ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه.
وعبادته تتضمن كمال الذُّل له، والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون (٤٥)﴾ [الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون (٥٢)﴾ [المؤمنون]، فأمر الرسل بإقامة الدين، وأن لا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في
[ ٥٧٢ ]
الحديث الصحيح: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعَلاَّت، وأنا أولى الناس بابن مريم؛ لأنه ليس بيني وبينه نبي» (^١).
بعد أن ذكر الشيخ وجوب الإيمان بالقدر؛ ذكر هنا الإيمان بالشرع؛ وهو: أن الله تعالى أمر عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه.
وهذه هي الغاية من خلق الجن والإنس.
وعبادة الله تعالى؛ تتضمن: كمال الذل لله تعالى، والحب له، وذلك يستلزم كمال طاعته.
وهنا تعريفان للعبادة:
أحدهما: أن العبادة: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من: الأقوال، والأعمال: الظاهرة، والباطنة» (^٢).
الثاني: «كمال الحب، مع كمال الذل له سبحانه» (^٣).
فالأول: اسم لما يتعبد به. والثاني: اسم لحقيقة العبادة.
_________________
(١) لم أجد هذا اللفظ في كتب الحديث، والظاهر أنه مروي بالمعنى، وللحديثِ رواياتٌ أقربها لما ذكر شيخ الإسلام؛ سيأتي في الشرح في ص ٥٧٥، وتخريجه هناك.
(٢) «العبودية» ص ١٤٩.
(٣) «درء التعارض» ٦/ ٦٢، و«الصفدية» ص ٤٨٨، و«الداء والدواء» ص ٥٣٢.
[ ٥٧٣ ]
والصلاةُ ونحوها شعائرُ العبادة؛ لأنها يُتَعبَّد بها ويتذلل بها لله تعالى؛ فهي عبادة، ولهذا لا ينبغي أن تسمى: مظاهر العبادة؛ لأنها هي التي يحصل بها التذلل والتقرب إلى الله تعالى.
والشعائر الشركية تذللٌ وتَعَبُّدٌ لغير الله، كالذبح - مثلًا -، فالذبحُ على وجه التعظيم والتقرب؛ عبادةٌ.
فالشركُ: «عبادةُ غير الله مع الله»، أو: «اتخاذُ ندٍّ لله تعالى».
قال ابن القيم:
والشركُ فاحذره فشركٌ ظاهرٌ
ذا القسمُ ليس بقابلِ الغفرانِ
وهو: اتخاذُ النِّد للرحمنِ أيَّ
ًا كان من حجرٍ، ومن إنسانِ
يدعوه بلْ يرجوه، ثم يخافُه،
ويحبُه؛ كمحبةِ الديانِ (^١)
وطاعة الرسول مطلقة؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فطاعته طاعة لله، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾.
فاتباع الرسول ﷺ يتضمن عبادة الله ﷾، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون (٤٥)﴾.
_________________
(١) «الكافية الشافية» ص ١٨٩، الأبيات (٣٤٩٣ - ٣٤٩٥).
[ ٥٧٤ ]
فكلُّ الرسل دعوا للتوحيد، وحذروا من الشرك، ولم يُشرعِ الشركُ في أيِّ رسالة.
وأما ما جاء من السجود ليوسف ﵇؛ فهو سجود تحية، لا سجود عبادة، وقد كان سجودُ التحية جائزًا في شريعتهم، وحُرِّم في الشريعة المحمدية، وقد سبق التنبيه على ذلك في «القاعدة الخامسة» (^١).
ومن أدلة دعوة الأنبياء للتوحيد، وإقامة الدين بالإخلاص لله تعالى؛ ما ذكره المؤلف من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾.
فدين الرسل واحد، وهو: «التوحيد»، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. والأمة هنا؛ هي: «الملة»، ومن أدلة ذلك قوله ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة»، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من عَلَّات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي» (^٢).
وإخوة العَلَّات؛ هم: الإخوة لأب (^٣).
فالدين واحد؛ وهو: التوحيد، والشرائع مختلفة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (^٤).
* * *
_________________
(١) ص ٣٧٦.
(٢) رواه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) والإخوة لأم؛ يقال لهم: «الَأخْياف»، والإخوة لأبٍ وأمٍ؛ يقال لهم: «الَأعْيان». «لسان العرب» ١١/ ٤٦٧.
(٤) «قاعدة في توحد الملة وتعدد الشرائع» ص ١٠٦، و«الرد على المنطقيين» ص ٣٣٦.
[ ٥٧٥ ]
وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يَقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُون (٧١)﴾ ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين (٧٢)﴾ [يونس].
وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾ [البقرة].
وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِين (٨٤)﴾ [يونس]، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون (١١١)﴾ [المائدة].
وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال عن بِلْقِيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٤٤)﴾ [النمل].
[ ٥٧٦ ]
فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره؛ كان مشركًا، ومن لم يستسلم له؛ كان مستكبرًا عن عبادتِهِ، والمشركُ به والمستكبر عن عبادته؛ كافرٌ.
والاستسلام له وحده؛ يتضمن: عبادته وحده، وطاعته وحده.
وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيًا باستقبال الكعبة؛ كان كلٌّ من الفعلين حين أمر به؛ داخلًا في دين الإسلام.
فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلِّي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشِّرْعَة، والمنهاج، والوجهة، والمنسَك؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدِّين واحدًا، كما لم يمنع ذلك في شِرعة الرسول الواحد.
هذا الدين الواحد الذي بعث الله به رسله، هو دين الله واسمه «الإسلام» في جميع الشرائع، في عهد نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم.
وقد ذكر المؤلف عدة آيات تدل على ذلك؛ فنوح قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين (٧٢)﴾، وكذلك إبراهيم ويعقوب، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى
[ ٥٧٧ ]
بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾، وهكذا.
وحقيقة دين الإسلام: الاستسلام لله وحده بعبادته وحده لا شريك له، وطاعته كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، وهذه الحقيقة واحدة في دين جميع الرسل.
فالإسلام؛ هو: الاستسلام لله وحده، والناس بالنسبة للاستسلام لله ثلاثة أقسام:
١ - مستسلم لله وحده، فهذا هو: المسلم الموحد على الحقيقة.
٢ - مستسلم لله ولغيره، وهذا هو: المشرك.
٣ - المستكبر عن الاستسلام لله تعالى، وهو: المستنكف عن عبادة الله.
والمشركُ والمستكبر كلٌّ منهما كافر، ولكن كفر المستكبر أعظم.
والفرق بين المشرك والكافر: أن الكافرَ أعمُّ، فكلُّ مشرك شِركًا أكبر؛ كافرٌ، وليس كلُّ كافرٍ مشركًا؛ فالمكذبُ بالرسول؛ كافرٌ، وإن لم يكن مشركًا.
والله تعالى يشرع ما يشاء، وينسخ ما يشاء، فيجب الإيمان بالنسخ، الذي أنكرته اليهود، وجعلوه ذريعة للطعن في الرسول وتكذيبه، ويقولون: «إن النسخ بَدَاءٌ» أي: يبدو لله تعالى ما كان غائبًا وخافيًا عليه - تعالى الله عن قولهم وظنهم -.
[ ٥٧٨ ]
والحقُّ: أن النسخَ مَرَدُّه: الحِكْمَةُ، فالله تعالى يشرع لعباده في كل وقت ما تقتضيه حكمته (^١).
ومن قضايا النسخ في الشريعة الإسلامية: نسخُ القبلة، حيث كان التوجه في البداية للصخرة، وبعد ستة عشر - أو: سبعة عشر - شهرًا من الهجرة؛ نسخ ذلك إلى استقبال الكعبة، ولما بلغ بعض الصحابة النسخ وهم يصلون إلى بيت المقدس؛ استداروا إلى الكعبة، وحولوا وجوههم إليها (^٢)؛ امتثالًا وطاعة لأمر الله تعالى، فهم مطيعون لله تعالى في الحالين، ومستسلمون لأمره في الجهتين والوقتين والفعلين، وكل ذلك من الدين.
فاستقبال بيت المقدس في الصلاة يوم كان مشروعًا؛ هو من الدين، أما بعد النسخ؛ فليس استقباله من الدين، وإنما يدخل في الدين؛ الإيمانُ بأنه كان مشروعًا؛ فنسخ.
واختلاف شرائع الأنبياء لا يمنع أن يكون دينُهم واحدًا، كما أن شريعة النبي الواحد قد تختلف من وقت لآخر بالنسخ ولا يخرجها ذلك عن وحَدة الدين؛ لأن الدين هو طاعة الله تعالى في كل وقت بحسب ما أمر به في ذلك الوقت، والعبد في الفعلين والوقتين مطيع لله، عابد له، مستسلم له (^٣).
_________________
(١) «الناسخ والمنسوخ في كتاب الله» ١/ ٤٤١، «إغاثة اللهفان» ٢/ ٣٤٦، و«شرح مختصر الروضة» ٢/ ٢٦٤، و«البرهان في علوم القرآن» ٢/ ١٦٠، و«الإتقان في علوم القرآن» ٣/ ٦٠، و«شرح الكوكب المنير» ٣/ ٥٣٦.
(٢) رواه البخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) من حديث البراء بن عازب ﵄.
(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» ٢/ ٣٧٨، و«قاعدة في توحد الملة واختلاف الشرائع» ص ١٠٦.
[ ٥٧٩ ]
وجوه من الأدلة على وحدة دين الرسل
والله تعالى جعل مِنْ دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين (٨١)﴾ [آل عمران]، قال ابن عباس ﵄: «لم يبعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعث محمد، وهو حيٌّ؛ ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد، وهم أحياء؛ ليؤمنن به، ولينصرنه» (^١).
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وجعل الإيمان بهم متلازمًا، وكفَّر من قال: «إنه آمن ببعض وكفر ببعض»، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (٨٥)﴾ [البقرة]، وقد قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ
_________________
(١) أخرجه بمعناه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٥٤١، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٥/ ٣٨٤.
[ ٥٨٠ ]
مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٣٧)﴾ [البقرة]، فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كلِّه، ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمد ﷺ؛ فلم يُقر بما جاء به؛ لم يكن مسلمًا، ولا مؤمنًا؛ بل يكون كافرًا، وإن زعم أنه مسلم، أو مؤمن.
كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران]؛ قالت اليهود والنصارى: «فنحن مسلمون»، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقالوا: «لا نحج»، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ [آل عمران].
فإن الاستسلام لله؛ لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال النبي ﷺ: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، ولهذا لما وقف النبي ﷺ بعرفة؛ أنزل الله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٠٧) ومسلم (٣٠١٧) عن عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٥٨١ ]
وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى، وعيسى؛ هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، المتضمن لشريعة القرآن؛ ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيًا من الأنبياء؛ فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.
ممَّا يدل على أن دين الأنبياء واحد ودعوتهم واحدة: أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين (٨١)﴾.
وقد جعل الله تعالى الإيمان بالرسل متلازمًا، فلا يكون الشخص مؤمنًا برسول؛ حتى يؤمن بجميع الرسل، ومن كفر ببعضهم؛ فقد كفر وبطل إيمانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ونحو ذلك من الآيات التي ذكرها المؤلف.
[ ٥٨٢ ]
فمن كفر وكذَّب برسول؛ فقد كفر وكذب بجميع المرسلين (^١)، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِين (١٠٥)﴾ [الشعراء]، وكان نوح ﵇ أول الرسل، وكما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِين (١٤١)﴾ [الشعراء]، وغير ذلك من الآيات (^٢).
فيجب الإيمان بجميع الرسل، فمن بلغته - مثلًا - رسالة محمد ﷺ؛ فلم يقر بما جاء به؛ لم يكن مسلمًا، ولا مؤمنًا؛ بل يكون كافرًا، وإن زعم الإسلام، والإيمان، وإن آمن بغيره من الرسل؛ كعيسى، أو موسى.
كذلك الإيمان بالرسول الواحد يقتضي الإيمان بكل ما جاء به، فمن آمن ببعض ما جاء به دون بعض؛ لم يكن مؤمنًا، كما يزعم بعض
_________________
(١) «الصفدية» ص ٥٥٥، و«معارج الوصول» ص ١٨٥.
(٢) قال شيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» ٣/ ٥٦٣: «الناس في النبوة على درجات منهم مَنْ يحتاج إلى أن يعلم جنس النبوة؛ فيصدق بجنس الرسل من البشر لا يكذب بالجنس، كما كذب بذلك من كذب من: قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم، ولهذا يقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِين (١٠٥)﴾ [الشعراء]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين (١٢٣)﴾ [الشعراء]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِين (١٤١)﴾ [الشعراء]؛ لأن تكذيبهم لم يكن لشخص واحد؛ بل كانوا مكذبين لجنس الرسل، وهؤلاء يخاطبهم الله في السور المكية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١]. وانظر: «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٧٢٥، و«الكيلانية» ص ٣٣٤، و«الرد على المنطقيين» ص ٤١٤، و«مختصر الرد على الإخنائي» ص ٢٨١.
[ ٥٨٣ ]
النصارى أن محمدًا ﷺ رسول إلى العرب خاصة، فهذا يقتضي تكذيبه في دعوى عموم الرسالة (^١).
فمن جحد وجوب شيء من واجبات الإسلام التي أتى بها محمد ﷺ من: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج؛ فليس بمؤمن، وإن شهد الشهادتين.
فهذه ثلاثة أوجه تدل على وَحدة دين الرسل، وأنه الإسلام:
الأول: أن حقيقة دعوتهم واحدة؛ وهي: حقيقة الإسلام.
الثاني: أن أولهم يبشر بآخرهم، ويؤمن به، وآخرهم يصدق أولهم، ويؤمن به.
الثالث: أن الإيمان بهم متلازم.
وقد ذكر المفسرون أن اليهود والنصارى لما ادعوا الإسلام أنزل الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ فقالوا: «لا نحج»؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ (^٢).
فالاستسلام لله تعالى لا يتم إلا بالإقرار بما لله تعالى على عباده، ومن ذلك الحج.
_________________
(١) «الجواب الصحيح» ١/ ٢٦٦، وانظر: مناظرة نفيسة لابن القيم مع بعض علماء أهل الكتاب، وفيها جواب هذه الشبهة وغيرها، في: «الصواعق المرسلة» ١/ ٣٢٧، و«زاد المعاد» ٣/ ٦٣٩، و«هداية الحيارى» ص ٢٠٠.
(٢) رواه الشافعي في «الأم» ٣/ ٢٦٩، وسعيد بن منصور في «سننه» ٣/ ١٠٦٣، والطبري في «تفسيره» ٥/ ٥٥٥، عن عكرمة، ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٣٢٤ عن عكرمة ومجاهد، وانظر: «الدر المنثور»: ٣/ ٦٩٥.
[ ٥٨٤ ]
والشيخ ذكر ذلك من باب التمثيل والاستشهاد لا الاعتماد، وإلا فإن اليهود والنصارى لو حجوا؛ لم يقبل منهم ذلك؛ لأنهم غير مقرين برسالة محمد ﷺ، وهم قد كفروا بسبب عدة أشياء؛ منها: قتل الأنبياء، وتبديل الدين، وبتكذيب الرسول محمد ﷺ، وكَفَر اليهود بتكذيب المسيح، وكَفَر النصارى بتأليهه وأمه، كما كفروا جميعًا بامتناعهم عن الإيمان بمحمد ﷺ واتباعه.
وقد أشار المؤلف ﵀ إلى تنازع الناس في وصف مَنْ تقدم مِنْ أتباع الأنبياء؛ - مثل مَنْ تقدم مِنْ أمة موسى وعيسى - بالإسلام، فبعض العلماء يرى أنهم مسلمون، وبعضهم يرى أنهم غيرُ مسلمينَ، وقد ذكر الشيخ أنه نزاع لفظي، وأن الإسلام يطلق إطلاقين: خاص وعام.
فالإسلام الخاص؛ هو: الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، المتضمن لشريعة القرآن، فالإسلام بهذا المعنى والاعتبار؛ ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ، وهو المعنى المتبادر عند الإطلاق، فإذا أطلق لفظ الإسلام اليوم؛ فإنما ينصرف إلى هذا المعنى الخاص، كما قال تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾، وحديث («بني الإسلام على خمس») (^١) الحديث.
وأما الإسلام العام: - أي بمعناه العام - المتضمن الاستسلام لله تعالى بعبادته وحده، وإخلاص الدين له، وطاعته في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت؛ فهو يتناول شريعة كل نبي من أنبياء الله تعالى، وإسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٤٥.
[ ٥٨٥ ]
ومن شواهد إطلاق الإسلام بالمعنى العام؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
* * *
[ ٥٨٦ ]