وهذا الكلامُ لازمٌ لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات؛ فإنَّ من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بالعقل؛ إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا: لم يجد بينهما فرقًا.
ولهذا لا يُوجد لنفاةِ بعضِ الصفاتِ دونَ بعضٍ - الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ - قانونٌ مستقيم، فإذا قيل لهم: «لِمَ تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد»؟ لم يكن لهم جواب صحيح. فهذا تناقضهم في النفي.
أي: إلزام من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بأن يثبت الكل دون تفريق بين المتماثلات، أو ينفي الكل، وإلا وقع في التناقض، كما ألزمنا من أثبت لله تعالى ذاتًا لا تشبه الذوات؛ بأن يثبت لله تعالى - أيضًا - صفات لا تشبه الصفات، ولا تُعلم كيفيتها.
[ ٢١٩ ]
فهذا الاحتجاجُ والإلزام بالتسوية بين المتماثلات، وترك التناقض: لازمٌ حتى في العقليات، وفي تأويل السمعيات.
فإن من نفى شيئًا، أو أثبت شيئًا من صفات الله تعالى بالعقل، فإنه يُلزم فيما نفاه من الصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة؛ بنظير ما أثبته، والعكس كذلك، وإلا وقع في التناقض، كما سبق أن «القول في بعض الصفات كالقول في بعض» (^١). كما سبق - أيضًا - الجواب عمَّن زعم أن العقل يدل على إثبات بعض الصفات دون بعض (^٢).
ولو طُولب هذا المفرق بين الصفات بين المحذور في هذا، والمحذور في هذا؛ لم يجد فرقًا صحيحًا؛ بل هو متناقض، وحجته داحضة، وإذا كان الأمر كذلك؛ وجب إثبات كل ما جاء به الدليلُ الصحيح السالمُ عن المعارض من صفات الله تعالى.
ولهذا لا يُوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض قانونٌ وقاعدة مطردة مستقيمة؛ بل هم متناقضون - كما سبق - فيثبتون بعض الصفات على ظاهرها، وينفون بقية الصفات، ويمنعون إجراءها على ظاهرها؛ فهم مفرقون بين الصفاتِ، ونصوصِ الصفات دون قانونٍ مستقيم، وليس لهم جوابٌ صحيح عن هذا التناقض الظاهر في التفريق بين المتماثلات.
_________________
(١) ص ١٧٢.
(٢) ص ١٧٨.
[ ٢٢٠ ]
ثم إن هؤلاء المتناقضين لهم تجاه نصوص الصفات التي ينفونها أحد طريقين:
إما التفويض، وإما التأويل.
فأما التفويض؛ فهو عندهم: «إجراء النصوص على ظاهرها من غير فهم لمعناها»، فليس لها معنى مفهوم عندهم، وربما قالوا: «لها تأويل لا يعلمه إلا الله».
وأما التأويل؛ فهو: «صرف اللفظ عن معناه الظاهر لدليل». وسيأتي حديث مطوَّل عنه في «القاعدة الخامسة» (^١).
فأهل التأويل والتفويض يتفقون على نفي الصفة، وتعطيلِ النص عن معناه الحقيقي الدال على وصف الرب تعالى بما يليق به.
ويختلفون في تخريج النص وموقفهم منه، فأهل التفويض يقولون: «ليس له معنى مفهوم».
وأهل التأويل يقولون: «له معنى مفهوم»، ثم يُفسِّرونه: ب «الإرادة»، أو «ببعض المفعولات»، كما تقدم (^٢).
* * *
_________________
(١) ص ٣٥٢.
(٢) ص ١٧٥.
[ ٢٢١ ]
وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإنَّ مَنْ تأوَّل النصوص على معنى مِنَ المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النصَّ عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر؛ لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.
فإذا قال قائل: «تأويل محبته، ورضاه، وغضبه، وسخطه؛ هو: إرادته للثواب، والعقاب»؛ كان ما يلزمه في الإرادة؛ نظير ما يلزمه في: الحب، والمقت، والرضا، والسخط.
ولو فَسَّر ذلك بمفعولاته - وهو: ما يخلقه من الثواب، والعقاب -؛ فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فرَّ منه، فإن الفعل المعقول؛ لا بُدَّ أن يقوم أولًا بالفاعلِ، والثوابُ والعقاب المفعول إنما يكون على فعلِ ما يحبُّه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه؛ المثيبُ المعاقبُ.
فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد؛ مثَّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك؛ فكذلك سائر الصفات.
التناقض في الإثبات متلازم مع التناقض في النفي، ففي كلا الحالتين يثبت نظير ما ينفي، وينفي نظير ما يثبت.
فهذا المتأول الذي ينفي: «المعنى الظاهر»، الذي هو الاحتمال الراجح، ويثبت المعنى المرجوح؛ متناقض.
[ ٢٢٢ ]
ووجه تناقضه: أنه لا فرق بين المعنى المصروف إليه، والمعنى المصروف عنه الذي ينفيه، فإنه يلزمه في المعنى المصروف إليه الذي يثبته؛ نظير ما يلزمه في المعنى المصروف عنه الذي ينفيه.
فإن كان يلزم في المعنى المصروف عنه محذور؛ فإنه لازم - أيضًا - في المعنى المصروف إليه، وإن كان لا يلزم في المعنى المصروف إليه محذور؛ فكذلك لا يلزم في المعنى المصروف عنه محذور، فالكلام فيهما واحد، فهذا المتأول لم يستفد شيئًا من هذا التأويل.
وذكر الشيخ لذلك مثالًا؛ وهو: «صفة المحبة»، فظاهرها محبة حقيقية تليق بالله تعالى، ولكن المتأول صرفها إلى معنى «الإرادة»، لظنه أن إثبات صفة المحبة؛ يلزم منه التشبيه!
فيقال له: «يلزمك في الإرادة نظير ما يلزم عندك ممَّا فررت منه في صفة المحبة».
وكذلك إذا فسر الصفة بمفعولات اللهِ تعالى - أي: بما يخلقه الله من الثواب والعقاب - كما إذا فسَّر المحبة؛ بالثواب المفعول - أي: المخلوق -؛ كالجَّنَة، أو الغضب بالعقاب المفعول؛ كالنَّار، فإنه يلزمه فيما فسر به الصفة؛ نظير ما توهم وفر منه من المحذور اللازم على إثبات الصفة على حقيقتها - حسب زعمه -.
وبيان ذلك: أن الفعل لا بدَّ أن يقوم بالفاعل، فالكلامُ لا بد أن يقوم بمتكلم، والقدرة لا بد أن تقوم بقادر، وهكذا.
فالمفعولات لا بد أن تكون بفعل، والفعل لا بد أن يقوم بفاعل.
[ ٢٢٣ ]
فهذه المخلوقات المفعولات التي فسروا بها الصفات لا بد أن تكون موجودة بفعل قام بالفاعل.
وأيضًا؛ فالثواب والعقاب المفعول؛ إنما يكون على فعلِ ما يحبُه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيبُ المعاقبُ، أي: أن ما أثبتوه من الثواب والعقاب؛ مستلزمٌ لما نفوه من المحبة والرضا، والغضب والسخط.
ثم يقال لهم: «إن فعل الرب الذي حصلت به تلك المفعولات من الثواب والعقاب، إما أن يجعلوه مثلَ فعلِ العبد؛ فهذا تمثيلٌ، وإما أن يثبتوه على خلاف ذلك - أي: على وجه يليق بالله تعالى -؛ فيقال لهم: «فكذلك سائر صفاته تعالى».
* * *
[ ٢٢٤ ]