فصل
وأما الأصل الثاني؛ وهو: التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا، فنقول: إنه لا بدَّ من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالقُ كلِّ شيء، وربُّه ومليكُه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد عَلِم ما سيكون قبل أن يكون، وقدَّر المقادير، وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧٠)﴾ [الحج]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (^١).
هذا هو (الأصل الثاني)، وسبق أن ذكر الشيخ «الأصل الأول»؛ وهو: «التوحيد في الصفات» (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٦٠.
(٢) ص ٨٦.
[ ٥٦٨ ]
وقد عبَّر الشيخ عن (الأصل الثاني) بأنه التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر، وقد عبَّر الشيخ في «المقدمة» عن «الأصل الثاني» بالإيمان بالشرع والقدر، وأنه متضمن لتوحيد العبادة (^١)، فكلٌّ منهما متضمن للآخر.
وهنا سؤال؛ وهو: ما وجه تضمن التوحيد في العبادات للإيمان بالشرع والقدر؟
والجواب: أن مما يوضح هذا: ما هو مقرر من أن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية.
أما تضمن هذا الأصل للإيمان بالشرع والقدر؛ فلأن إفراد الله بالعبادة؛ هو أصل الشرع ومداره، فعبادة الله تعالى وحده هي جِماع الشرع، لأن العبادة: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ مِنْ: الأقوال، والأعمال: الظاهرة، والباطنة».
وأما تضمنه للإيمان بالقدر؛ فلأن إفراد الله تعالى بالعبادة؛ يتضمن إفراد الله تعالى بربوبيته، وملكه، وتدبيره، وعموم خلقه، كما يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد العبادة.
وتوحيد الربوبية يتضمن الإيمان بالقدر؛ لأن من توحيد الربوبية: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، ويدخل في ذلك أفعال العباد.
وهذه الجملة من كلام الشيخ تتضمن وجوب الإيمان بمراتب القدر الأربعة؛ وهي:
_________________
(١) ص ٧٦، ٧٩.
[ ٥٦٩ ]
١ - علم الله السابق؛ فإنه تعالى علم ما كان، وما سيكون، وعلم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم.
٢ - الكتابة؛ فقد كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
٣ - عموم مشيئته ﷾؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئة الله تعالى؛ من الخير، والشر.
٤ - عموم الخلق؛ أي: بأن الله تعالى خالق كل شيء، فهو سبحانه خالق العباد، وقدرتهم، وأفعالهم: الظاهرة، والباطنة.
فلا يكون الإنسان مؤمنًا بالقدر إلا بالإيمان بالمراتب الأربع كلها (^١).
والقدرية طائفتان:
١ - غلاة؛ وهم: الجبرية الذين يغلون في إثبات القدر.
٢ - نفاة؛ وهم: الذين ينفون القدر.
والقدرية النفاة طائفتان:
الأولى: غلاة؛ وهم: منكرو القدر بمراتبه الأربعة؛ فينكرون علم الله تعالى، وكتابته، ومشيئته، وخلقه.
والثانية: المتوسطون المقتصدون؛ وهم: المعتزلة؛ فهؤلاء يثبتون مرتبة العلم، والكتابة، وينكرون مرتبة المشيئة، والخلق؛ فيخرجون أفعال العباد عن مشيئة الله تعالى، وخلقه.
_________________
(١) «العقيدة الواسطية» ص ١٩٢.
[ ٥٧٠ ]
وهذا المذهب - أي: مذهب المعتزلة - في القدر شاع بين كثير من الكتاب المعاصرين، فيجعلون العَلاقة بين الله تعالى وأفعال العباد؛ علمه بها، وكتابته لها، دون مشيئته، وقدرته؛ فلا تأثير لمشيئة الله تعالى، وخلقه في أفعال عباده عندهم.
وسيذكر الشيخ فِرَق الضلال الخائضين في القدر في «الفصل التالي» (^١).
* * *
_________________
(١) ص ٦٦٠.
[ ٥٧١ ]