ولهذا سمَّى اللهُ نفْسَه بأسماءٍ، وسمَّى صفاتِه بأسماءٍ، فكانت تلك الأسماءُ مختصةً به إذا أضيفت إليه لا يَشركه فيها غيره، وسمَّى بعضَ مخلوقاتِه بأسماءٍ مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن «الإضافة»، و«التخصيص»، ولم يلزمْ مِنْ اتفاقِ الاسمين، وتماثلِ (^١) مسماهما، واتحادِه عند «الإطلاق»، والتجريد عن «الإضافة»، و«التخصيص»: اتفاقُهما (^٢)، ولا تماثلُ المسمى عند «الإضافة»، و«التخصيص»، فضلًا عن أنْ يتحد مسماهما عند «الإضافة»، و«التخصيص».
بعد أن قرر الشيخ قاعدة اختلاف مدلول اللفظ ب (الإطلاق)، و(التقييد)، وأنه لا يلزم من اتفاق المسميين في اسم عند (الإطلاق) تماثلهما في معناه عند (التقييد)، كما وضح ذلك في لفظة (موجود): أراد
_________________
(١) في المطبوع «تماثلِ» ورجح الشارح إضافة «و». وقد أشار محقق المطبوع في الحاشية إلى أنها ثابتة في بقية النسخ عدا ما اتخذه أصلًا.
(٢) في المطبوع «لا اتفاقُهما» ورجح الشارح حذف «لا». وقد أشار محقق المطبوع في الحاشية إلى أن بقية النسخ عدا ما اتخذه أصلًا؛ بدونها.
[ ١٥٢ ]
أن يبين حال الاتفاق، وحال الاختلاف في أسماء الخالق والمخلوقِ، فاللفظ الذي يطلق على الخالق والمخلوقِ له ثلاث حالات يختلف معناه باختلافها:
١ - حال الإطلاق، ومدلوله: معنى كلي مشترك.
٢ - حال الإضافة إلى الخالق، ومدلوله: ما يختص بالرب تعالى.
٣ - حال الإضافة إلى المخلوق، ومدلوله: ما يختص بالمخلوق.
فأسماء الله تعالى المضافة إليه مختصة به، وأسماء العباد المضافة إليهم مختصة بهم.
وأسماء العباد توافق أسماء الله تعالى إذا قطعت عن (الإضافة)، و(التخصيص) - يعني - عند (الإطلاق)، والتجريد عن (الإضافة)، و(التخصيص).
ولا يلزم من اتفاقِ الاسمين، أي: اسم الخالق والمخلوق عند (الإطلاق) والتجريد عن (الإضافة) و(التخصيص) و(التقييد): تماثلُ مسماهما، فضلًا عن اتحاد مسماهما عند (الإضافة) و(التخصيص).
* * *
[ ١٥٣ ]
فقد سمَّى الله نفسه «حيًا»، فقال: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وسمَّى بعض عباده «حيًا»، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، وليس هذا «الحيُّ» مثلَ هذا «الحيِّ»؛ لأن قوله: ﴿الْحَيُّ﴾ اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به.
وإنما يتفقان إذا أُطلِقا وجُرِّدا عن «التخصيص»، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم مِنَ المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند «الاختصاص» يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.
ولا بُدَّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دلَّ عليه الاسم ب «المواطأة» و«الاتفاق»، وما دل عليه ب «الإضافة» و«الاختصاص»، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.
لفظ (الحي) نجده في أسماء الله تعالى، كما نجده في أسماء المخلوقين، فالله تعالى يسمى ب (الحي)، كما أن المخلوق كذلك، ولكن ليس (الحي) الذي هو الله، أو اسم الله ك (الحي) الذي هو المخلوق.
[ ١٥٤ ]
وأما إذا قطع لفظ (الحي) عن (الإضافة) إلى الخالق أو المخلوق؛ فإنه يدل على معنى لفظ الحيِّ الكليِّ المشتركِ الذي هو مسمى الاسم المطلق، والذي لا وجود له إلا في الذهن، فليس في الخارج شيء اسمه (الحي) مشترك بين الخالق والمخلوق، ولكن العقل يفهم قدرًا مشتركًا للفظ (الحي)، وهذا المعنى المشترك ثابت في حق الخالق كما هو ثابت في حق المخلوق، ولا بدَّ من هذا حتى تُفهم الألفاظ.
فإذا قلنا: (الحي) - مطلقًا دون إضافة إلى الخالق أو المخلوق - فإن مدلول هذه الكلمة: وجود حياة، أي: ضد الموت.
أما إذا أضيف إلى الله تعالى؛ كما في قوله سبحانه: (﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾)؛ فإنا نفهم من لفظ (الحي) أنه تعالى ذو حياة، التي هي ضد الموت، وهذا مدلول اللفظ العام، كما أنا نفهم - أيضًا - أنه ذو حياة كاملة، لا يعتريها موت ولا نقص، فهي حياة واجبة، لا يعتريها الحدوث ولا العدم، ولا يعلم العباد كُنهها، وهذا مدلول اللفظ الخاص، أي: المضاف إلى الله تعالى.
كذلك إذا أضيف اسم (الحي) إلى المخلوق، كما في قوله تعالى: (﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾)؛ فإنا نفهم من اللفظ: الحياة التي هي ضد الموت، وهذا مدلول اللفظ العام ل (الحي)، كما أنا نفهم منه - أيضًا - أنها حياة حادثة بعدَ أن لم تكن، وأنها قابلة للفناء، ومعرضة للعلل والآفات، وهي حياة موهوبة من الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية: ٢٦]، وهذا مدلول اللفظ الخاص المضاف إلى المخلوق.
[ ١٥٥ ]
وقول المؤلف في أسماء الله تعالى إنها: (يفهم منها ما دل عليه الاسم ب «المواطأة» و«الاتفاق») أي: مدلول الاسم العام المشترك.
وقوله: (وما دل عليه ب «الإضافة» و«الاختصاص» …) أي: ويفهم منه عند إضافته إلى الله تعالى المعنى الخاص بالرب سبحانه، الذي لا يشاركه فيه المخلوق، فلو فَسرت ما أضيف إلى الله تعالى بالمعنى العام الكلي المشترك فقط دون ما هو من خصائص الله تعالى؛ لم تكن أعطيتَه حقَّه من البيان لمعناه؛ لأن المعنى الكلي المشترك ليس من خصائص الرب سبحانه؛ بل هو مشترك بين الخالق والمخلوق، فعند «الإضافة» لا بدَّ أن يقيد بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والعكس كذلك.
* * *
[ ١٥٦ ]
وكذلك سمَّى اللهُ نفسَه «عليمًا» «حليمًا»، وسمَّى بعضَ عبادِه «عليمًا»، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم (٢٨)﴾ [الذاريات] يعني: «إسحاق»، وسمَّى آخر «حليمًا» فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيم (١٠١)﴾ [الصافات] يعني: «إسماعيل»، وليس «العليم» ك «العليم»، ولا «الحليم» ك «الحليم».
وسمَّى نفسَه «سميعًا» «بصيرًا»، فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]، وسمَّى بعضَ عبادِه «سميعًا» «بصيرًا»، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان]، وليس «السميع» ك «السميع»، ولا «البصير» ك «البصير».
وسمَّى نفسَه ب «الرؤوف» «الرحيم» فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (١٤٣)﴾ [البقرة]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «الرؤوف» «الرحيم»، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]، وليس «الرؤوف» ك «الرؤوف»، ولا «الرحيم» ك «الرحيم».
وسمَّى نفسَه ب «الملك»، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «الملك»، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف]، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] وليس «الملك» ك «الملك».
[ ١٥٧ ]
وسمَّى نفسَه ب «المؤمن»، فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «المؤمن»، فقال:﴾ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُون (١٨)﴾ [السجدة]، وليس «المؤمن» ك «المؤمن».
وسمَّى نفسَه ب «العزيز»، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «العزيز»، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١]، وليس «العزيز» ك «العزيز».
وسمَّى نفسَه «الجبار» «المتكبر»، وسمَّى بعضَ خلقِه ب «الجبار» «المتكبر»، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار (٣٥)﴾ [غافر]، وليس «الجبار» ك «الجبار»، ولا «المتكبر» ك «المتكبر».
ونظائر هذا متعددة.
أي: أن لفظة (عليم) أو اسم (عليم) عند «الإطلاق» يدل على مطلق العلم، أي ذو علم، وإن شئت قلت: «ذو علم كثير»، لأن الكثرة والقلة من الأمور النسبية، فهذا المعنى الكلي المشترك يصدق في حق الخالق والمخلوق.
لكن (العليم) اسم الله تعالى يدل على ما يختص بالرب تعالى، وهو العلم الكامل الشامل المحيط بكل شيء، ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
[ ١٥٨ ]
وإذا قيل: «عليم» اسم للمخلوق، فهو ما يختص به المخلوق من العلم الموهوب المحدود الذي يعتريه الخطأ والنسيان.
وهكذا في اسم (السميع)، فله معنى عام أي: ذو سمع، والسمع: ضد الصمم؛ وهو: إدراك الأصوات، وهذا المعنى الكلي المشترك لا يختص به الرب تعالى، أما إذا قيل: «إن الله سميع»، فهذا كما يدل على المعنى العام المطلق يدل على المعنى الخاص بالله تعالى، وهو أنه يسمع جميع الأصوات، ليس بمحدود ولا موهوب، بل لم يزل سبحانه سميعًا سمعًا لا يعلم العباد كُنهه.
وهكذا يقال في بقية الأسماء التي ذكرها المؤلف، فيفهم من الاسم عند «الإطلاق» معنى كلي مشترك بين الخالق والمخلوق، ويفهم منه عند «الإضافة»، و«التخصيص»، و«التقييد» معنى خاص يليق بالخالق ﷾ لا يَشركه فيه المخلوق، كما يفهم منه معنى خاص يليق بالمخلوق عند تسميته به.
* * *
[ ١٥٩ ]