وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وهذا هو المأثور عن أُبَيِّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: «التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب».
وقد رُوي عن مجاهدٍ وطائفةٍ: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها».
الاستدلال بالآية على «القاعدة» لا يتم إلا على مذهب الجمهور في الوقف في هذه الآية، لأن الآية على هذه القراءة تدل على: أنَّ مِنْ تأويل المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا هو المروي عن أئمة القُرَّاء من الصحابة؛ كابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب
[ ٣٦٣ ]
رضي الله تعالى عنهم (^١)، ثم ذكر الشيخ أثر ابن عباس المشهور، وقد رواه ابن جرير، وغيره (^٢).
وهذا الأثر يدل على مضمون «القاعدة» - أيضًا -؛ فإنه يدل على أن هذه النصوص ليست معلومة للناس من كل وجه؛ بل مِنْ مدلولاتها ما لا يعلمه إلا الله، فالأوجه الثلاثة الأولى في هذا الأثر: مِنْ علم العباد.
فأما الذي (تعرفه العرب من كلامها)؛ فكالمعاني اللغوية، فإن القرآن نزل بلسان عربي، فيعلم العرب معاني هذه الألفاظ؛ لأنها جاءت بلغتهم، ولهذا كان المشركون يستمعون للقرآن، ويدهشون إذا سمعوه، ويتواصون بعدم استماعه، حذرًا من التأثر به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون (٢٦)﴾ [فصلت] فالمعاني اللغوية تعرفها العرب من كلامها، مثل معنى: السماء، والأرض، والشمس، والقمر، والسرر، والأرائك، والنمارق، ونحوها.
وأما التفسير الذي (لا يعذر أحد بجهله)؛ فهو المعاني الشرعية التي يتعلق بها التكليف كالإيمان، والكفر، والصلاة، والزكاة، والصيام الشرعي، فلا يكفي معرفة المعاني اللغوية؛ بل لا بدَّ من معرفة المعاني الشرعية لها، فالصيام مثلًا؛ هو: «الإمساك» في اللغة (^٣)، لكن في الشرع؛ هو: «الإمساك عن المفطرات - التي أهمها ثلاثة: الأكل، والشرب،
_________________
(١) «تفسير الطبري» ٥/ ٢١٨ و٢٢١.
(٢) في «تفسيره» ١/ ٧٠، ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٣٠٢ بنحوه.
(٣) «القاموس المحيط» ص ١٤٦٠.
[ ٣٦٤ ]
والجماع - بنِيَّةٍ مِنْ طلوع الفجر إلى غروب الشمس» (^١)، كذلك الزكاة، والصلاة، وغيرها.
وقول ابن عباس: (لا يعذر أحد بجهله) لعل المراد: أنه لا يعذر أحد بعدم تعلمه وتحصيله، فلا بدَّ من معرفة المكلف للمعاني الشرعية، لكن لو وقع جهل ببعض هذه الأحكام لا عن تقصير وإعراض ولا تفريط؛ فإنه يعذر.
والتفسير الذي (يعلمه العلماء) هو تفاصيل الأحكام، ودقائق الاستنباط، وتفاصيل الحِكم في الجملة، فهذا من شأن العلماء.
وأما التفسير الذي (لا يعلمه إلا الله)؛ فهو ما استأثر الله تعالى به من حقائق ما أخبر به، وتفاصيل حِكَمه تعالى في شرعه، فالحِكَمُ في شرعه وقدره؛ لا يعلمها على التفصيل إلا الله سبحانه.
إذًا؛ هذا الأثر من الشواهد التي يستشهد بها للقاعدة، فقول ابن عباس هذا؛ يطابق ما دلت عليه الآيات المتقدمة من آيات التدبر ونحوها، وآية آل عمران.
قوله: (وقد روي عن مجاهدٍ، وطائفةٍ: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله) (^٢).
أي: تأويل المتشابه، وإذا كان الراسخون في العلم يعلمون المتشابه؛ فيكون الوقف في الآية على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، هذا
_________________
(١) «المغني» ٤/ ٣٢٥.
(٢) «تفسير الطبري» ٥/ ٢٢٠.
[ ٣٦٥ ]
هو مقتضى قول مجاهد، ويدل على هذا - أيضًا -؛ قوله: (عرضت المصحف - المصحف مثلث الميم (^١)، أي: القرآن الكريم، فالمصحف اسم لما كُتب فيه جميع القرآن - على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية، وأسأله عن تفسيرها) (^٢) فيه دلالة على أن القرآن كلَّه يمكن فهمه، ويمكن السؤال عن معناه، ولو كان في القرآن ما لا يمكن فهم معناه لما صح السؤال عنه كله، ومعنى كلام مجاهد أنه يسأل ابن عباس عمَّا يخفى معناه مِنْ المعاني الدقيقة، والمعاني الشرعية التي يختص بعلمها الراسخون في العلم؛ كابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
إذًا؛ فهذان قولان في الآية، من حيث القراءة، ومن حيث التفسير، فالجمهور على أن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ ومقتضى ذلك: أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، والقول الثاني: أن الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ومضمون هذا: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه.
وهذان القولان بينهما تقابل بالسلب والإيجاب، والسلبُ والإيجاب نقيضان، فبينهما تعارض في الظاهر، ولكن في الحقيقة أنه لا تعارض بينهما، وهذا ما يريد الشيخ أن يقرره بقوله:
_________________
(١) أي يجوز فيها: الضم، والفتح، والكسر. انظر: «إكمال الإعلام بتثليث الكلام» ١/ ١٥.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٨٥، وبنحوه رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١٥/ ٥٥٨، والدارمي ١/ ٢٧٠.
[ ٣٦٦ ]
ولا منافاة بين القولين عند التحقيق؛ فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معانٍ:
أحدها: - وهو اصطلاح كثيرٍ مِنْ المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله -: أن التأويل؛ هو: «صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به»؛ وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويلِ نصوص الصفات وتَرْكِ تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم؟، وحق أو باطل؟
أي: قول جمهور الأمة سلفًا وخلفًا؛ وهو: أن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، ومقتضى هذا: أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، وقول مجاهد ومَن معه مِنْ أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، فيكون الوقف على قوله سبحانه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وسبق أن ظاهرهما التعارض؛ لأنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، فلا بدَّ من الجمع بينهما، فمجاهد كما سيأتي إمام المفسرين؛ فلا يليق أن يقال: «إنه خالف الجمهور، وأتى بقول يناقض قول سائر المفسرين».
[ ٣٦٧ ]
وإذا أمكن الجمع بين القولين؛ لم يكن هناك تناقض ولا اختلاف في الحقيقة، وغاية الأمر أن يكون من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضادِ، وغالبُ الخلاف بين المفسرين من قبيل اختلاف التنوع.
ثم قال الشيخ مبينًا ما يحصل به الجمع بين القولين: (فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معانٍ) (^١)، والتعارضُ بين هذين القولين؛ يصح لو كان التأويل ليس له إلا معنى واحد، فإنه يمتنع حينئذٍ الجمع ولكن التأويل له معانٍ.
فيمكن الجمع بين قولِ الجمهور، وقولِ مجاهد ومَن معه: بحمل كلٍّ من القولين على معنى من معاني التأويل، فالذي يقول: «إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه»، يريد بالتأويل معنى غير المعنى الذي يريده مَنْ يقول: «إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله»؛ وحينئذٍ يزول التعارض.
والتوفيقُ بين القولين يحصل بمراعاة المعنى الثاني والثالث من معاني التأويل، لكن الشيخ ذكر المعاني الثلاثة.
قوله: (وهو اصطلاحُ كثيرٍ …) أي: أن هذا اصطلاحٌ محضٌ ليس من اللغة في شيء.
_________________
(١) «الفتوى الحموية» ص ٢٩٠، و«الإكليل في المتشابه والتأويل» ص ٢٨٨، و«درء التعارض» ١/ ١٤ و٢٠٦ و٥/ ٢٣٤، و«تفسير سورة الإخلاص» ص ٤١٩، و«الصواعق المرسلة» ١/ ١٧٧ و٣/ ٩٢٢.
[ ٣٦٨ ]
قوله: (أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به) أي: تفسير اللفظ بالمعنى البعيد، وترك المعنى القريب.
فإذا قالوا: «هذا النص مؤول»، فالمراد: أنه مصروف عن ظاهره إلى خلاف ظاهره، ولهذا يقول الأصوليون: إن الأدلة منها ما هو «نص» لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وهذا لا يتأتى فيه التأويل، ومنها: ما يحتمل أكثر من معنى، ومن هذه المعاني ما هو قريب، ومنها ما هو بعيد، فحمله على المعنى القريب؛ هو: «الظاهر»، وهذا هو الواجب؛ إلا إذا كان هناك دليل يوجب حمله على المعنى الآخر البعيد؛ فيكون: «مؤولًا» (^١).
قوله: (وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويلِ نصوص الصفات وتَرْكِ تأويلها، وهل ذلك محمود أومذموم؟ أو حق أو باطل؟) أي: أن الناس خاضوا في هذا، فمِن الناس من يقول: «يجب تأويل نصوص الصفات»، وهم أهل التأويل مِنَ المعطلة، ويقابل أهل التأويل من المعطلةِ: أهلُ التفويض، فكل من أهل التأويل وأهل التفويض؛ ينفون الصفات عن الله سبحانه، لكنهم يختلفون في الموقف من نصوص الصفات.
وهذا التأويل؛ كتأويل «الاستواء» ب «الاستيلاء»، و«اليد» ب «النعمة، أو القدرة»، و«الوجه» ب «الذات أو بالثواب»، وتأويل «النزول» ب «نزول الرحمة، أو نزول ملَك مِنَ الملائكة»، وتأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاء
_________________
(١) انظر نحو ما ذُكر عن: «النص»، و«الظاهر، و«المؤول» في «روضة الناظر» ٢/ ٥٦٠ - ٥٦٣.
[ ٣٦٩ ]
رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ب «مجيء أمره»، وظاهر هذا النص - مثلًا -: أنه هو تعالى يجيء. والاحتمال المرجوح: مجيء أمره، وهم يقولون: «إن هذا التأويل لدليل»، وهي في الحقيقة شبهات داحضة مردودة، وقد بنوا عليها مذهبهم الباطل.
هذا هو التأويل بالمعنى الأول، ولكن ما حكم هذا التأويل؟
نقول: إن كان الدليل الذي بُني عليه هذا التأويل صحيحًا؛ فالتأويل صحيح؛ لأنه عمل بالدليل الصحيح، وإن كان الدليل لا يصح؛ كان التأويل الذي بني عليه باطلًا.
وأما تأويل نصوص الصفات بمعنى صرفها عن ظاهرها إلى خلاف هذا الظاهر، فإنه باطل بدون تفصيل، لأنه ليس هناك دليل، فأهل التأويل من المعطلة ليس عندهم دليل يجب المصير إليه، ما هي إلا شبهات وحجج داحضة؛ كقولهم: «معنى ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ أي: أمره؛ لأن المجيء يتضمن انتقالًا، والانتقال ممتنع على الرب تعالى»، أو قولهم: «إن المجيء فعل حادث، والله منزه عن الحوادث».
ومن المعلوم أنه لا دليل على نفي الحوادث عن الله تعالى، فهذا لفظ مبتدع، وهو لفظ محتمل أيضًا، فالمقصود أنه ليس عندهم دليل صحيح لهذا التأويل، فوجب إجراء كلام الله تعالى على ظاهره.
هذا هو المعنى الأول من معاني التأويل، والشيخ ذكره لاستكمال معاني التأويل، وإلا فهذا المعنى - كما تقدم - محض اصطلاح لأهل الفقهِ وأصولِه وأهلِ الكلام، لم يأت في القرآن، ولا أصل له في اللغة العربية.
[ ٣٧٠ ]
والثاني: أن التأويل بمعنى: التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير، وأمثاله مِنْ المصنِّفين في التفسير: «واختلف علماء التأويل».
ومجاهدٌ إمام المفسرين، قال الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد؛ فحسبك به» (^١).
وعلى تفسيره يعتمد: الشافعيُّ، وأحمدُ بن حنبل، والبخاريُّ، وغيرهم.
فإذا ذَكرَ أنه يعلم تأويل المتشابه؛ فالمراد به: معرفة تفسيره.
هذا أحد معنيي التأويل الواردين في النصوص، والمأثورين عن السلف، وهو مراد كثير من المفسرين من لفظ «التأويل»، وهو الذي عناه مجاهدٌ بقوله: «إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه».
وقول الشيخ: (ومجاهد إمام المفسرين …) (^٢) إلخ، بيان لمنزلة مجاهد في التفسير، ممَّا يوجبُ اعتبارَ قولِه ذلك، فيتعين أنه أراد
_________________
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٨٥.
(٢) هو: ابن جبر، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، أبو الحجاج القرشي، المكي، الإمام، شيخ القراء والمفسرين، روى عن: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وجماعة من الصحابة، وروى عنه: عكرمة، وطاوس، وعطاء، وأمم غيرهم، وقرأ عليه القرآن: ابن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، اختلف في وفاته ﵀ فقيل: سنة ١٠٢ هـ وقيل قبلها وقيل بعدها، وهو ثقة كبير القدر، وحديثه مخرج في الكتب الستة، وغيرها. «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٢٢٨، و«سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٤٩.
[ ٣٧١ ]
بالتأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم: (التفسير)؛ فلا يكون قوله معارضًا لقول الجمهور، كما تقدم.
* * *
[ ٣٧٢ ]
الثالث: - من معاني التأويل -؛ هو: «الحقيقة التي يؤول إليها الكلام»، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣].
فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد؛ هو ما أخبر الله تعالى به فيه، ممَّا يكون من: القيامة، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته، وقال: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ فجعل عَيْنَ ما وُجِد في الخارج؛ هو تأويل الرؤيا.
هذا هو المعنى الثاني من معنيي (التأويل) الواردين في النصوص، والمأثورين عن السلف؛ وهو: (التأويل) بمعنى: (الحقيقة التي يؤول إليها الكلام)؛ وهي: عين المخبَرِ به الموجود في الخارج، ومِن شواهده: آيتا الأعراف، ويوسف.
قوله تعالى: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾) استفهام إنكاري بمعنى: «النفي» أي: لا ينتظر هؤلاء الكفار المكذبون إلا تأويل ما أخبروا به مِنْ أمر البعث، والجزاء، والوعيد الشديد.
قوله تعالى: (﴿إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾) أي: تأويل ما جاء في الكتاب من الأخبار عن البعث الذي يكذب به الكفار، والعقاب الذي توعد الله به
[ ٣٧٣ ]
المكذبين، فإن هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون (٥٢)﴾ [الأعراف].
فالتأويل هنا بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء.
قوله: (فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه مما يكون من القيامة) إلخ، أي: نفس الواقع في المعاد؛ هو هذا التأويل، فتأويل ما توعد الله تعالى به الكفار - مثلًا - هو نفس ما يكون من العقاب من دخولهم النار.
ومن الشواهد - أيضًا - على هذا المعنى: (قوله تعالى في قصة يوسف ﵊ لما دخل عليه أبواه وإخوته) الأحدَ عشرَ، ورفع أبويه على العرش، وسجدوا له: (﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾) أي: هذه هي حقيقتها وتفسيرها الواقعي.
قوله: (فجعلَ عَيْنَ ما وُجِد في الخارج هو تأويل الرؤيا) أي: ما وجد في الخارج؛ وهو: السجود؛ هو تأويل الرؤيا التي رآها يوسف في أول أمره، فبدأتِ القصة بذكر الرؤيا، وانتهتْ بتفسيرها التفسير الواقعي الخارجي.
فالرؤيا لها تفسير يكون بالكلام، وتفسير يكون في الواقع، وقد اشتملتْ قصة يوسف ﵊ على نماذج من الرؤى: رؤيا يوسف، ورؤيا الفتيين، ورؤيا الملك.
[ ٣٧٤ ]
فرؤيا الملك فسَّرها يوسف ﵊، كما قال الله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُون (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُون (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُون (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُون (٤٩)﴾ [يوسف].
فهذا الكلام تفسير للرؤيا، ثم لما جاءت السنين الخصبة، وبعدها السبع الشداد؛ كانت هذه السنين تأويلًا؛ بمعنى الحقيقة.
فصار للرؤيا تأويل بمعنى التفسير، وتأويل بمعنى الحقيقة، فيأتي الرائي؛ فيقص على المعَبِّر، فيفسِّرها بحسب ما أوتي، فهذا تأويل بمعنى التفسير، ولكن إذا وقع مقتضاها ومضمونها في الخارج، أو بالفعل؛ فذلك تأويلها بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
فيعقوب ﵇ لما قص عليه يوسف ﵇ الرؤيا؛ فهِم منها أن يوسف سيكون له شأن، لكن لا ندري هل يعقوب ﵇ فهِم أن الشمسَ، والقمر، والأحدَ عشرَ كوكبًا هي أبوا يوسف وإخوته؟ الله أعلم، وليس هذا ببعيد على يعقوبَ، وهو نبي من أنبياء الله تعالى، وفيها - أيضًا - قرائن تدل على هذا؛ كالشمس، والقمر، والكواكب الأحدَ عشرَ.
فيوسف ﵇ يذكر هذه الحال، ويقول: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: صار لها واقعًا وحقيقة.
[ ٣٧٥ ]
والرؤيا التي لا يكون لها واقع؛ أضغاث أحلام، ومِن حديث النفس، ولكن الرؤيا الصادقة؛ هي التي يكون لها واقع، و«كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصبح» (^١)، أي: جاءت مطابقة لما رأى في المنام.
والمقصود أن هذا هو المعنى الثالث، وسيعيد الشيخ ﵀ ويوضح هذين المعنيين مزيد إيضاح في الفقرة التالية.
فائدة:
سجودُ يعقوبَ ﵊ وأبنائه ليوسف ﵊؛ كان جائزًا في شريعتهم، أمَّا في شريعة الإسلام الخاتمة التي جاء بها محمد ﷺ فإنه لا يجوز، كما قال النبي ﷺ: «لو كنت آمرًا أحدًا أنْ يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» لما أراد معاذ ﵁ أن يسجد له، وأنكر عليه ذلك (^٢)، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون (٣٧)﴾ [فصلت].
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٥٣) عن عائشة ﵂.
(٢) رواه عبد الرزاق «المصنف» ١١/ ٣٠١، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٩/ ٣٢٣، وأحمد ٤/ ٣٨١، وابن ماجه (١٨٥٣)، وصححه ابن حبان (٤١٧١)، والحاكم ٤/ ١٧٢، وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٢٨٢ و٢٢٥٠)، و«العلل» للدارقطني ٦/ ٣٧. وجاء معناه عن عدد من الصحابة.
[ ٣٧٦ ]
وهذا السجود الذي كان مِنْ أبوي يوسف وإخوته؛ ليس هو من العبادة، بل هو سجود تحية وتكريم، كما سجد الملائكة لآدم بأمر الله تعالى عبادةً لله تعالى، وتكريمًا لآدم ﵇، وبهذا أظهر اللهُ كرامة آدم وفَضْلَه، ولهذا يقول الناس يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة: «أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك» (^١).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٧٧ ]
فالتأويل الثاني؛ هو: تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يفهم معناه، أو تعرف علته، أو دليله، وهذا التأويل الثالث؛ هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن». تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، وقول سفيان بن عيينة: «السنة؛ هي تأول الأمر، والنهي».
فإنَّ نفس الفعل المأمور به؛ هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبَرِ عنه؛ هو: تأويل الخبر، والكلام: خبر، وأمر.
هذا كلُّه توضيح للمعنيين الثاني والثالث من معاني التأويل، وهما: التأويل بمعنى التفسير، والتأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
فقول الشيخ: (الثاني؛ هو: تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسَّر به اللفظ حتى يفهم معناه) إلخ، معناه: أن التأويل بمعنى التفسير؛ هو نفس الكلام الذي يعبر به المفسِّر عن معنى الآية - مثلا -، ويبين به ما تدل عليه مِنَ الحُكم وعلته، وهذا يختلف باختلاف المفسرين في تعبيرهم عن معنى الآية.
[ ٣٧٨ ]
وأما التأويل بمعنى الحقيقة؛ فقد ذكره الشيخ بقوله: (وهذا التأويل الثالث؛ هو عين ما هو موجود في الخارج) فظهر بذلك الفرق بين معنيي التأويل.
فقوله: (فإن نفس الفعل المأمور به؛ هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبَرِ عنه؛ هو: تأويل الخبر، والكلام: خبرٌ، وأمرٌ) أي: أن التأويل الثالث؛ هو: الحقيقة الموجودة في الخارج، والكلام قسمان: خبر، وإنشاء.
فتأويل الأمر؛ هو نفس فعل المأمور به، وتأويل النهي هو ترك المنهي عنه، وتأويل الخبر؛ هو نفس المخبَرِ عنه الموجود في الخارج.
فقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ له تأويل بمعنى التفسير، وتأويل بمعنى الحقيقة، فتأويله بمعنى التفسير؛ هو ما يعبر عنه المفسرون، كقولهم: هذا أمر مِنْ الله تعالى لعباده المؤمنين بإقام الصلاة؛ وهو: أداؤها بواجباتها، وسننها، وشروطها؛ كما بيَّن النبي ﷺ، وبهذا تحصل إقامة الصلاة، ونحو هذا الكلام، فكلام المفسرين؛ هو من هذا التأويل.
وأما تأويله بمعنى الحقيقة؛ فهو أداء المسلم للصلاة، كما صلَّى النبي ﷺ، فهو - أي: المسلم - يتأول القرآن، كما قالت عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن) (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٨٦)، ومسلم (٤٨٤).
[ ٣٧٩ ]
فتسبيحه ﷺ واستغفاره هذا في الركوع والسجود؛ هو التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وقولها ﵂: «يتأول القرآن» أي: يعمل بهذا القرآن، ويحقق حقيقة الأمر الذي أُمر به؛ بهذا التسبيح، وهذا الاستغفار.
وتأويل قوله تعالى: (﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾) بمعنى التفسير، مثل أن يقول المفسر: هذا أمر من الله سبحانه لنبيه ﷺ بتسبيحه وتنزيهه عن كلِّ ما لا يليق به، وحمده سبحانه، والثناء عليه بما هو أهله، وأمرٌ من الله لنبيه بالاستغفار، والتوجه إليه بطلب المغفرة.
وعائشة ﵂ أخبرت عن التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، وهكذا تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] بمعنى الحقيقة؛ هو نفس ما يكون يوم القيامة من جمع الناس الأولين والآخرين ببعثهم من قبورهم، وحشرهم.
ومن شواهد التأويل بمعنى الحقيقة ما ذكره الشيخ عن سفيان بن عيينة: (السنة؛ هي تأويل الأمر والنهي) (^١) أي: الطريقة المستقيمة والمثلى؛ هي فعل المأمور به، وترك المنهي عنه، وهذا هو تأويل الأمر والنهي، وبهذا يكون الشيخ قد ذكر للمعنى الثالث من معاني التأويل شواهد من القرآن كما في الآيتين، وشواهد من المأثور من كلام السلف؛ كقول عائشة ﵂، وقول سفيان بن عيينة ﵀، والله أعلم.
_________________
(١) لم أجده عنه مسندًا، وقد ذكره المؤلف أيضًا في «درء تعارض العقل والنقل» ١/ ٢٠٦.
[ ٣٨٠ ]
ولهذا يقول أبو عبيد، وغيره: «الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة» (^١). كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصمَّاء؛ لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أُمِر به؛ ونفس ما نُهي عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ، كما يعلمُ أتباعُ أبقراطَ (^٢)، وسيبويهِ ونحوهما من مقاصدهم ما لا يُعلم بمجرد اللغة.
ولكن تأويل الأمر والنهي؛ لا بُدَّ من معرفته، بخلاف تأويل الخبر.
معنى كلام أبي عبيد القاسم بن سلَّام (^٣) ﵀: أن علماء الشرع أعلم
_________________
(١) «غريب الحديث» له ٤/ ٧٧.
(٢) ويقال: بقراط، وهو ابن أيراقليدس بن أبقراط، طبيبٌ يوناني، من أهل بيتٍ عُرف بصناعة الطب، تعلَّم الطب من أبيه وجَدِّه، وهو أول من أشاع تعليم الطب، ودوَّنه، وشهره بين الناس، له نحو ٣٠ كتابًا في الطب، وكان يعالج المرضى احتسابًا، عاش ٩٥ سنة. انظر: «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» ص ٦٤، و«عيون الأنباء في طبقات الأطباء» ص ٤٣.
(٣) ابن عبد الله، الإمام، الحافظ، المجتهد، ذو الفنون، كان أبوه عبدًا روميًا لرجل من أهل «هراة». ولد ١٥٧ هـ-، وسمع الحديث من: هشيم، وابن عيينة، وأبي بكر بن عياش، وابن المبارك، وغيرهم، وقرأ القرآن على الكسائي، وأخذ اللغة عن أبي عبيدة، والأصمعي، وابن الأعرابي والفراء، وجماعة آخرين. =
[ ٣٨١ ]
بتأويل كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ من أهل اللغة (^١)، كما تقدم من قول ابن عباس: «تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء» (^٢)، فالفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة.
ولهذا تُفسَّر الألفاظ الشرعية «لغة»، ثم تفسر «شرعًا»، فيقال - مثلًا -: الصلاة لغة: «الدعاء» (^٣)، وفي الشرع: «كذا وكذا»، وهكذا الصيام، والزكاة، والحج، ونحوها.
قوله: (لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به، ونفس ما نهي عنه؛ لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ أي: لأنهم يعلمون من المقاصد الشرعية ما لا يُعلم بمجرد اللغة.
قوله: (كما ذكروا ذلك في اشتمال الصماء) ثبت عن النبي ﷺ أنه «نهى عن اشتمال الصماء» (^٤)، وهي: لبسة معروفة، فأهل اللغة، قالوا: إن اشتمال الصماء أن يلف الإنسان على نفسه ثوبًا،
_________________
(١) = وروى عنه: الدارمي، وعباس الدوري، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. وله مصنفات نافعة، تزيد على عشرين كتابًا؛ منها: «الطهور»، و«الأموال»، و«غريب الحديث»، وهو أجلُّ كتبه. وثقه الأئمة، وأثنوا عليه، مات ﵀ سنة ٢٢٤ هـ ب «مكة». انظر: «تاريخ بغداد» ١٤/ ٣٩٢، و«سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٤٩٠.
(٢) «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» ص ٣٥، و«فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٣٩٩.
(٣) ص ٣٦٣.
(٤) «معجم مقاييس اللغة» ٣/ ٣٠٠.
(٥) رواه البخاري (٣٦٧)، ومسلم (٢٠٩٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٣٨٢ ]
ويجعل يديه مِنْ داخل بحيث لا يكون له منفذ، أخذًا من الصمم؛ وهو: انسداد الأذن، والشيء الأصم: الذي لا منفذ فيه (^١).
ففهم أهل اللغة من اشتمال الصماء هذا، وأما الفقهاء؛ فعندهم: أن اشتمال الصماء؛ هي: أن يلتحف الإنسان بالثوب الواحد ليس عليه غيره، ويجعل طرفيه على عاتقه، فإذا أراد أن يخرج يده أدى هذا إلى انكشاف العورة، ولو انفلت الطرف الذي على الكتف كذلك، وأما إذا كان إزار مع الثوب؛ فالصحيح أنه لا بأس؛ كحال المضطبع في الإحرام (^٢).
فالفقهاء فسَّروا اشتمال الصماء بنحو هذا التفسير، وقالوا: السر في هذا النهي أنها مظنة لانكشاف العورة، فالفقهاء؛ إذًا؛ أعلم؛ لأن المقصود الأول من اللباس؛ هو: ستر العورة، والمقصود الثاني: الزينة، قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وما نهي عنه من هذه اللبسات؛ لأنها مظنة انكشاف العورة، فكل لبسة تُعَرِّض العورة للانكشاف؛ فإنه ينهى عنها، وكل لبسة تكون أستر؛ فهي أكمل وأفضل؛ لأنها تحقق المقصود الشرعي.
والتأويل في كلام أبي عبيد - رحمه الله تعالى - الذي يظهر أنه صالح لأنْ يكون بمعنى «التفسير»، ولأن يكون بمعنى «الحقيقة»،
_________________
(١) «غريب الحديث» للقاسم بن سلام ٤/ ٧٧، و«النهاية في غريب الحديث» ٣/ ٥٤.
(٢) «المغني» ٢/ ٢٩٦، و«فتح الباري» لابن رجب ٢/ ٣٩٧.
[ ٣٨٣ ]
فالفقهاء أعلم بتأويل كلام الرسول ﷺ، ومن كان أعلم بمقصوده؛ كان أعلم بتطبيق ذلك والعمل به، وأقدر عليه، والله أعلم.
قوله: (ولكن الأمر والنهي لابد من معرفته بخلاف تأويل الخبر).
هذا هو الفرق بين تأويل الأمر وتأويل الخبر؛ وهو: أن تأويل الأمر لا بدَّ من معرفته، لأنه مقصود من المكلف أن يقوم به، بخلاف تأويل الخبر، فإنه ليس بلازم أن نعلم حقيقة الخبر، وتأويله في الخارج على ما هو عليه؛ بل الغالب في الأخبار أن تكون غير معلومة، كما سيأتي في نصوص الأسماء والصفات، ونصوص المعاد.
* * *
[ ٣٨٤ ]