ولما كان الأمر كذلك؛ كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارة: يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل؛ فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذرًا من ملزومات التشبيه، وتارة: يتفطن أنه لا بدَّ من إثبات هذا على كل تقدير؛ فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة.
ولكثرة الاشتباه في هذا المقام؛ وقعت الشبهة في أن وجود الرب: هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطؤ، أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟
وقد كثر مِنْ أئمة النُظَّار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة: يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة: يبقى في الشك والتَّحيُّر، وقد بسطنا مِنْ الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط
[ ٤٩٩ ]
والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة، ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.
يذكر الشيخ أنه لما تقرر إثبات القدر المشترك، وأنه ما من شيئين موجودين إلا ويشتركان من وجه ويختلفان من وجه، ولما تقرر - أيضًا - أنه لا بدَّ من نفي التشبيه الباطل، لما كان الأمر كذلك؛ وقع كثير من الناس في التناقض، والاضطراب.
فتارة: ينفون القدر المشترك؛ لاعتقاد أنه من التشبيه الذي يجب نفيه، وتارة: يرون أنه لا بدَّ منه؛ فيثبتونه ويجيبون به من نازعهم فيما أثبتوه، وهذا يصدق في حق من أثبت بعض الصفات ونفى بعضًا؛ فإنه لا بدَّ أن يثبت قدرًا مشتركًا فيما أثبت، مع كونه ينفي هذا القدر المشترك فيما ينفيه من الصفات؛ فيقع في التناقض في المذهب، وفي الشبهة.
وفي أثناء ذكر ذلك يستطرد الشيخ؛ فيذكر بعض القضايا الكلامية التي كثر فيها النزاع؛ وهي:
١ - هل وجود الرب تعالى عين ماهيته أو زائد عليها؟
٢ - هل الوجود مقول على الموجودات بالاشتراك اللفظي، أو التواطؤ، أو التشكيك؟
٣ - هل الأحوال موجودة أو ليست موجودة؟
[ ٥٠٠ ]
٤ - هل المعدوم شيء أو ليس بشيء؟
٥ - هل وجود الموجودات زائد على ماهيتها أو لا؟
ونلاحظ أن الأول داخل في الخامس.
ويذكر الشيخ كثرة اضطراب المتكلمين وتناقضهم في ذلك، وحكاية بعضهم أقوالًا لم يقلها أحد، ثم يبين الصواب في ذلك.
* * *
[ ٥٠١ ]