الكتاب والسنة؛ وجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أو لم نعرف معناه.
وقوله: (وإن لم يُفهم معناه) ليس المقصودُ أنَّ شيئًا مما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى لا يُفهم معناه، ولكن المقصود: أن الناس يتفاوتون في أفهامهم، فبعض الناس قد لا يفهم معنى بعض
[ ٢٨٩ ]
الصفات، فيجب عليه أن يؤمن بما أخبر الله به في كتابه، وبما أخبر به رسوله ﷺ من صفات الله تعالى وإن لم يَفهم معناه، كما لو سمع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]، وجب عليه أن يؤمن أن الله تعالى استوى على العرش، وإن لم يفهم معناه، ثم بعد الإيمان يأتي السؤال عن معنى الاستواء.
وقول الشيخ: (وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها) هذا التعبير يشعر بأن بعض الصفات ثابتة بالإجماع، ولكن الشيخ احترز عن هذا الفهم فقال: (مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسُّنَّة) فجميع صفات الرب تعالى ثابتة في الكتاب والسنة، أو أحدهما.
* * *
[ ٢٩٠ ]
وما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد؛ بل ولا له: أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه؛ حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا؛ قُبل، وإن أراد باطلًا؛ رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل؛ لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه؛ بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في: «الجهة»، و«التحيز»، وغير ذلك.
يذكر الشيخ هنا حكم الألفاظ المحدثة في صفات الله تعالى، وهو مما تنازع فيه المتأخرون.
فما كان كذلك؛ فإنه لا يجوز قبوله، بل يجب التوقف فيه، والاستفصال عن مُراد المتكلم به، (فإن أراد حقًا؛ قُبل، وإن أراد باطلًا؛ رُدَّ)، وإن أراد حقًا وباطلًا؛ فُسِّر وفُصِّل: فيقبل ما أراد من الحق، ويرد ما أراد من الباطل (^١).
ثم يقال بعد ذلك لمن أراد بهذه الألفاظ معنى صحيحًا: ما أردته حق، ولكن التعبير عنه بهذه الألفاظ؛ خطأ، لأنها لم ترد في الكتاب ولا في السنة، ولأنها ألفاظ مجملة تحتمل حقًا وباطلًا، وذكر الشيخ مثالين لتوضيح هذه القاعدة، وهما لفظا: (الجهة)، و(التحيز).
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» ١/ ٧٦ و٢٢٩ و٢٣٨، و٥/ ٥٨، و«مجموع الفتاوى» ٣/ ٣٤٧، و٥/ ٣٠٥، و١٢/ ١١٤، و«منهاج السنة» ٢/ ٢١٧ و٥٥٤.
[ ٢٩١ ]
فلفظ «الجهة» قد يراد به شيء موجود غير الله؛ فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات.
وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم.
ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ «الجهة» ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه، ونحو ذلك.
وقد عُلِم أنه ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالقُ مباين للمخلوق، ﷾، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
لفظ (الجهة) لفظ مجمل محدث، وقد أوضح الشيخ ما فيه من الإجمال؛ فقد يراد بالجهة شيء مخلوق، أي: شيء موجود غير الله، (وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله)، أي: قد يراد به ما ليس بموجود من المخلوقات، بمعنى: أن لفظ (الجهة) قد يراد به: أمر وجودي، وقد يراد به: أمر عدمي.
فقد يطلق لفظ (الجهة) على العرش، أو السموات، وهي: موجودة مخلوقة.
[ ٢٩٢ ]
وقد يطلق لفظ (الجهة) على ما فوق العالم وما وراء المخلوقات من العدم.
ولهذا كان هذا اللفظُ مجملًا محتملًا، كما أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيه ولا إثباته، كما جاء إثبات لفظ: (العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ونحو ذلك).
ومن المعلوم بالضرورة أنَّ (ما ثَمَّ في الوجود إلا الخالق والمخلوق)، فالموجود قسمان: واجب، وممكن، أو قديم، ومحدث.
و(الخالقُ مباينٌ للمخلوق)، أي: ليس حالًا فيه، فالله تعالى (ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته)؛ بل هو بائن مِنْ خَلْقِه، فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء، ﷾.
* * *
[ ٢٩٣ ]
فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم، بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: «إن الله في جهة»: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل.
على ضوء ما سبق من معنى (الجهة) وما يراد بها، يُستفصل ممن نفاها وممن أثبتها، فيقال للنافي: أتريد بالجهة شيئًا موجودًا مخلوقًا؟ أم تريد بها ما وراء العالم؟
فإن أردتَ بها الأول؛ فنفيك صحيح؛ لأن الله تعالى ليس داخلَ المخلوقات، وإن أردت الثاني؛ فنفيك باطل؛ (لأن الله تعالى فوق العالم، بائنٌ من المخلوقات).
ويقال لمن أثبت أن الله تعالى في جهة: أتريد بذلك أن الله تعالى فوق العالم؟، أم تريد بالجهة شيئًا موجودًا؛ فيكون الله تعالى داخلًا في المخلوقات؟
فإن أردت الأول؛ فحق، وإن أردت الثاني؛ فباطل (^١).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٦٢ و٦/ ٣٨، و«منهاج السنة» ٢/ ٣٢١ و٥٥٤، و«درء تعارض العقل والنقل» ١/ ٢٥٣ و٥/ ٥٨، و«بيان تلبيس الجهمية» ٣/ ٣٠٥ و٦٠٧.
[ ٢٩٤ ]
وكذلك لفظ «المتحيز»؛ إن أراد به أن الله تَحُوزُه المخلوقات، فاللهُ أعظمُ وأكبر؛ بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟».
وفي حديث آخر: «وإنه ليدحوها (^١) كما يدحو الصبيان بالكُرة»، وفي حديث ابن عباس: «ما السموات السبع، والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن؛ إلا كخردلة في يد أحدكم».
وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات - أي: مباين لها، منفصل عنها، ليس حالًا فيها -؛ فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: «فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه».
اللفظ الثاني من الألفاظ المحدثة المجملة التي ذكرها الشيخ: لفظ (المتحيز)، فهو لم يأت في صفات الله تعالى لا نفيًا ولا إثباتًا، فالواجب الاستفصال عن معناه؛ فإن أريد به معنى حق؛ قبل المعنى الحق، ورددنا اللفظ المحدث المحتمل.
_________________
(١) الدحو: رمي اللاعب بالحجر، والجوز، وغيره. «لسان العرب» ١٤/ ٢٥٢.
[ ٢٩٥ ]
وإن أريد به معنى باطل؛ رد المعنى الباطل واللفظ المحدث؛ فلفظ (المتحيز) قد يراد به أن الله تعالى تحوزه المخلوقات - أي: تحيط به -؛ فهذا باطل؛ لأن الله تعالى أكبرُ وأعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، فهو الكبير المتعال، وهو العلي العظيم، ومن دلائل عظمته أنه تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض).
والذي عليه أكثر أهل السنة أن: «الكرسي: موضع القدمين» كما جاء عن ابن عباس (^١) وأبي موسى (^٢) ﵃.
ومن دلائل عظمته أنه تعالى (يقبض الأرض، ويطوي السموات بيمينه)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وكذلك الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية: («يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟») (^٣).
وجاء هذا المعنى في عدد من الأحاديث عن جماعة من الصحابة (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» ١/ ٣٠١، وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ١٠٧، والحاكم ٢/ ٢٨٢، والضياء في «المختارة» ١٠/ ٣١١، وقال الأزهري في «تهذيب اللغة» ١٠/ ٥٤: «هذه الرواية اتفق أهل العلم على صحتها، والذي عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم؛ فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار».
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» ١/ ٣٠٢، وابن أبي شيبة في «العرش» ص ٤٣٧ والطبري في «تفسيره» ٤/ ٥٣٨ وأبو الشيخ في «العظمة» ٢/ ٦٢٧، وابن منده في «الرد على الجهمية» ص ٤٦، وصحح إسناده ابن حجر في «الفتح» ٨/ ١٩٩.
(٣) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) تقدم في ص ٨٩ حديث ابن مسعود، وابن عمر ﵃.
[ ٢٩٦ ]
ومن شواهد هذا المقام: الحديث الذي يُروى أنه تعالى: «يأخذ السموات، والأرضين السبع، فيجعلها في كفَّيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة» (^١)، وهذا التصويرُ تقريبٌ لكمالِ تصرفه تعالى في هذه العوالم على كثرتها وعِظَمِها، فهي صغيرة وضئيلة في جانب عظمته ﷾.
ومما استشهد به في هذا المقام الأثر الذي جاء عن ابن عباس ﵄: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن؛ إلا كخردلة في يد أحدكم) (^٢).
فهو العظيم الذي لا أعظم منه، وهو الكبير المتعالي، فيمتنع مع هذه العظمة التي لا تحيط بها عقول العباد: أن يحويه شيء من مخلوقاته، فهو أعظم وأكبر من أن تحيط به مخلوقاته؛ فضلًا عن أن يحيط به شيء منها.
وإن أريد بالمتحيز المنحاز عن العالم المباين للمخلوقات؛ فهو كما قال أئمة السلف: (فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه) (^٣)،
_________________
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢٠/ ٢٤٧، وابن منده في «الرد على الجهمية» ص ٨١ من حديث أبي حازم عن ابن عمر ﵄ ولم يسمع منه. «تهذيب الكمال» ١١/ ٢٧٣ -، وجاء بألفاظ أخرى من طريق أبي حازم عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، رواه مسلم (٢٧٨٨)، وغيره.
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» ٢/ ٤٧٦، والطبري في «تفسيره» ٢٠/ ٢٤٦.
(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ١/ ١٩٨، «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية» - الرد على الجهمية - ٣/ ١٣٦.
[ ٢٩٧ ]
ومعنى: (بائن من خلقه) أنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.
فالمتحيز؛ إما أن يُراد به: ما تحيط به الأحياز؛ وهو: الدخول في العالم والمخلوقات.
وإما أن يُراد به: المنحاز الخارج عن العالم.
فإن أريد المعنى الأول؛ فهو باطل في حق الله تعالى؛ لأنه تعالى خارج العالم، وليس حالًا في مخلوقاته.
وإن أريد به المعنى الثاني؛ فهو حق، لكن التعبير بهذا اللفظ: خطأ، لما سبق من أنه محدث ومحتمل.
وإن أريد به المعنيان جميعًا؛ فهو باطل (^١)، وهو كقول من قال: «إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه»، وقد سبق بيان ذلك في آخر «القاعدة الأولى» (^٢).
ومثل لفظ (الجهة) و(التحيز) باقي الألفاظ المحدثة المجملة المحتملة ك «الجسم»، و«التركيب»، ونحو ذلك.
* * *
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» ٥/ ٥٥، و«منهاج السنة» ٢/ ٣٥٠ و٥٥٥، و«بيان تلبيس الجهمية» ٣/ ٣٠٥ و٦٠٧، و«مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٦٤، و«تفسير سورة الإخلاص» ص ٣٤٣.
(٢) ص ٢٨٦.
[ ٢٩٨ ]