وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع؛ فإن الله تعالى لما أخبر أنه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٩)﴾ [البقرة]، وأنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [الملك]، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد؛ كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا.
وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي؛ هو: حي، عليم، قدير.
فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: إنه على ظاهره؛ لم يقتض ذلك أن يكون ظاهرُه استواءً كاستواء المخلوق، ولا حبًا كحبه، ولا رضا كرضاه.
[ ٣٢١ ]
هذا رجوع للكلام على أصل القاعدة بعد استطراد، والمراد بالقائل هنا: القائل: «إن ظاهر نصوص الصفات مراد، أو غير مراد».
والمراد بالنصوص المتنازع في معناها: ما عدا الصفات السبع؛ كنصوص صفات: الفرح، والرضا، والمحبة، والاستواء.
والنصوص المتفق على معناها؛ هي: نصوص الصفات السبع؛ كالعلم، والقدرة، والحياة. والكلام هنا مع الأشاعرة.
وقوله: (والظاهر هو المراد في الجميع …) إلخ.
هذا الكلام معترض لبيان مذهب أهل السنة والجماعة؛ وهو: أن الظاهر مراد في الجميع أي: في النصوص المتفق على معناها، والمتنازع في معناها، فظاهرها مراد، وهي على حقيقتها.
وليس معنى ذلك: أن صفات الله تعالى مثل صفات المخلوق؛ بل لله تعالى من هذه الصفات كلها ما يناسبه، ويختص به، ويليق به سبحانه، لا يَشركه ولا يشبهه في ذلك أحد من خلقه.
* * *
[ ٣٢٢ ]
فإنْ كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين؛ لزمه ألَّا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به؛ لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مرادًا؛ إلا بدليل يدل على النفي.
وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدًا.
المراد بالمستمع هنا هو المخاطب الذي يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، فلا يخلو:
* إمَّا أن يريد بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين.
* أو: ما يليق بالله تعالى، ويختص به.
فإن كان يعتقد أن ظاهر الجميع - أي: النصوص المتنازع في معناها، والنصوص المتفق على معناها -؛ هو: التمثيل؛ فيجب عليه أن ينفي هذا الظاهر الذي يظنه.
وإن كان يعتقد أن ظاهر الجميع هو ما يليق بالله تعالى ويختص به؛ فليس له نفي شيء من ظاهر هذه النصوص إلا بدليل يدل على النفي.
[ ٣٢٣ ]
وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا؛ إلا ما هو من جنس ما ينفي به المعطلة سائر الصفات، كشبهة «التشبيه»، وشبهة «التركيب»، وشبهة «التجسيم»، تلك الشبه التي يتذرع بها الفلاسفة، والجهمية، ونحوهم لنفي سائر الصفات دون تفريق بين الصفات.
فإذا احتج بهذه الشبهات المفرِّق بين الصفات على ما ينفيه منها؛ لزمه نفي الجميع.
* * *
[ ٣٢٤ ]