فيقال: كلُّ ما نافى صفات الكمال الثابتة لله؛ فهو منزَّهٌ عنه، فإن ثبوت أحد الضدين؛ يستلزم نفي الآخَر، فإذا عُلم أنه موجودٌ، واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القِدم؛ عُلم امتناع العدم والحدوث عليه، وعُلم أنه غني عمَّا سواه.
فالمفتقرُ إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه؛ نفسُه ليس هو موجودًا بنفسه؛ بل بنفسه، وبذلك الآخَر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به.
وهو ﷾ غنيٌّ عن كلِّ ما سواه، فكلُّ ما نافى غناه؛ فهو منزَّهٌ عنه، وهو ﷾ قديرٌ، قويٌّ، فكلُّ ما نافى قدرته وقوته؛ فهو منزَّهٌ عنه، وهو سبحانه حيٌّ، قيومٌ، فكلُّ ما نافى حياته وقيوميته؛ فهو منزَّهٌ عنه.
وبالجملة؛ فالسمعُ قد أثبت له مِنَ الأسماء الحسنى، وصفات الكمال ما قد ورد، فكلُّ ما ضاد ذلك؛ فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه: المثل، والكفؤ، فإن إثباتَ الشيء نفيٌ لضده، ولما يستلزم ضده.
والعقلُ يَعرفُ نفي ذلك، كما يعرفُ إثباتَ ضدِه، فإثباتُ أحدِ الضدينِ نفيٌ للآخَر، ولما يستلزمه.
[ ٥٢٩ ]
بعد أنْ بيَّن الشيخ أنه لا بدَّ مِنْ فارق في نفس الأمر بين ما يثبت لله تعالى، وما ينفى عنه؛ وهو: أن كلَّ ما ثبت لله تعالى؛ فهو كمال، وكلَّ ما نفي عنه؛ فهو نقص، وهذا الأمر معلوم بالعقل الصريح، ذَكَر هنا الدليل السمعي على نفي ما ينفى عن الله تعالى.
وكأن سائلًا سأل: هل ورد الشرع بنفي هذه النقائص؟ والجواب: نعم؛ إلا أن بعضها ورد نفيه باسمه الخاص؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوب (٣٨)﴾ [ق]، ونظائر ذلك.
ومنها ما ورد نفيه بإثبات ضده، فكل ما ورد السمع بإثباته لله تعالى من صفات الكمال؛ فإنه مستلزم لنفي ضده من صفات النقص، فإثبات أحد الضدين؛ مستلزم لنفي ضده، وما يستلزم ضده.
فكلُّ ما نافى صفات كماله؛ فإنه منفي عنه، فوصفه بالعلم؛ مستلزم لنفي الجهل، ووصفه بالقدرة؛ مستلزم لنفي العجز، ووصفه بالغنى؛ مستلزم لنفي الفقر عنه، ونفي ما يستلزم الافتقار والحاجة إلى ما سواه بوجه من الوجوه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكلُّ ما نافى غناه المطلق؛ فهو منزَّهٌ عنه ﷾.
ومعلومٌ أنه تعالى موجودٌ، واجبُ الوجود بنفسه، أزليٌ، فكلُّ ما نافى كمال وجوده ووجوبه؛ فإنه منزَّهٌ عنه، فوجوبُ وجوده؛ مستلزمٌ نفي العدم، والحدوث، وامتناع ذلك عليه، وهكذا ما نافى قدرته،
[ ٥٣٠ ]
وقوته مِنْ العجز، والضعف؛ فإنه منزَّهٌ عنه، وما نافى حياته، وقيوميته مِنَ النَّوم، والسِّنة؛ فإنه منزَّهٌ عنه.
فالسمعُ جاء بإثبات جملة من أسماء الله الحسنى وصفات الكمال، وكلُّ ما ضاد ذلك؛ فالسمع ينفيه؛ لأن ضد ذلك النقص، كما ينفي السمعُ كلَّ ما فيه مماثلة صفاته لصفات خلقه.
ومن المقرر عقلًا: أن إثباتَ الشيء نفيٌ لضده، ولما يستلزم ضده، ونفيُ الشيء؛ إثباتٌ لضده (^١).
* * *
_________________
(١) «درء التعارض» ٤/ ٦، و«الرسالة الأكملية» ص ٧١، و«مجموع الفتاوى» ٦/ ٥٣٧، و«جواب أهل العلم والإيمان» ص ١٠٩، و«منهاج السنة» ٢/ ١٦٠.
[ ٥٣١ ]
فطرقُ العلمِ بنفي ما ينزَّه الرب عنه متسعةٌ، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك، وفرَّقوا بين المتماثلينِ، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه.
وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: «لا يقال: موجود، ولا ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود، أو المعدوم»؛ فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا.
ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات؛ أعظم ممَّا فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملينَ.
فطرق تنزيهه وتقديسه عمَّا هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.
يبين الشيخ فساد طريقة مَنْ اعتمد في نفي ما يتنزه الله تعالى عنه على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، حيث آلت بهم هذه الطريقة إلى التناقض في التفريق بين المتماثلات كما سبق.
ومن أدلة فساد هذه الطريقة أن كلَّ من أثبت شيئًا؛ احتج عليه من نفاه بنفس الحجة؛ وهي: أن إثباته يستلزم التشبيه، والتجسيم.
[ ٥٣٢ ]
وآل سلوك هذه الطريقة بالقرامطة إلى أن نفوا جميع الصفات؛ بل نفوا حتى النفي فقالوا: «لا يقال: الله موجود، ولا ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي؛ لأن الإثبات تشبيه بالموجود، والنفي تشبيه بالمعدوم»؛ فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا.
وهؤلاء فروا مِنْ تشبيه الله تعالى بالأحياء الكاملينَ؛ فلزمهم تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات.
* * *
[ ٥٣٣ ]
وقد تقدم أن ما يُنفى عنه ﷾ يُنفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال (^١)، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحًا له؛ لأن مشابهةَ الناقصِ في صفاتِ النقصِ؛ نقصٌ مطلقٌ، كما أن مماثلةَ المخلوقِ في شيءٍ من الصفاتِ؛ تمثيلٌ وتشبيهٌ، يُنزه عنه الرب ﵎.
والنقصُ ضدُّ الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلم أنه حيٌّ، والموت ضد ذلك؛ فهو مُنزَّهٌ عنه، وكذلك النَّوم والسِّنة ضد كمال الحياة؛ فإن النومَ أخو الموت، وكذلك اللُّغُوب نقصٌ في القدرة والقوةِ، والأكلُ والشرب ونحو ذلك من الأمور؛ فيه افتقار إلى موجود غيره.
كما أن الاستعانة بالغير، والاعتضاد به، ونحو ذلك؛ يتضمن الافتقار إليه، والاحتياج إليه، وكلُّ مَنْ يحتاج إلى مَنْ يحملُه أو يعينُه على قيام ذاته أو أفعاله؛ فهو مفتقر إليه ليس مستغنيًا بنفسه، فكيف مَنْ يأكل ويشرب؟! والآكلُ والشارب أجوفُ، والمُصْمَتُ الصمدُ أكملُ مِنْ الآكلِ الشارب، ولهذا كانت الملائكةُ صمدًا لا تأكل ولا تشرب.
وقد تقدم أن كلَّ كمال ثبت لمخلوق؛ فالخالق أَوْلى به، وكلَّ نقص تنزه عنه مخلوق؛ فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك (^٢).
_________________
(١) ص ٢٦١.
(٢) ص ٢٣٦.
[ ٥٣٤ ]
والسمعُ قد نفى ذلك في غير موضع؛ كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ [الإخلاص]، والصمد: الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب. وهذه السورة هي نَسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب. وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]؛ فجعل ذلك دليلًا على نفي الألوهية؛ فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأَوْلَى والأَحْرَى.
والكبد والطِّحال ونحو ذلك، هي أعضاء الأكل والشرب، فالغنيُّ المنزَّه عن ذلك منزهٌ عن آلات ذلك، بخلاف اليد؛ فإنها للعمل والفعل، وهو ﷾ موصوفٌ بالعمل والفعل؛ إذ ذلك من صفات الكمال، فمَن يقدر أن يفعل؛ أكملُ ممَّن لا يقدر على الفعل.
هذا كله في بيان دلالة النصوص على تنزيه الله تعالى عن النقائص وملزوماتها، فإثبات صفات الكمال؛ يستلزم نفي النقائص، ونفيُ النقائص؛ مستلزمٌ لإثبات صفات الكمال.
فالسمع جاء بإثبات جملةٍ من أسماء الله الحسنى، وصفات الكمالِ، وكلُّ ما يضاد ذلك؛ فالسمع ينفيه؛ لأن ضدَّ ذلك النقصُ.
[ ٥٣٥ ]
كما ينفي السمعُ كلَّ ما فيه مماثلته تعالى لخلقه، ومن المقرر عقلًا: أن إثباتَ الشيءِ نفيٌ لضده، ولما يستلزم ضده، ونفيُ الشيءِ إثباتٌ لضده.
فمجرد النفي لا كمال فيه ولا مدح، فإن المعدومَ يوصف بالنفيِ، والمعدومُ لا يشبه الموجود، ونفيُ الصفات عن المعدوم لا مدح فيه، فالنفيُ المجردُ لا مدح فيه؛ لأن فيه تشبيهًا بالناقصات، ومشابهةُ الناقصِ في صفات النقص؛ نقصٌ، كما أن مماثلةَ المخلوقِ في شيء مِنْ الصفاتِ؛ تمثيلٌ وتشبيهٌ يتنزه عنه الرب ﵎.
فنفيُ النقصِ عن الله تعالى مستلزمٌ لإثباتِ كمالِ ضده، فهو منزهٌ عن كلِّ ما ينافي كماله، فإذا كان موصوفًا بالحياة؛ فهو منزه عمَّا يضادها من الموت، أو يضاد كمالها من النوم والسِّنة.
ونفي اللُّغُوب وما يستلزمه، يستلزم إثبات كمال القدرة والقوة، وهو ﷾ منزه عن الأكل والشرب، ونحو ذلك ممَّا فيه افتقار إلى الغير، واحتياج إليه في إعانته على قيام ذاته وأفعاله، فكلُّ ذلك منفيٌ عن الله تعالى؛ لمنافاته كمال غناه.
كما يُنفى الأكل والشرب عن الله تعالى لمعنى آخرَ أيضًا؛ وهو استلزامه للجوف، فالآكلُ والشاربُ أجوفُ، واللهُ تعالى صمدٌ، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾، ومما فُسِّر به الصمد: (أنه الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب) (^١).
_________________
(١) تقدم في ص ٨٤.
[ ٥٣٦ ]
كما أشار الشيخ إلى دليل ثالث لمنع الأكل والشرب عن الله تعالى؛ وهو: أنه لما كانت الملائكة صمدًا، مستغنية عن الأكل والشرب، وهذا كمال في حقها لا نقص فيه؛ فمِن باب قياس الأولى: أن يكون الله تعالى أَوْلَى بهذا الكمال؛ فهو أولى بأن يكون مستغنيًا عن الأكل والشرب، غير مفتقرٍ ولا محتاجٍ إليه.
فكلُّ كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه؛ فالخالقُ أولى به.
ومن أدلة نفي الأكل عن الله تعالى، أنه تعالى جعله دليلًا على نفي الألوهية في رده على النصارى، الذين اتخذوا المسيح وأُمه إلهينِ، فقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.
ووجه ذلك: أن الأكلَ يستلزمُ الافتقارَ، والافتقارُ نقصٌ ينافي الإلهية، فلو كان الله تعالى يأكل ويشرب؛ لما كان في هذا دليل على بطلان إلهية المسيح وأمه، وإذا كان اللهُ تعالى منزهًا عن الأكل والشرب؛ فهو منزه عن آلاته وأعضائه؛ كالكبد، والطحال، ونحو ذلك، فثبت تنزهه سبحانه عن الأكل والشرب: سمعًا، وعقلًا.
ثم يقرر الشيخ أن هذا بخلاف صفة اليد لله؛ فإنها للعمل والفعل، فهي ممَّا يكون به العمل والفعل، والله تعالى موصوف بذلك؛ إذ ذلك من صفات الكمال، فمَن يقدر أن يفعل؛ أكمل ممن لا يقدر أن
[ ٥٣٧ ]
يفعل، هذا من ناحية النظر العقلي، والسمع ورد - أيضًا - بإثبات اليدين وإثبات الفعل.
لكن لو فرض أن الخبر جاء بإثبات الفعل، ولم يأتِ بإثبات صفة اليد؛ لم يكن لنا أن نثبتها؛ لأنها من قبيل الجائز.
* * *
[ ٥٣٨ ]
وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد، وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحُزْن؛ هو مستلزم للضعف والعجز، الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب؛ فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البَكَم؛ فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك.
ثبت بالنص تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن]، وقال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٠١)﴾ [الأنعام].
وكما أنه ﷾ منزه عن الصاحبة والولد؛ فهو منزه عن لوازم ذلك، وما يتعلق به من الآلات، والأسباب.
وكذلك ينزه الله تعالى عن البكاء والحزن؛ لاستلزام ذلك للضعف والعجز، وذلك صفةُ نقصٍ مناقضٌ لكمالِ قوةِ الله تعالى وقدرته، واللهُ تعالى موصوفٌ بصفات الكمال، منزهٌ عن صفات النقص وما يستلزم النقص، فيوصف بالفرح والغضب دون الحزن، وبالضحك دون البكاء،
[ ٥٣٩ ]
وبالقوة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم.
* * *
[ ٥٤٠ ]