إذا عُرف ذلك؛ فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات؛ هو: حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد؛ هو: نفس ما يكون من الوعد والوعيد.
ولهذا ما يجيء في الحديث؛ نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر؛ فيه ألفاظ متشابهة، تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة: لحمًا، ولبنًا، وعسلًا، وماءً، وخمرًا، ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته.
فأسماء الله تعالى وصفاته أَوْلى - وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه - أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته.
أي: إذا عرف ما تقدم من معاني التأويل وخصوصًا المعنى الثالث، وهو: «الحقيقة»، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن صفاته؛ هو:
[ ٣٨٥ ]
نفسه المقدسة وما قام به ﷾ من الصفات، وهذا باعتبار المعنى الثالث من معاني التأويل؛ وهو: «الحقيقة».
فقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]؛ هو نفسه تعالى وما قام به من الاستواء على العرش، وتأويل قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]؛ هو نفسه المقدسة وما قام به من السمع والبصر، وهكذا القول في سائر نصوص الصفات؛ كقوله ﷺ: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا» (^١) الحديثَ.
وهذا النوع من التأويل؛ هو الذي لا يعلمه إلا الله تعالى كما سبق (^٢) وكما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
وهكذا تأويل نصوص الوعد والوعيد، ونصوص البعث وما يكون يوم القيامة؛ هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد يوم القيامة في الخارج، فتأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَاب (٢٣)﴾ [الرعد]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِين (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَة (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِين (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُون (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَّعِين (١٨)﴾ [الواقعة] الآيات، تأويلها؛ هو نفس الموجود وما يكون من ذلك، فمن هذه الأمور ما يكون موجودًا الآن؛ كالجنة، ولكن دخول المؤمنين الجنة بحيث يجلسون على تلك السرر، ويتكؤون عليها، ويطوف عليهم الولدان؛ يكون يوم القيامة.
_________________
(١) تقدم في ص ٧٣.
(٢) ص ٣٥٣.
[ ٣٨٦ ]
وهكذا تأويل نصوص الوعيد؛ هو ما يكون من الوعيد، كما تقدم (^١) في قوله تعالى في تهديد الكفار: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: ما ينتظر هؤلاء الكفار إلا تأويل ما تُوعِدوا به، وما وُعِدوا به في الكتاب المفصل، فإذا قامت القيامة، وانشقت السماء، وانتثرت الكواكب، وفُجِّرت البحار، وبعثرت القبور؛ فكل هذا الواقع؛ هو: تأويل ما أخبر الله سبحانه به من: أمر البعث، والنشور، والحشر، والجزاء، والثواب، والعقاب، باعتبار المعنى الثالث من معاني التأويل المتقدمة.
وأما تأويلها بمعنى «التفسير»؛ فهو حاصل الآن، وهو معلوم لنا، كما سيأتي، وقد تقدم (^٢)؛ وهو: نفس الكلام الذي نعبر به عن معاني هذه النصوص.
قوله: (ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه) أي: السنة مثل القرآن الكريم، ففيها محكم ومتشابه، كما أن القرآن منه آيات محكمات، وأخر متشابهات، ونفس ما قيل في المراد بالمحكم والمتشابه من القرآن؛ هو ينطبق على المحكم والمتشابه من السنة، وليس في القرآن أو السنة متشابه بمعنى ما لا يفهمه أحد، فإن هذا قول أهل التجهيل - أهل التفويض - لكن من تأويل المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
_________________
(١) ص ٣٧٣.
(٢) ص ٣٧١.
[ ٣٨٧ ]
قوله: (نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه) هذا هو الواجب في المحكم والمتشابه، وقد تقدم (^١) أن من الأقوال في المحكم والمتشابه: أن المحكم؛ هو الناسخ، والمتشابه؛ هو المنسوخ، فالواجبُ في الناسخِ: الإيمانُ به، والعمل به، والواجبُ في المنسوخِ: الإيمانُ به، ولا يعمل به؛ لأنه قد نُسخ، فذُكر في كل من الأمرين ما هو أخص به، فالمحكم؛ أخص بالعمل، والمتشابه؛ أخص بالإيمان، وإلا فالإيمان يجب في الكل: في المحكم والمتشابه من القرآن، والسنة.
قوله: (لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا؛ كما أخبر أن في الجنة …) إلخ، وهذا قد تقدم في «المَثَل الأول» (^٢).
قوله: (وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى) التشابه في اللفظ واضحٌ، وأما التشابه في المعنى من بعض الوجوه؛ فهو القدر المشترك، فإذا قرأ العربي النصوص التي فيها ذكر: الماء، والعسل، والخمر، واللبن في الجنة؛ يعرف أن هذه أشربةٌ، وليست أمورًا أخرى؛ بل هي أسماء لمسميات معقولة مفهومة، وإذا قرأ النصوص التي فيها ذكر: الذهب، والحرير عرف أن هذه أنواع من اللباس، وهكذا.
وقد تقدم في المثل الأول - أيضًا - التأكيد على أن بين موجودات الدنيا، وموجودات الآخرة: قدر مشترك معنوي (^٣)، وأن المشابهة ليست
_________________
(١) ص ٣٦٠.
(٢) ص ٢٢٥.
(٣) ص ٢٢٦.
[ ٣٨٨ ]
في اللفظ فقط، كما قد يتوهم بعض الناس، ولكن مع الفارق، كما تقدم أن موجودات الآخرة توافق ما في الدنيا، وليست مثلها؛ بل هي مباينة لها مخالفة لها.
فيمكن حينئذٍ أن نقول: إن هذه النصوص التي أخبر الله بها عمَّا في الآخرة متشابهة، بمعنى: أن هذه النصوص يخفى معناها على بعض الناس ويشتبه، أو: أنها تدل على أمور علمية اعتقادية لا عملية، والمحظور أن يقال: إن هذه النصوص من المتشابه، بمعنى: ما لا يفهمه أحد على طريقة أهل التجهيل.
إذًا؛ فمشابهة موجودات الآخرة لموجودات الدنيا في اللفظ والمعنى؛ لا يستلزم أن تكون هذه الأمور التي أخبر الله عنها مثل ما في الدنيا، ولا حقيقتها كحقيقتها، وهكذا ما أ خبر الله به عن نفسه.
قوله: (فأسماء الله تعالى وصفاته أَوْلى وإنْ كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه) أي: من بعض الوجوه (أنْ لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق ولا حقيقته كحقيقته) المعنى: أنه إذا كانت موجودات الآخرة مع ما بينها وبين ما في الدنيا من اتفاق ووجه شبه في اللفظ والمعنى؛ لا تكون مماثلة لها بل هي مباينة؛ فأسماء الله وصفاته أَولى أن لا تكون مماثلة لأسماء العباد وصفاتهم، من أجل ما بينها من اتفاق ووجه شبه.
إذًا؛ فيصح أن يقال: إن نصوص الصفات متشابهة على هذا النحو، أي يشتبه معناها على بعض الناس الجهال، أو بعض الناس الذين
[ ٣٨٩ ]
تَسرَّبت إلى عقولهم الاعتقادات البدعية، فلم يفهموا من نصوص الصفات إلا التشبيه، وهذا ضلال مبين، ولكن أهل العلم والبصيرة يعلمون أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات؛ ليس مثل أسماء العباد وصفاتهم، وإن كان بينها قدر مشترك، واتفاق من بعض الوجوه. والله أعلم.
* * *
[ ٣٩٠ ]