فإن قال: «تلك الصفات أثبتها بالعقل؛ لأن الفعلَ الحادثَ دلَّ على القدرةِ، والتخصيصُ دلَّ على الإرادة، والإحكام دلَّ على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع، والبصر، والكلام، أو ضدِّ ذلك».
قال له سائر أهل الإثبات: «لك جوابان»:
أحدهما: أن يقال: «عدمُ الدليلِ المعينِ لا يستلزمُ عدمَ المدلولِ المعينِ، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبتِ. والسمعُ قد دلَّ عليه، ولم يعارضْ ذلك معارضٌ عقليٌّ ولا سمعي، فيجب إثباتُ ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم».
أي: فإن قال هذا المفرِّق: «إن ما أثبته من الصفات السبع دل العقل على إثباته، وبيان ذلك: (أن الفعل الحادث دل على القدرة)» أي: فهذه المخلوقات دالَّةٌ على قدرة الخالق.
[ ١٧٨ ]
و(التخصيص دلَّ على الإرادة) أي: تخصيص بعض المخلوقات بأشياء دون بعض؛ دليل على الإرادة.
و(الإحكام دلَّ على العلم) فإحكام الصَّنعة وإتقانها؛ دليل على العِلم، وهذا العالَم في غاية الإتقان والسنن الثابتة المنتظمة.
وهذه الصفات الثلاث: القدرة، والإرادة، والعلم؛ لا تكون إلا ل: الحَيِّ، فهي: دالة على الحياة، و(الحَيُّ: لا يخلو عن: السمع، والبصر، والكلام، أو ضد ذلك) من: الصمم، والعمى، والخرس؛ وهذا الضد باطلٌ، وممتنعٌ في حق الله تعالى؛ فوجب وصفه بالسمع، والبصر، والكلام.
وأهل السنة والجماعة لا ينازعون الأشاعرة في إثبات الصفات السبع، ولا في طريقة إثباتها بالعقل؛ لأنه استدلالٌ صحيح، فهي ثابتة بالعقل، كما أنها ثابتة بالشرع، وإنما ينازعونهم في بقية الصفات التي نفوها.
فيقال لهذا الذي أثبتَ سبعَ صفاتٍ لدلالة العقل عليها دون بقية صفات الله تعالى التي يرى أن العقل لا يدل عليها: لك عن هذا جوابان (^١):
الجواب الأول: جواب على فرض التسليم، فيقال: افرض أن العقل دل على الصفات السبع، ولم يدل على بقية الصفات، فلو سلَّمنا
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٦، و«شرح الأصبهانية» ص ٣٧، و«الإكليل في المتشابه والتأويل» ص ٢٩٩.
[ ١٧٩ ]
جدلًا بذلك: فإن عدمَ الدليل المعين لا يستلزمُ عدمَ المدلول المعين، لإمكان أن يثبت بدليل آخر، فعدمُ الدليل العقلي على ما نفيت من الصفات؛ لا يدل على نفي تلك الصفات، فليس لك أن تنفي ما لم يدل عقلك عليه، فإن من المقرر: أن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل، فمجرد عدم دلالة العقل على إثبات صفة؛ لا يكفي دليلًا على نفيها؛ بل لا بد من دليل على نفيها.
والمطالبة بالدليل تكون في الأشياء الخارجة عن أصلها: إثباتًا أو نفيًا، أما ما كان الأصل فيه الإثبات أو النفي؛ فالبناء على الأصل هو الدليل.
وهناك قاعدة أصولية؛ وهي: «عدم العلم ليس علمًا بالعدم» (^١).
ثم يقال لهذا النافي لما عدا الصفات السبع بحجة عدم دلالة العقل عليها: (إن السمع - أي: الشرع - قد دل على إثبات ما نفيته، ولم يعارِض هذا الدليل السمعي معارِضٌ عقلي ولا سمعي؛ فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاومِ).
فالدلالة ليست منحصرة في العقل؛ بل هناك أدلة أخرى، فما لم يثبت بالدليل العقلي؛ يمكن إثباته بالدليل السمعي.
_________________
(١) «الرد على المنطقيين» ص ١٤١، و«درء تعارض العقل والنقل» ١/ ٨٧ و٥/ ٤٤، و«الصفدية» ص ١٩٦، و«الجواب الصحيح» ٤/ ٤٦٠، و«شرح الأصبهانية» ص ٣٤.
[ ١٨٠ ]
ونظير ذلك: أن ما لم يثبت بالقرآن يمكن أن يكون ثابتًا بالسنة، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (^١)، فليس لأحد أن ينفي هذا الحكم لعدم دلالة القرآن عليه.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٥١١٠)، ومسلم (١٤٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٨١ ]
الثاني: أن يقال: «يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات»، فيقال: «نفعُ العباد بالإحسان إليهم؛ يدلُّ على الرحمة؛ كدلالة التخصيص على المشيئةِ، وإكرامُ الطائعين؛ يدلُّ على محبتِهم، وعقابُ الكفَّار؛ يدلّ على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهدِ والخبرِ من: إكرام أوليائه، وعقاب أعدائه».
والغاياتُ المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي: ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة -؛ تدلُّ على حكمته البالغة؛ كما يدلُّ التخصيص على المشيئة وأَوْلى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته مِنَ النعم والحكم؛ أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة.
هذا هو الجواب الثاني في الرد على من ينفي ما سِوى الصفات السبع بحجة عدم دلالة العقل عليها؛ وهو: جواب بالمعارضة، وعدم التسليم.
فيقال له: «يمكن إثبات ما نفيتَه، أو بعضَ ما نفيته بنظير ما أثبتَّ به الصفات السبع من العقليات»، فمثلًا: (نفع العباد بالإحسان إليهم؛ يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرامُ الطائعين؛ يدل
[ ١٨٢ ]
على محبتهم، وعقابُ الكفار؛ يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهدِ) - أي: بالمشاهدة - (والخَبرِ من: إكرام أوليائه، وعقاب أعدائه)؛ كنصرِ موسى ﵇، وإهلاكِ فرعونَ وجنودِه».
و(الغاياتُ المحمودةُ): أي: العواقب الحميدة، والثمرات والنتائج الطيبة التي تترتَّب على (مفعولاته) - أي: مخلوقاته - (ومأموراته) - أي: شرائعه -: (تدل على حكمته البالغة (^١)، كما يدل التخصيص على المشيئة، وأَوْلَى).
أي: أنَّ دلالةَ العواقبِ الحميدة على الحكمة؛ أَوْلى من دلالة التخصيص على المشيئة؛ لقوة العلة الغائية، أي: أن العلة الغائية؛ أقوى تأثيرًا في حصول الفعل من العلة الفاعلية؛ لأن العلة الفاعلية؛ لا تستلزم وجود الفعل، أما العلة الغائية؛ فهي تستلزم وجود الفعل مع العلة الفاعلية في الجملة.
والعلة الغائية؛ هي: «الحكمة»، وهي: «ما يفعل الشيء لأجله»، وتَدخل عليها «لام التعليل»، ويقابلها:
العلة الفاعلية؛ وهي: «التي يكون بها الشيء»، وتدخل عليها «باء السببية».
فإذا كتبت فائدة علمية، ف: يدك، وقلمك، والقرطاس؛ هذه علة فاعلية، أي: يكون بها الشيء.
ونفس الفائدة العلمية؛ علة غائية، أي: لأجلها حصلت الكتابة.
_________________
(١) «منهاج السنة» ١/ ١٤١، و«شفاء العليل» ص ١٩٠.
[ ١٨٣ ]
وما جاء في القرآن من الكلام عمَّا في المخلوقات من النعم والحكم؛ أعظم وأكثر مما فيه من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة (^١).
كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] تضمنت ذكر العلة الغائية، في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ﴾، والفاعلية في قوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* * *
_________________
(١) «شرح الأصبهانية» ص ١٧٨ و٦٩٨، و«مجموع الفتاوى» ٨/ ٣٥ و٣٩٨، و«شفاء العليل» ١٩٧.
[ ١٨٤ ]