ولهذا لما كان الرد على مَنْ وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا؛ لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى ب «الجسم» لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا ب «الجوهر»، و«التحيز» ونحو ذلك؛ لأنها عباراتٌ مجملة لا تُحِق حقًا، ولا تبطل باطلًا.
ولهذا لم يذكرِ الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع الذي أنكره السلف والأئمة.
بعد أن قرر الشيخ فساد الاعتماد في تنزيه الله تعالى على مجرد نفي التجسيم، بيَّن أنه مِنْ أجل ذلك؛ لم يسلكها السلف الصالح، فلم يأت عن أحد من السلف الصالح إطلاق القول في: (الجسم)، و(الجوهر)، و(التحيز) نفيًا ولا إثباتًا.
[ ٥١٨ ]
وقد تقدم في «القاعدة الثانية» (^١) الكلام في أن هذا ممَّا تنازع فيه المتأخرون، وأن الواجب في مثل هذا النوع: الوقف عن إطلاق هذا اللفظ، والاستفصال عن المعنى المراد؛ فإن أراد المتكلم حقًا؛ قُبل المعنى، وإن أراد باطلًا؛ رُدَّ، وإن أراد حقًا وباطلًا؛ قُبل الحق، ورُدَّ الباطل.
ثم إنه يقال لمن أراد حقًا: أحسنت فيما أردت، ولكن هذا اللفظ لا يطلق؛ لأمرين:
أحدهما: أنه لفظ مبتدع.
الثاني: أنه لفظ يحتمل حقًا وباطلًا، فلا يجوز استعمال مثل هذا اللفظ الذي يكون مدخلًا لأهل الباطل.
ولأجل أن هذه الألفاظَ مجملةٌ، لم يذكرِ الله تعالى في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار شيئًا من هذا القبيل، وإنما أنكر عليهم وذمَّهم على ما نسبوه إليه من صفات النقص؛ كالفقر (^٢)، والبخل (^٣).
* * *
_________________
(١) ص ٢٩١.
(٢) قال تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق (١٨١)﴾ [آل عمران].
(٣) قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤].
[ ٥١٩ ]