وكذلك سمَّى صفاتِه بأسماء، وسمَّى صفاتِ عبادِه بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
وسمَّى صفةَ المخلوق «علمًا»، و«قوة»، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا (٨٥)﴾ [الإسراء]، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم (٧٦)﴾ [يوسف]، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير (٥٤)﴾ [الروم]، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقال: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي: «بقوة»، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أي: «ذا القوة» وليس «العلم» ك «العلم»، ولا «القوة» ك «القوة».
وكذلك وَصَفَ نفسَه ب «المشيئة»، ووَصَفَ عبده ب «المشيئة»، فقال: ﴿لِمَنْ شَاء مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم (٢٨) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٢٩)﴾ [التكوير]، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان].
[ ١٦٠ ]
وكذلك وَصَفَ نفسه ب «الإرادة»، ووَصَفَ عبده ب «الإرادة»، فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٦٧)﴾ [الأنفال].
ووَصَفَ نفسه ب «المحبة»، ووَصَفَ عبده ب «المحبة»، فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
ووَصَفَ نفسه ب «الرضا»، ووَصَفَ عبده ب «الرضا»، فقال: ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩].
ومعلومٌ أنَّ مشيئةَ الله ليستْ مثلَ مشيئةِ العبدِ، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه.
وكذلك وصف نفسه بأنه يَمْقُتُ الكفار، ووصفهم ب «المقت»، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُون (١٠)﴾ [غافر] وليس «المقتُ» مثلَ «المقتِ».
وهكذا وصَف نفسه ب «المكر» و«الكيد»، كما وصَف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق] وليس «المكر» ك «المكر»، ولا «الكيد» ك «الكيد».
ووَصَفَ نفسه ب «العمل»، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون (٧١)﴾ [يس]، ووصف عبده ب «العمل»، فقال: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٧)﴾ [السجدة] وليس «العملُ» ك «العملِ».
[ ١٦١ ]
بعد أن ذكر المؤلف ﵀ أمثلة على أسماء لله تعالى توافق أسماء بعض مخلوقاته، وبيَّن أوجه الاتفاق والافتراق بينها، ذكر هنا أمثلة لصفات الله تعالى، فقد سمى الله ﷿ صفاته بأسماء، ك (العلم) و(القوة)، فهذه أسماء صفاته، وأما أسماؤه فمثل «العليم» و«القوي».
وهذه الأسماء التي سمى بها صفاته، سمى بها صفات بعض خلقه، فاسم صفة العبد توافق اسم صفة الرب تعالى في المعنى عند «الإطلاق»، أي: في المعنى العام الكلي المشترك، أما عند «الإضافة» إلى الرب؛ فيكون لها المعنى المختص بالرب تعالى، وعند «الإضافة» إلى المخلوق يكون لها المعنى المختص بالمخلوق، كما سبق في مسألة أسماء الله تعالى.
ف (العلم) - مثلًا - اسم لصفة المخلوق، وهو موافق ل (العلم) الذي هو اسم لصفة الخالق إذا قطع عن «الإضافة».
ف (العلم) إذا أطلق ولم يقيد ب «الإضافة» إلى الخالق أو المخلوق؛ يكون له معنى عام كلي؛ وهو: «ضد الجهل»، أو؛ هو: «إدراك الأشياء على ما هي عليه»، وهذا المعنى مشترك بين علم الخالق، وعلم المخلوق.
أما إذا أضيف (العلم) إلى الله تعالى؛ كما في قوله: (﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾)؛ فيكون له معنى مختص بالرب تعالى في: كيفيتهِ، ومَداهُ ومتَعَلَّقِهِ، فعلم الله تعالى محيط بكل شيء، يعلم ما كان،
[ ١٦٢ ]
وما يكون، وما لا يكون، يعلم الأشياء علمًا تامًا مفصلًا، يعلم ما في صدور العباد، يعلم ما يخفون وما يعلنون، وعلمه تعالى واجب ذاتي، فهو لم يزل ولا يزال «عليمًا»، موصوفًا ب (العلم) لم يحدث له (العلم)، وعلمُه لم يسبقه جهل، ولا يعتريه نسيان، كل هذا من معاني (العلم) المختص بالرب تعالى.
وأما إذا أضيف (العلم) إلى المخلوق؛ كما في قوله تعالى: (﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا (٨٥)﴾)؛ فيكون له معنى مختص بالعبد، فهو علم محدود، وموهوب، علم يسبقه جهل، ويعتريه نسيان.
وعلى هذا النسق يكون الكلام في بقية أسماء الصفات التي ذكر المؤلف ﵀ شواهدها؛ فللصفة معنى عام كلي مشترك عند «الإطلاق» يصدق على صفة الله تعالى، وعلى صفة المخلوق، وللصفة معنى خاص عند إضافتها إلى الله تعالى لا يَشركه فيها المخلوق، وللصفة معنى خاص عند إضافتها إلى المخلوق تليق بعجزه وقصوره.
تنبيهات:
١ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ تفسير «الأَيْدِ» هنا ب «القوة» ليس من باب «التأويل»، فليس لفظ «الأَيْدِ» جمعًا للفظ «يَد»؛ بل هو لفظ مفرد، وهو مصدر على وزن «فَعْل» من: آدَ، يَئِيدُ، أَيْدًَا، أي: قوة (^١).
أما لفظ «أيدي» فهو على وزن «أَفْعِل».
_________________
(١) «تهذيب اللغة» ١٤/ ٢٢٨، و«الصحاح» ٢/ ٤٤٣، و«القاموس المحيط» ٣٣٩، وانظر: «تفسير الطبري» ٢١/ ٥٤٥.
[ ١٦٣ ]
فهذه الآية المذكورة دليل على صفة «القوة»، وليست دليلًا على صفة «اليد».
٢ - من الفروق بين مشيئة الله تعالى، ومشيئة العبد، أن مشيئة الله تعالى صفة له؛ وهي: نافذة، أما مشيئة العبد؛ فهي: مخلوقة ومقيدة، فقد يشاء العبدُ ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء. وكلُّ شيء بمشيئة الله تعالى.
٣ - بين صفة (الرضا) و(المحبة) تقارب وتلازم، ولكن لا يلزم من التلازم وَحْدَهُ اتحاد المعنى، ولا يصح تفسير أحدهما بالآخر، ف (الرضا): ضد السخط، و(المحبة): ضد البغض والكراهة.
٤ - الله تعالى يوصف ب (المكر) و(الكيد)، وبينهما تقارب في المعنى، لكن ينبغي أن يقيد، فيقال: «يمكر بمن يستحق المكر»، وكذا (الكيد).
ووصف الله تعالى بهما على الحقيقة، فلا يصح ما يقوله بعض المفسرين: «إن المكر والكيد ينسب إلى الله تعالى على سبيل المشاكلة اللفظية، والمجانسة» (^١)، أي: على سبيل المجاز.
ومطلق (المكر) ليس بممدوح ولا مذموم، ومكرُ المخلوق قد يكون ممدوحًا؛ إذا كان بمَن يستحق، وقد يكون مذمومًا؛ إذا لم يكن كذلك، كما إذا كان على وجه الظلم والعدوان.
_________________
(١) انظر مثلًا: «تفسير البيضاوي» ١/ ١٦٦، و«تفسير أبي السعود» ٢/ ٤٢، و«التحرير والتنوير» ٣/ ٢٥٦.
[ ١٦٤ ]
و(المكرُ) من الله تعالى كلُّه محمودٌ؛ لأنه كلَّه عدلٌ بمن يستحقه، وليس مكر الله؛ كمكر المخلوق.
فمِن مَكْرِ الله تعالى بالكفار في الدنيا: استدراجهم؛ كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِين (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُون (٥٦)﴾ [المؤمنون]، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين (١٧٨)﴾ [آل عمران]، ومِن مكره تعالى بالمنافقين في الآخرة أن يكونوا مع المؤمنين في بعض مواقف القيامة، ثم تنطفئ عنهم الأنوار، كما قال تعالى عنهم: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]، ومِن مكره تعالى بالمنافقين في الدنيا قبول علانيتهم.
فهذا كله يدل على أن (المكر) من الله تعالى حقيقة، وليس على سبيل المشاكلة اللفظية (^١).
* * *
_________________
(١) «بيان الدليل على بطلان التحليل» ص ٢١٢.
[ ١٦٥ ]
ووصف نفسه ب «المناداة» و«المناجاة»، في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]، ووصف عباده ب «المناداة» و«المناجاة»، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون (٤)﴾ [الحجرات]، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢]، وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: ٩]، وليس «المناداة» ك «المناداة»، ولا «المناجاة» ك «المناجاة».
ووصف نفسه ب «التكليم» في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ووصف عبده ب «التكليم» في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِين (٥٤)﴾ [يوسف]، وليس «التكليم» ك «التكليم».
ووصف نفسه ب «التنبئة»، ووصف بعض الخلق ب «التنبئة»، فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير (٣)﴾ [التحريم]، وليس «الإنباء» ك «الإنباء».
ووصف نفسه ب «التعليم»، ووصف عبده ب «التعليم»، فقال: ﴿الرَّحْمَن (١) عَلَّمَ الْقُرْآن (٢) خَلَقَ الإِنسَان (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَان (٤)﴾ [الرحمن]، وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ
[ ١٦٦ ]
عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وليس «التعليم» كـ «التعليم».
وهكذا وصف نفسه ب «الغضب» في قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ [الفتح: ٦]، ووصف عبده ب «الغضب» في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠]، وليس «الغضب» ك «الغضب».
ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبع آيات من كتابه أنه ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (^١)، ووصف بعض خلقه ب «الاستواء» على غيره، في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وليس «الاستواء» ك «الاستواء».
ووصف نفسه ب «بسط اليدين»، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] ووصف بعض خلقه ب «بسط اليد» في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وليس «اليد» ك «اليد»، ولا «البسط» ك «البسط».
وإذا كان المراد ب «البسط»: «الإعطاء والجود»؛ فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم.
_________________
(١) في الأعراف (٥٤)، ويونس (٣)، والرعد (٢)، وطه (٥)، والفرقان (٥٩)، والسجدة (٤)، والحديد (٤).
[ ١٦٧ ]
ونظائر هذا كثيرة.
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: «ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى»؛ كان معطلًا، جاحدًا، ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات.
ومن قال: «له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حُبٌّ كحبي، أو رضًا كرضاي، أو يدان كيديَّ، أو استواء كاستوائي»؛ كان مشبهًا، ممثلًا لله بالحيوانات؛ بل لا بُدَّ من إثباتٍ بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
ويتبين هذا بأصلين شريفين، وبمثلين مضروبين - ولله المثل الأعلى - وبخاتمة جامعة.
ذكر المؤلف جملة من النصوص التي ذكر الله تعالى فيها بعض صفاته ومنها: (المناداة)، و(المناجاة)، و(التكليم)، و(الإنباء)، و(التعليم)، و(الغضب)، و(الاستواء) و(بسط اليدين)؛ ووصف بعض خلقه بهذه الصفات نفسها، وكل صفة من هذه الصفات لها معنى عام كلي عند «الإطلاق» يشترك فيه الخالق والمخلوق، ولها معنى خاص عند «الإضافة» و«التخصيص»؛ فإذا أضيفت إلى الرب تعالى؛ صار لها معنى خاص بالرب تعالى لا يَشركه فيه المخلوق، وإذا أضيفت
[ ١٦٨ ]
إلى المخلوق كان لها معنى خاص بالمخلوق يليق به، لا يماثل صفة الخالق ﷾.
وصفة الله تعالى لا نعلم كنهها وحقيقتها.
والمناداة؛ هي: «الخطاب بصوت مرتفع» (^١)، والمناجاة: «بصوت خفي» (^٢)؛ وَوَصْفُ الله تعالى ب (المناداة)، و(المناجاة)، و(التكليم)؛ دليل على أن كلامه بصوت؛ خلافًا لقول الأشاعرة: «إن كلام الله معنى نفسي، وإن ما سمعه موسى، وكذلك القرآن ما هو إلا عبارة عن كلام الله».
والغضب: «ضد الرضا» (^٣)، وهو مستلزم لكراهة المغضوب عليه، وهو بهذا المعنى عام مشترك، ثم إذا أضيف إلى الخالق سبحانه؛ صار له معنى يخصه، وإذا أضيف إلى المخلوق صار له معنى يخصه.
ومن الصفات التي جاءت مضافة إلى الله ومضافة إلى بعض العباد: الاستواء على الشيء، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، والقول في هذا اللفظ كما سبق (^٤) له ثلاث حالات: حال الإطلاق، وحال الإضافة إلى الخالق، وحال الإضافة إلى المخلوق.
_________________
(١) «الصحاح» ٦/ ٢٥٠٥، بمعناه.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢٥٠٣، بمعناه.
(٣) «القاموس المحيط» ص ١٥٤.
(٤) ص ١٥٢.
[ ١٦٩ ]
فعند «الإطلاق»؛ معناه: «مطلق العلو والاستقرار» (^١).
وعند إضافته إلى الخالق؛ معناه: «العلو والارتفاع على العرش مع كمال غناه عنه».
وعند الإضافة للمخلوق؛ معناه: «العلو والارتفاع المختص بالمخلوق»، وهو ما يتضمن افتقار المستوي إلى ما هو عليه، فليس «الاستواء» ك «الاستواء»، وإن اتحد معناهما عند الإطلاق.
فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه.
فمن جحد ما وصف الله به نفسه؛ كان معطلًا بجحده ونفيه لصفات الله تعالى، وكان أيضًا ممثِّلًا لله تعالى بالمعدومات والجمادات؛، لأن ذلك من مستلزمات التعطيل.
ومن شبَّه صفات الله تعالى بصفات خلقه،؛ كان ممثِّلًا لله تعالى بخلقه.
والواجب أن يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات بلا تمثيل، وأن ينزه عن صفات النقص بلا تعطيل.
ثم ذكر المؤلف ﵀ أن ما سبق يتبين ويتضح بأصلين شريفين، وبمثلين مضروبين، وبخاتمة جامعة.
أما الأصلان اللذان أشار إليهما المؤلف هنا، فهما غير الأصلين اللذينِ سبق ذكرهما، وهما: «التوحيد»، و«الشرع، والقدر».
_________________
(١) سيأتي كلام أطول عن الاستواء في ص ٣٣٥.
[ ١٧٠ ]
فالمراد بالأصلين هنا؛ هما: الأصلانِ اللذانِ يمكن أن يحتج بهما على نفاة الصفات؛ وهما:
١ - أن القول في بعض الصفات؛ كالقول في بعض.
٢ - أن القول في الصفات؛ كالقول في الذات.
وأما المثلانِ والقياسان اللذانِ ذكرهما المؤلف؛ فهما:
١ - مقارنة موجودات الآخرة بموجودات الدنيا.
٢ - الروح.
* * *
[ ١٧١ ]