والمؤمنُ مأمورٌ بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين (٩٠)﴾ [يوسف].
فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار (٥٥)﴾ [غافر]، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لابدَّ لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم.
قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، وقال: «إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة».
وكان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدِّي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما
[ ٧٠٢ ]
أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (^١).
وقد ذكر عن آدمَ أبي البشر أنه استغفر ربَّه وتاب إليه، فاجتباه ربه وتاب عليه وهداه، وعن إبليسَ أبي الجن أنه أصرَّ متعلقًا بالقدر؛ فلعنه وأقصاه، فمن أذنب، فتاب وندم؛ فقد أشبه أباه، ومَن أشبه أباه؛ فما ظلم، قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب].
ولهذا قَرَن ﷾ بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ١ - ٣].
وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم، وغيره: «يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٩٨)، ومسلم (٢٧١٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ باختلاف يسير.
(٢) رواه بنحوه ابن أبي عاصم في «السنة» (٧)، وأبو يعلى في «مسنده» (١٣٦) من حديث أبي بكر الصديق ﵁، وضعفه ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ١٢٤، ورواه بنحوه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام وأهله» (٩٥٩) من حديث جابر ﵁.
[ ٧٠٣ ]
وقد ذكر الله ﷾ عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾ [الأنبياء]، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الأنبياء]، قال النبي ﷺ: «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها كَرْبَه» (^١).
المؤمن مأمور بأن يفعل ما أُمر به، ويترك ما نُهي عنه، وهذه حقيقة التقوى، كما أنه مأمور بأن يصبر على ما قُدِّر عليه، وقد جمع الله بين التقوى والصبر، وذكر عاقبتهما في آيات كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين (٩٠)﴾.
كما أمر الله تعالى بالاستغفار مع الصبر، كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار (٥٥)﴾.
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ١٧٠، والترمذي (٣٥٠٥)، وصححه الحاكم ١/ ٥٠٥، و٢/ ٣٨٢، والضياء في «المختارة» ٢/ ٢١ من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وحسنه ابن حجر كما في «الفتوحات الربانية» ٤/ ١١، وانظر: «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» ٢/ ٣٦٨، وانظر: شرحًا موسعًا لهذا الحديث في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٢٣٧ - ٣٣٧.
[ ٧٠٤ ]
والإنسان مهما بلغ من منزلة؛ فلا بدَّ له من الاستغفار؛ لأنه دليل التواضع، وشعور العبد بالتقصير، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكثرون الاستغفار، والنبي محمد ﷺ كان كثير الاستغفار، وأَمر بذلك، كما قال في الحديث الذي رواه مسلم وغيره: «يا أيها الناس توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» (^١)، وفي لفظ: «إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» (١).
وفي الحديث الآخر - الذي رواه البخاري - يقول النبي ﷺ: «والله إني لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (^٢).
وقوله: («ليغان على قلبي») فُسِّر بما يحصل للنبي ﷺ مِنْ غفلة عن اللائق به.
وهذا إنما يحصل له بما يناسب مقامه، فمقامه ﷺ رفيع؛ بل هو أرفع المقامات، فإذا نقص أو كاد؛ استغفر ربه وتاب إليه.
والاستغفار له ألفاظ وصيغ:
* فتارة يكون بصيغة الاستفعال، أي: الفعل المزيد ب «السين والتاء» اللتين للطلب؛ مثل: «أستغفر الله».
* وتارة يكون بطلب المغفرة بصيغة الدعاء؛ كقول: («اللهم اغفر لي»).
* وتارة بذكر اسم الله تعالى؛ كقوله: «يا الله إنك غفور رحيم».
_________________
(١) من حديث الأغر المزني ﵁.
(٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٧٠٥ ]
* وتارة يكون بالاعتراف بالذنب؛ كقول ذي النون ﵇: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾.
وقد اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق ﵁: قلت: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (^١).
وقد ورد الاستغفار في نهاية الأعمال؛ كنهاية الصلاة، وقيام الليل في السَّحَر، ونهاية أعمال الحج؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٩٩)﴾ [البقرة].
وهذا يدل على توقع النقص والتقصير، كما أنه دليلُ التواضع.
وكثيرًا ما يقرن الاستغفار بالتوحيد (^٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٢٦٢.
[ ٧٠٦ ]
وجماع ذلك أنه لا بدَّ له في الأمر مِنْ أصلين، ولا بدَّ له في القدر من أصلين؛ ففي الأمر: عليه الاجتهاد في الامتثال عِلمًا وعملًا، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور، وتعديه للحدود.
ولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار؛ ف «كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته: استغفر، ثلاثًا» (^١)، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار (١٧)﴾ [آل عمران]، فقاموا الليل، ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر]، وفي الحديث الصحيح أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن (^٢).
وأما في القدر؛ فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه: أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس؛ علم أن ذلك مقدَّر عليه.
_________________
(١) رواه مسلم (٥٩١) من حديث ثوبان ﵁.
(٢) رواه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤) من حديث عائشة ﵁.
[ ٧٠٧ ]
ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى، لما قال: «يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟» فقال له آدم: «أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبِكَم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أُخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه]؟ قال: بكذا وكذا سنة»، قال: «فحجَّ آدمُ موسى» (^١).
وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لأجل الذنب؛ فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب؛ كمن لا ذنب له، ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك.
وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر: ٥٥].
لا بد للعبد في الأمر، والشرع مِنْ أصلين (^٢):
١ - الاجتهاد في الامتثال: علمًا، وعملًا.
٢ - الاستغفار والتوبة من التفريط في أداء المأمور، أو تعديه الحدود، فالاستغفار مطلوب من العبد قبل التوبة؛ لأنه قد يكون سببًا في التوبة، كما أنه مطلوب بعد التوبة؛ لكونه من أسباب قبولها.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁ بمعناه.
(٢) «مجموع الفتاوى» ٨/ ٧٦.
[ ٧٠٨ ]
ولا بد في القدر من أصلين (١):
١ - الاستعانة بالله في فعل المأمور، والتوكل على الله والافتقار إليه في طلب الخير، وترك الشر.
٢ - الصبر على المقدور، وأن يعلم بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ومن النصوص الدالة على التوبة، والصبر على المصيبة، والنظر إلى القدر في ذلك: حديث احتجاج آدم وموسى ﵉.
وقد وقف الناس من هذا الحديث مواقف عدة (^١):
فالجبرية استدلوا به في الاحتجاج بالقدر على الذنب، والقدرية ردوه بحجة أنه آحاد، ومن الأجوبة: قول مَنْ قال: إنما حجه؛ لأنه أبوه، وإلا فالحجة لموسى. وهذا ضعيف.
وأحسن ما قيل في هذا الحديث قولان:
١ - أن موسى عاتب آدم على الذنب، وليس له ذلك؛ لأنه قد تاب منه، ومَن تاب مِنْ الذنب؛ فهو كمن لا ذنب له، وله الاحتجاج بالقدر إذا لامه أحد على الذنب الذي تاب منه، لكن لا ينظر إلى القدر نظرَ تهوينِ المعصيةِ على النفس؛ لأن هذا يضعف الشعور بالذنب والمعصية، وإنما تكون عنده بمثابة المصيبة التي رفعها الله عنه.
_________________
(١) «درء التعارض» ٨/ ٤١٨، و«الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ص ٢٥٨، و«الاحتجاج بالقدر» ص ٣٠٤.
[ ٧٠٩ ]
٢ - أن عتب موسى على آدم لم يكن على الذنب، وإنما على المصيبة، التي هي الخروج من الجنة، والمصيبة ليس لآدم ﵇ فيها يَدٌ، فهو لم يردِ الخروج من الجنة، فكان لآدم أن يحتج بالقدر على المصيبة، وكانت الحجة له على موسى ﵇، وهذا هو الصواب، فيحتج بالقدر على المصائب، لا على المعاصي والمعائب، والقولان كلاهما قوي (^١).
فالعبد ينظر إلى القدر في المصائب؛ لتخفيف وقعها على النفس، وليستقيم سلوكه عند المصيبة.
* * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٢/ ٣٢٤، و٨/ ١٧٨، و«أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل» ص ١٠٨، و«الاحتجاج بالقدر» ص ٣٢١، و«شفاء العليل» ص ١٨.
[ ٧١٠ ]
فمن راعى الأمر والقدر - كما ذُكِر -؛ كان عابدًا لله، مطيعًا له، مستعينًا به، متوكلًا عليه، مِنْ الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع؛ كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ [الفاتحة]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (١٠)﴾ [الشورى وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق]، فالعبادة له، والاستعانة به، وكان النبي ﷺ يقول عند الأضحية: «اللهم منك، ولك»، فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم.
أراد الشيخ أن يجمع بين الأمور الأربعة السابقة في الأمر والقدر، فذكر أنه لا بدَّ من أصلين:
١ - العبادة.
٢ - الاستعانة.
فالعبادة تكون بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر.
[ ٧١١ ]
والاستعانة: طلب العون من الله تعالى للقيام بشرعه؛ كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، وهذه الآية تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة:
أما توحيد الربوبية؛ فيدل عليه قوله: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، فإفراده بالاستعانة دليل على أنه هو الذي بيده التدبير والخلق وحده، وأنه المالك لكل شيء، وبيده الخير.
وأما توحيد العبادة والإلهية؛ فيدل عليه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فهو سبحانه المستحق للعبادة وحده دون سواه.
وأما توحيد الأسماء والصفات، فوجه دلالة الآية عليه، أن المعبود وحده، والمستعان وحده دون سواه؛ لا بدَّ أن يكون منعوتًا بأكمل النعوت، ومسمى بالأسماء الحسنى.
فيوحد الله تعالى بالعبادة والاستعانة، وقد كان النبي ﷺ يقول عند الأضحية: («اللهم منك ولك») (^١)، فقوله: «منك»؛ يدل على الربوبية، وقوله: «لك»؛ يدل على العبودية، والألوهية، والإخلاص.
فما لم يكن بالله؛ لا يكون؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله؛ لا ينفع ولا يدوم (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٣٧٥، وأبو داود (٢٧٩٥)، وصححه ابن خزيمة ٤/ ٢٨٧، والحاكم ١/ ٤٦٧ من حديث جابر ﵁، وقال ابن حجر في «التلخيص» ٤/ ٣٠٢٨: فيه «أبو عياش لا يُعرف». وروي نحوه من حديث أنس، وأبي هريرة ﵄، وانظر: «نصب الراية» ٣/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٢) «جامع المسائل» ٦/ ١٠٩.
[ ٧١٢ ]