﷽
وبه نستعين
قال الشيخ، الإمام، العالم، العلَّامة، شيخ الإسلام، مفتي الأنام، أوحد عصره، وفريد دهره، ناصر السنَّة، وقامع البدعة، تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن الشيخ، الإمام، العلامة، شهاب الدين، عبد الحليم بن الشيخ، الإمام، العلامة، شيخ الإسلام، مجد الدين، أبي البركات، عبد السلام ابن تيمية الحرَّاني ﵁ وأرضاه:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله
[ ٣٢ ]
هذه خُطبة الحاجة افتتح الشيخ بها هذا الكتاب، كما هي عادته في أجوبته، وتارة يختصر، ويقول: «الحمد لله» فقط، وتارة يُنْشِئُ خُطبة ويظهرُ فيها تحري السجع من غير تكلف، وهو قليل.
وهذه الخُطبة تعرف بخُطبة الحاجة، وهي خُطبة مأثورة ليست من إنشاء الشيخ؛ إذ كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه، كما ذكر ذلك ابن مسعود ﵁.
ويذكر أهل العلم هذه الخُطبة في «باب الجمعة»، وفي «باب النكاح» تنبيهًا على شرعية هذه الخُطبة عند عقد النكاح (^١)؛ لأن عقد النكاح ليس كغيره من العقود، فيَسْتحِب العلماء قراءة هذه الخُطبة عند عقد النكاح، وهذه الخُطبة المأثورة رواها الإمام مسلم (^٢)، وأهل «السنن» (^٣)، وألفاظها متقاربة.
_________________
(١) «الحاوي الكبير» ٩/ ١٦٤، و«المغني» ٩/ ٤٦٥.
(٢) من حديث ابن عباس ﵄، مختصرة.
(٣) رواه أبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥) - وقال: حسن -، والنسائي ٣/ ١٠٤، وابن ماجه (١٨٩٢)، وصححه الحاكم ٢/ ١٨٢، والنووي في «الأذكار» ص ٤٠٤، والذهبي في «المهذب في اختصار السنن» ٣/ ١١٤٢، وقال ابن رجب في «فتح الباري» ٨/ ٢٦٥: «صححه جماعة منهم: ابن خراش، وغيره» من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٣٣ ]
وهذه الخُطبة من جوامع الكلم الذي أوتيه ﷺ؛ فمن خصائصه أنه: «أوتي جوامع الكلم» (^١)، و«اختصر له الكلام اختصارًا» (^٢)؛ فيأتي بالعبارة القصيرة التي تحمل معاني كثيرة.
وخُطبة الحاجة من هذا؛ فإنها قصيرة؛ لكنها اشتملت على أصول الدين؛ فاشتملت على: «التوحيد» بأنواعه الثلاثة، و«إثبات القدر»، و«إثبات الرسالة»، وفيها: «تفويض الأمر إلى الله ﷾»، و«الالتجاء إليه» (^٣)، ويتضح هذا بما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (الحمد لله) من هدي النبي ﷺ أنه إذا خطب؛ افتتح خطبته ب «الحمد، والثناء على الله» (^٤)، والله سبحانه قد حَمِد نفسه وعلَّمنا أن نحمده، وافتتح كلامه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيم (٣)﴾ [الفاتحة].
وفي الحديث القدسي: «قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ..، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي» الحديثَ (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠١٣)، ومسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أبو يعلى - كما في «مجمع الزوائد» ١/ ٤٣٦، وقال: «فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة» - والضياء في «المختارة» ١/ ٢١٥، وانظر: «كشف الخفاء» ١/ ١٤، من حديث عمر ﵁.
(٣) «مجموع الفتاوى» ١٤/ ٢٢٢، و١٨/ ٢٨٥.
(٤) «زاد المعاد» ١/ ٤٢٥.
(٥) رواه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٤ ]
وقد اختلف أهل العلم من المفسرين، وشُرَّاح الحديث في: «الحمد، والشكر» (^١)؛ فمنهم من قال: «الحمد والشكر شيء واحد؛ وهو: تعظيم المنعم والثناء عليه: قولًا أو فعلًا».
وقال آخرون: «بل بينهما فرق، فالحمد؛ هو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، وأما الشكر؛ فهو: تعظيم المنعِم على إنعامه بالقول، أو الفعل».
وبهذا تكون العَلاقة بين «الحمد، والشكر» العموم والخصوص الوجهي.
فإن العَلاقة بين الكلمات والمعاني؛ تارة تكون:
* العموم والخصوص مطلقًا.
* أو: من وجه.
* وتارة تكون: المماثلة.
* وتارة تكون: المباينة.
فالعَلاقة بين الإنسان والحجر: المباينة.
والعَلاقة بين الإنسان والبشر: المماثلة.
_________________
(١) «تفسير الطبري» ١/ ١٣٧، و«غريب الحديث» للخطابي ١/ ٣٤٦، و«الفائق في غريب الحديث» ١/ ٣١٤، و«المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم» ١/ ٨٥، و«مجموع الفتاوى» ١١/ ١٣٣ - ١٥٥، و«عدة الصابرين» ص ٢٩٣، و«مدارج السالكين» ٢/ ٢٣٦، و«تفسير ابن كثير» ١/ ١٢٨.
[ ٣٥ ]
والعَلاقة بين الإنسان والحيوان: العموم والخصوص المطلق، فالحيوان أعمُّ مطلقًا، والإنسان أخصُّ مطلقًا؛ فتقول: «كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وليس كلُّ حيوانٍ إنسانًا»، فبعض الحيوان إنسان.
ومثل هذا - أيضًا -: العبادة والصلاة؛ فبينهما عموم وخصوص مطلق.
أما العموم والخصوص الوجهي؛ فضابطه: «أن المعْنَيينِ يجتمعان في حال، وينفرد كل منهما في حال»، ويُمَثِّل أهل «المنطق» لهذا: بالأبيض والإنسان؛ فإنهما يجتمعان في الإنسان الأبيض، وينفرد كل واحد منهما، فالأبيض في الثلج، والأسود في الإنسان الأسود (^١).
وهكذا نقول في «الحمد، والشكر» - على القول بالفرق، وهو الصحيح -: بينهما عموم وخصوص وجهي؛ فيجتمعان في الثناء على الله باللسان بما أَنْعَم، فتعظيمه تعالى باللسان لما أنعم به على عباده: حمدٌ، وشكرٌ.
وينفرد «الشكر» في التعظيم بالفعل، وينفرد «الحمد» في الثناء باللسان في غير مقابلِ نعمة، فالله تعالى هو المحمودُ على كلِّ حال، محمودٌ على السراء والضراء، فحمدُه على السراء: حمدٌ، وشكرٌ، وحمدُه على الضراء: حمدٌ.
وعلى هذا يكون «الشكر» أعم من حيث الأداة، ف «الحمد» إنما يكون باللسان، و«الشكر» يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، ويستشهد العلماء لهذا بقول الشاعر:
_________________
(١) «شرح الكوكب المنير» ١/ ٧٠، و«آداب البحث والمناظرة» ص ٣٨.
[ ٣٦ ]
أفادتكُمُ النعماءُ مِنِّي ثلاثةً … يدِيْ ولسانِيْ والضَّميرَ المحَجَّبا (^١)
وجاء في القرآن: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور (١٣)﴾ [سبأ].
و«الحمد» أعم من جهة سببه، فالمقتضي ل «الحمد» أوسع من المقتضي ل «الشكر»، فالمقتضي ل «الشكر»؛ هو: النِّعم، والمقتضي ل «الحمد»: صفاتُ الكمال مطلقًا، فالثناء على الشجاع بشجاعته، والصبور بصبره؛ حمدٌ، وليس شكرًا، لكن الثناء على الشجاع بما قام به من النصر للآخرين ومِن عونه لغيره: حمدٌ وشكرٌ.
و«أل» في «الحمد لله» ل «الاستغراق».
و«أل» تأتي لمعانٍ كثيرة (^٢): ل «العهد الذهني»، و«الحضوري»، وتأتي ل «الجنس».
والتي تأتي ل «الجنس»: تارة تأتي للدلالة على «الحقيقة»، وتارة تأتي ل «الاستغراق» (^٣)، والمراد بها هنا: «الاستغراق»؛ فيكون معنى «الحمد لله» أي: «كلُّ الحمدِ لله تعالى».
_________________
(١) البيت مذكور في المصادر التي في الحاشية قبل السابقة عدا «تفسير الطبري»، ولم يُسم قائله.
(٢) «الجنى الداني في حروف المعاني» ص ١٩٤، و«مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ص ٦١.
(٣) التي ل «الاستغراق» هي التي يصح أن تخلفها «كل»، والتي ل «الحقيقة» لا يصح أن تخلفها «كل»؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. المرجع السابق.
[ ٣٧ ]
والذي يستحق الحمد كله، والثناء كله، والتمجيد كله؛ هو: المتصف بجميع صفات الكمال.
إذًا؛ فإثبات الحمدِ كلِّه لله تعالى؛ يدل على أنه هو المتصف بجميع صفات الكمال، وليس هذا إلا لله تعالى وحده.
والمخلوق قد يُحمَد، ولكن يحمد على ما عنده من المحامد، وما عنده من المحامد ليس أصيلًا فيه؛ بل هو موهوبٌ له، وفضلٌ من الله ﷾، فهو الذي يُكرِم من يشاء بما شاء من المحامد والفضائل.
وأعظمُ الناس استحقاقًا للحمد؛ أكثرُهم محامدَ وفضائلَ، وهو نبينا محمد ﷺ، وهذا يتصل بالكلام على اسمه «محمد»، فاسمُه هذا ﷺ عَلَمٌ، وصفة، فهو عَلَمٌ على شخصه ﷺ، ويدل - أيضًا - على معنى عظيمٍ؛ وهو: اتصافه بالمحامد (^١).
أما المستحق للحمد كله على الإطلاق لذاته؛ فهو الله تعالى.
ويلاحظ بهذا: أن إثبات الحمد لله تعالى تضمن نوعًا من أنواع التوحيد، وهو توحيد «الأسماء والصفات»، فهو سبحانه الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شريك له في ذلك، ولا شبيه، فهذا كله يتضمنه إثبات الحمد، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها عدل، وحكمة، ورحمة.
_________________
(١) «جلاء الأفهام» ص ١٨٣، وانظر: ص ٤٠٤.
[ ٣٨ ]
قوله: (نحمده) هذا فيه توكيد للحمد الأول، فله الحمد الثابت؛ لأن الجملة الاسمية (الحمد لله) تفيد: الثبات، وله الحمد المتجدد؛ لأن الجملة الفعلية (نحمده) تفيد: التجدد (^١).
فهو تعالى المستحق للحمد كله على الإطلاق، وله منَّا أن نحمده حمدًا متجددًا في الحاضر، وفي المستقبل، كلٌّ بحسب ما وفقه الله تعالى له، فهو سبحانه كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه عباده.
قال أعلم الخلق به ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^٢).
والعباد لا يستطيعون أن يثنوا على الله تعالى كما يستحق لذاته؛ لأن العباد لا يعلمون كلَّ ما لله من الأسماء والصفات (^٣) حتى الرسول، لا يعلم كنه صفاته ﷾، لذلك قال ﷺ: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، وقال ﷺ في حديث الشفاعة: «فأقع ساجدًا لربي ﷿، ثم يفتح الله عليَّ من محامده، وحسن الثناء عليه: شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي» (^٤).
وحمدُ العباد لربهم بحسب علمهم به تعالى، فمن كان أعلم بأسماء الله تعالى وصفاته؛ كان أقدر على حمده ممن ليس كذلك،
_________________
(١) «الإيضاح في علوم البلاغة» ص ٩٩.
(٢) رواه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) «درء تعارض العقل والنقل» ٣/ ٣٣٢.
(٤) رواه البخاري (٤٧١٢) - واللفظ له -، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٩ ]
ومن كان - أيضًا - أعلم بنعمه وأكثر استحضارًا لها؛ كان أقدر على حمده وشكره.
قوله: (نستعينه) «السين والتاء» في اللغة العربية يفيدان الطلب (^١)، فقول العبد: «أستعين الله» بمعنى: «اللهم أعني»، و«أستهديه» بمعنى: «اللهم اهدني»، و«نستغفرك» بمعنى: «اللهم اغفر لنا»، ف «السين والتاء» للطلب في الغالب (^٢).
فقوله: (نستعينه) فيه طلب العون من الله تعالى، وطلب العون من الله؛ يتضمن الاعتراف بتفرده تعالى بالملك، وبالعطاء والمنع، والاعتراف بالفقر إليه، قال الله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ [الفاتحة].
فعلى العبد: أن يعبد ربه، وعليه مع ذلك: أن يتوكل عليه، وأن يستعين به؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
وكذلك في حمدنا له: لا قدرة لنا ولا قوة على حمده؛ إلا بعون منه تعالى، ولهذا قَرَن ذِكرَ الحمدِ بذِكرِ الاستعانةِ.
قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) هذا يتضمن اللجوء إلى الله تعالى، والاعتصام به سبحانه من شرَّين عظيمين: شر النفس، وسيئات الأعمال، ولا يقي العبد ويحفظه من المخاطر
_________________
(١) «شرح شافية ابن الحاجب» ١/ ١١٠، و«شذا العَرْف» ص ٤٢.
(٢) وتأتي لمعانٍ أخرى؛ ك: «التحول»، مثل: «استحجر الطين»، و«اعتقاد صفة الشيء»، مثل: «استحسنت كذا»، أي: اعتقدت حسنه. المصدران السابقان.
[ ٤٠ ]
والشرور؛ إلا الله ﷾؛ فحقيق بكل مؤمن أن يلجأ إلى الله تعالى مما يُخاف ويُحذر.
قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) المراد بالنفس هنا: النفس الأمَّارة بالسوء؛ فإن النفس لها ثلاثة أحوال: نفس مطمئنة، ونفس أمَّارة بالسوء، ونفس لوَّامة (^١).
وشر النفس الأمارة بالسوء: دعوتها وأمرها بالسوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾ [يوسف: ٥٣]، وما يترتب على ذلك ويتبعه.
قوله: (وسيئات أعمالنا) سيئاتُ الأعمال؛ قيل المراد بها: «الأعمال السيئة»؛ وهي: «المعاصي»، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا؛ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعمال السيئة.
وقيل المراد بسيئات الأعمال: «العقوبات المترتبة على الأعمال»؛ لأنها تسوء من وقعت عليه، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا؛ من إضافة المسبَّب إلى السبب، فالأعمال التي هي المعاصي سبب للعقوبات.
فعلى الأول: التعوذ من السبب الذي هو الأعمال السيئة، وعلى الثاني: التعوذ من المسبَّب الذي هو العقوبات (^٢).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ١٥/ ١٤٣، و«الروح» ص ٣٣٠، و«إغاثة اللهفان» ١/ ٩١.
(٢) «مجموع الفتاوى» ١٤/ ٢٨، و١٨/ ٢٨٩، و«إغاثة اللهفان» ١/ ٩٠، و«الداء والدواء» ص ٢٦٨، و«بدائع الفوائد» ٢/ ٧١٦، و«طريق الهجرتين» ١/ ٢٠٠، و«شفاء العليل» ٢/ ٩١٠.
[ ٤١ ]
فمن وقاه الله شر نفسه وسوء عمله؛ فقد أفلح ونجا، وهذان الشرَّان هما مصدرُ كلِّ سوء وشرٍّ يتضرر به العبد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
قال ابن القيم في هذا التعوذ:
وسَلِ العياذَ من اثنتين هما اللَّتَ … انِ بِهُلْكِ هذا الخلق كافِلَتانِ
شرُّ النفوس وسيِّئُ الأعمالِ ما … واللهِ أعظمُ مِنهما شَرَّانِ
ولقد أتى هذا التعوذُ مِنهما … في خُطْبةِ المبعوثِ بالقرآنِ (^١)
قوله: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) في هذا اعتراف بتفرد الرب ﷾ بالهداية والإضلال، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فلا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى.
وهذا المعنى جاء صريحًا في القرآن، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون (١٧٨)﴾ [الأعراف]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون (١٨٦)﴾ [الأعراف]. فالرب تعالى هو المتفرد بالهدى والإضلال، وهو المتفرد
_________________
(١) «الكافية الشافية» رقم (٤٥٩٦ - ٤٥٩٨).
[ ٤٢ ]
بالعطاء والمنع كما في الحديث في الذكر بعد الصلاة (^١)، وفي الذكر بعد الرفع من الركوع (^٢): «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ، منك الجَدُّ»، ففي هذا إقرار بتفرد الرب بالعطاء والمنع.
ومن أنواع هذا العطاء والمنع: الهدى والضلال، ومن أدلة هذا المعنى في القرآن قوله ﷾: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (١٠٧)﴾ [يونس].
والهداية نوعان:
«هداية خاصة»، و«هداية عامة» (^٣):
أما «الخاصة»؛ فهي التي يعبر عنها ب: «هداية التوفيق والإلهام».
_________________
(١) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) رواه مسلم (٤٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) «مجموع الفتاوى» ١٨/ ١٧١، و«بدائع الفوائد» ٢/ ٤٤٧، وذكرَ الإمامانِ قسمين آخرين:
(٤) الهداية إلى مصالح الدنيا، وهي مشتركة بين الإنسان والحيوان، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه].
(٥) والهداية في الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم (٩)﴾ [يونس].
[ ٤٣ ]
و«الهداية العامة»؛ هي التي يعبر عنها ب: «هداية الدلالة والإرشاد».
ومن شواهد «الهداية الخاصة»: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الكهف: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦].
ومن شواهد «الهداية العامة»: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى]، وقوله تعالى:﴾ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان]، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ونحوها من الآيات.
والفرق بين الهدايتين من وجهين:
الوجه الأول: أن «الهداية العامةَ»؛ عامةٌ للخلق، وأما «الهدايةُ الخاصة»؛ فهي خاصة بالمؤمنين.
الوجه الثاني: أن «الهداية العامةَ»؛ تكون من الرسل وأتباعهم، وأما «الهداية الخاصة»؛ فليست مقدورة لهم؛ بل هي خاصة لله ﷿.
وفي ضوء ما تقدم تكون الهداية المذكورة في هذه الخُطبة؛ من: «الهداية الخاصة» التي تُفَسَّر ب: التوفيق، والإلهامِ.
[ ٤٤ ]
والهدى من الله سبحانه يكون بالتوفيقِ والإلهامِ، والإضلالُ يكون بمنع هذا التوفيق، فمن منعه الله التوفيق ولم يمنحه إياه؛ لزم من ذلك أن يَضل، فالعبد بين التوفيق والخذلان، فمن وفقه الله؛ اهتدى، ومن لم يوفقْه؛ ضلَّ، كما قال الله سبحانه في الحديث القدسي، الذي رواه الإمام مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر: «يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا مَنْ هديتُه؛ فاستهدُوني أَهْدِكم» (^١).
وهذا الإقرار والاعتراف يتضمن توحيد الربوبية؛ فإن كونه تعالى رب كل شيء؛ يقتضي أنه المتفرد بالعطاء والمنع، والهدى والإضلال، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية.
قوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) هاتان الشهادتان؛ هما أصل دين الإسلام، كما قال النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (^٢) الحديثَ، متفق على صحته.
والشهادة؛ هي: العلم بالشيء، والإقرار به، فلا بُدَّ في الشهادة من العلم، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون (٨٦)﴾ [الزخرف].
ولا بدَّ من الإقرار، فقول العبد: «أشهد أن لا إله إلا الله»، أي: أقِرُّ وأعترف ظاهرًا وباطنًا بأنه «لا إله إلا الله».
فتضمنت الشهادتان: الإقرارَ بالتوحيد الذي هو أصل دين الرسل، والإقرار برسالة محمد ﷺ التي لا يتحقق إسلام العبد إلا بها
_________________
(١) البخاري (٨) - واللفظ له -، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٤٥ ]
مع التوحيد، كما قال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» (^١) الحديثَ.
وكلمةُ التوحيد مركبةٌ من نفي وإثبات، من نفي إلهيةِ كلِّ ما سوى الله تعالى، وإثبات الإلهية له سبحانه.
إذًا؛ فالتوحيد لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، إلا بكفر وإيمان، كفرٍ بالطاغوت، وإيمانٍ بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾ [البقرة].
وقوله: (وحده) حالٌ، وقوله: (لا شريك له) حالٌ أيضًا، فالكلمتان حالان مؤكِدتان، ف (وحده) تأكيدٌ لما تضمنته كلمة الشهادة من الإثبات، و(لا شريك له) تأكيدٌ للنفي.
والمراد ب (الإله) هنا: المستحق للعبادة، أو: المعبود بحق، فلا معبود بحق إلا الله.
وأصل معنى (الإله) في اللغة هو: «المعبود» (^٢)، فكلُّ معبود سوى الله؛ فهو معبود بالباطل، والله وحده هو المستحق للعبادة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير (٦٢)﴾ [الحج].
_________________
(١) رواه البخاري (٥)، ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢٢٢٣، و«القاموس المحيط» ص ١٦٠٣.
[ ٤٦ ]
وشهادة أن لا إله إلا الله هي أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، وشهادة أن محمدًا رسول الله هي من أصل دين الإسلام الذي بعث الله تعالى به محمدًا ﷺ، فالشهادتان هما أصل دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، وهما متلازمتان من حيث الحكمُ لا تصح إحداهما إلا بالأخرى، ويعبر عن هاتين الشهادتين بالأصلين وهما: «التوحيد»، و«الرسالة».
ولا بدَّ في شهادة أن محمدًا رسول الله من الإقرار بأنه ﷺ عبد الله، وأنه رسول الله تعالى إلى الناس كافة، وأنه خاتم النبيين، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ في «الصحيحين» مرفوعًا: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (^١)، وكما في التشهد: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» (^٢)، وكما قال ﷺ: «لا تُطروني كما أطْرَتِ النصارى ابنَ مريم؛ فإنما أنا عبده؛ فقولوا: عبدُ الله ورسولُه» (^٣).
وهذه الشهادةُ للنبي ﷺ بأنه عبدُ الله ورسولُه؛ هي: الصراطُ المستقيم بين طريق الغالين، وطريق الجافين في حقه ﷺ؛ فإن الناس في حق الرسول ﷺ طرفان ووسط:
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٣٥) - واللفظ له -، ومسلم (٢٨).
(٢) رواه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) رواه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٤٧ ]
فريق جَفَوْا - وهم الأكثرون -؛ فكذَّبوه، أو قصَّروا في متابعته فيما جاء به، فهؤلاء فرَّطُوا في حقه ﷺ.
وفريق من الناس غلوا فيه؛ فرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، ولا شك أنه ﷺ سيد ولد آدم، وأنه خاتم النبيين، وأنه سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، لكن من الجاهلين من غلا حتى جعل له شيئًا من خصائص الإلهية، والربوبية؛ كالذي يقول:
يا أكرمَ الخلقِ ما ليْ مَنْ ألوذُ به … سِواكَ عندَ حلولِ الحادثِ العَمَمِ
وقال:
فإنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنيا وضَرَّتَها … ومِن علومِك علمَ اللوحِ والقلمِ
وقال:
إن لم يكنْ في معاديْ آخذًا بيدِي … فضلًا، وإلا فقل: يا زلةَ القَدمِ (^١)
وأقوالُ أهل الغلو كثيرة، فمَن نسب للرسول ﷺ شيئًا من خصائص الربوبية؛ كتدبيره للعالَم، أو القدرة على كلِّ شيء، أو نسب إليه مغفرة الذنوب والنجاة من النار؛ فقد غلا فيه.
_________________
(١) الأبيات للبوصيري من قصيدة «البردة»، «شرح البردة البوصيرية» ٢/ ٧٥٦ و٧٧٤ و٧٨٠.
[ ٤٨ ]
فهو ﷺ عبدٌ، ولا يزول عنه هذا الوصف؛ بل إن منزلة العبودية هي أساس الشرف للرسل والمؤمنين؛ ولهذا يذكر الله تعالى نبيه ﷺ بوصف العبودية في أعلى المقامات.
فقال ﷾ في مقام «الإسراء»: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وقال في مقام «التحدي»: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال تعالى في مقام «الدعاء»: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال ﷾ في مقام «الإنذار»: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان].
إذًا؛ فشهادةُ أن محمدًا عبده ورسوله؛ هي: الوسط، وهي: الصراط المستقيم بين طريق الغالين، وطريق الجافين المكذبين والمفرطين في طاعته واتباعه وتحقيق متابعته ﷺ.
فالشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله؛ تقتضي: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألَّا يُعبد الله إلا بما شرع.
قوله: (صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا) الصلاةُ على الرسول ﷺ هي من أفضل الأعمال، وقد أخبر الله تعالى أنه هو وملائكتُه يُصَلُّون على النبي ﷺ، وأمر المؤمنين بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب].
[ ٤٩ ]
وأحسن ما قيل في تفسير الصلاة من الله: «أن الصلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملإ الأعلى» (^١).
واللهُ تعالى يصلي على المؤمنين، و- أيضًا - الملائكةُ تصلي على المؤمنين، كما قال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب].
وجاء في الحديث الصحيح أن العبد إذا «خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (^٢).
ولكن لنبينا ﵊ من صلاة الله تعالى، وصلاة ملائكته؛ ما يليق بمقامه، فله الحظُّ الأوفر، والنصيب الأكبر من صلاة اللهِ سبحانه وملائكتِه.
أما صلاةُ المؤمنين على النبي ﷺ فمعناها: «الدعاء له بأن يصلي الله عليه»، ولا بد من هذا القيد، فليس كلُّ دعاء يقال: إنه صلاة، فإن الصحابة ﵃ علَّمهم النبي ﷺ التشهد، ثم قالوا له:
_________________
(١) رواه البخاري بنحوه عن أبي العالية تعليقًا مجزومًا به قبل حديث (٤٧٩٧)، ووصله إسماعيل بن إسحاق في «فضل الصلاة على النبي» ص ٨٠، وانظر: «جلاء الأفهام» ص ١٦٢.
(٢) رواه البخاري (٦٤٧) - واللفظ له -، ومسلم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٠ ]
«عَلِمْنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: «اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد»» إلى آخر الحديث بألفاظه المختلفة (^١).
إذًا؛ فالصلاة من العباد تكون بسؤال الله تعالى أن يصلي عليه، فهي إذًا؛ دعاء مخصوص، وإن كانت الصلاة في اللغة؛ هي: الدعاء (^٢) في الجملة، لكن الصلاة على النبي ﷺ من المؤمنين تكون بسؤال الله أن يصلي عليه.
وبعد هذا كله، يلاحظ أن هذه الخطبة اشتملت على أصول الدين:
١ - التوحيد بأنواعه الثلاثة: «توحيد الإلهية» الذي دلت عليه «شهادة أن لا إله إلا الله»، و«توحيد الربوبية» الذي تضمنته جملة «من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» كما يتضمنه الالتجاء، والتعوذ؛ فإن الاستعانة، والالتجاء، والتعوذ؛ كلُّ ذلك يتضمن «توحيد الربوبية». و«توحيد الأسماء والصفات» يتضمنه «الحمد»؛ فإثباتُ الحمدِ كلِّه لله تعالى؛ يتضمن أنه تعالى المتصف بجميع المحامد.
٢ - كما تضمنت هذه الخطبة «إثبات الرسالة»، وذلك هو مضمون «شهادة أن محمدًا رسول الله».
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٥٧) - واللفظ له -، ومسلم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة ﵁.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤٠٢.
[ ٥١ ]
٣ - وتضمنت هذه الخطبة - أيضًا - أصلًا من أصول الإيمان؛ وهو: «الإيمان بالقدر خيره وشره»، وهذا مستفاد ممّا تضمن «توحيد الربوبية»؛ فقوله: «من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له»، وكذلك «الاستعانة به»، و«الالتجاء إليه»، و«التعوذ»؛ كلُّ ذلك يتضمن: الإيمان بالقدر خيره وشره، وذلك أن «توحيد الربوبية»، يتضمن: إثبات القدر.
ولهذا كانت الآياتُ المتضمنةُ لأصول الإيمان؛ مشتملةً على خمسة من أصول الإيمان؛ وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [١٧٧]، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [١٣٦].
ولم يُذكر فيها الأصل السادس؛ وهو: الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأنه يتضمنه الأصل الأول؛ وهو: الإيمان بالله تعالى؛ فإن الإيمان بالله تعالى: ربًا وإلهًا، والإيمان بكمال ربوبيته وملكه؛ يتضمن: أن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه الخالق لكل شيء؛ وهذا هو تحقيق الإيمان بالقدر؛ فإن الإيمان بالقدر يتضمن المراتب الأربع المعروفة، ومنها: «عموم المشيئة»، و«عموم الخلق».
[ ٥٢ ]
إذًا؛ فإثبات القدر يدخل في «توحيد الربوبية»، ولهذا نقول: إن هذه الخطبة اشتملت - أيضًا - على إثبات القدر الذي هو الأصل السادس من أصول الإيمان.
تنبيه:
وهنا مسألة ذكرها شيخ الإسلام «ابن تيمية» ﵀، ونقلها عنه تلميذه العلامة «ابن القيم» ﵀؛ وهي: أنه يلاحظ في جُمل هذه الخطبة أنها جاءت بصيغة الجمع: (نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا)، وفي الشهادتين جاءت بصيغة الإفراد: (وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وهذه هي الصيغة الصحيحة، فلا تقلْ: «ونشهد» بصيغة الجمع.
فما السر في ذكر الجُمل الأولى بصيغة «الجمع»، وذكر الشهادتين بصيغة «الإفراد»؟
ذكر شيخ الإسلام أن لهذا وجهين:
الأول: أن الجُمل الأولى فيها دعاء وطلب من الله ﷾، وهذا مما تدخله النيابة، فالمسلم يدعو لنفسه ويدعو لإخوانه، وأمَّا الشهادتان؛ وهي: التوحيد، والإقرار بالرسالة؛ فإنهما لا ينوب فيهما أحد عن أحد، فلا تدخلهما النيابة.
الوجه الثاني: أن الجمل الأولى هي إنشاء، أما الشهادتان؛ فهما إخبار من الإنسان عن نفسه بما يعتقد، ولا يمكن لأحد أن يخبر في هذا
[ ٥٣ ]
على الحقيقة إلا عن نفسه، وأما إذا قلنا: فلانٌ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فهذا إخبار عمَّا أظهر، لا عمَّا يعتقد في نفسه.
فهذا من السر في الفرق بين جُمل هذه الخُطبة (^١)، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) «تهذيب سنن أبي داود» ٣/ ٥٤، والكلام هنا منقول بالمعنى.
[ ٥٤ ]
أما بَعْدُ:
هذه الكلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود، وهي جملة كان من هدي النبي ﷺ استعمالها في خُطبه، فبعد حَمْدِ الله والثناء عليه يقول: «أمَّا بَعْدُ» (^١).
وهذه الجملة للناس فيها كلامٌ من حيث أولُ من قالها، واختلفوا في هذا اختلافًا كبيرًا، فقيل: أول من قالها: داودُ ﵇، وقيل: أولُ من قالها: سَحْبَانُ وائلٍ، الخطيبُ المشهور (^٢)، وهناك أقوال أخرى، حتى فُسِّر بها فصلُ الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب (٢٠)﴾ [ص] (^٣) وهذا مرجوح؛ بل المراد «الفصل»: الذي يفصل بين الحق والباطل، ويفصل بين المتخاصمين.
_________________
(١) «صحيح البخاري»، باب «من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد»، الأحاديث (٩٢٢ - ٩٢٧).
(٢) سَحبان بن زفر بن إياس الباهلي الوائلي، يضرب المثل ببلاغته، وخطابته، فيقال: «أبلغ من سحبان وائل»، و«أخطب من سحبان وائل»، وهو القائل: لقد علِم الحيُّ اليمانون أنني … إذا قلتُ أما بعدُ أني خطيبها توفي سنة ٥٥ هـ. «جمهرة الأمثال» ١/ ٢١٣، و«المستقصى في أمثال العرب» ١/ ٢٨ و١٠٢، و«البداية والنهاية» ١١/ ٢٨٢.
(٣) «الأوائل» لابن أبي عاصم ص ٧٧، و«تفسير الطبري» ٢٠/ ٥١، و«تفسير ابن كثير» ٧/ ٥٩، و«فتح الباري» لابن حجر ٢/ ٤٠٤.
[ ٥٥ ]
فمن بديع الكلام أن يؤتى بها للانتقال من الافتتاح إلى الدخول في المقصود والشروع فيه.
وهذه الكلمة تفسر عند أهل اللغة ب «مهما يكن من شيء بعد» (^١).
ف «أمَّا» شرطية، وجوابها؛ هو: ما بَعْدَ «الفاء» (^٢).
و«بَعْدُ» ظرفٌ مبني على الضم في محل نصب، لحذفِ المضافِ إليه ونيةِ معناه، فهو مقطوعٌ عن الإضافة لفظًا لا معنىً (^٣).
* * *
_________________
(١) «الكتاب» ٣/ ١٣٧، و«الصحاح» ٦/ ٢٢٧٢، و«الجنى الداني في حروف المعاني» ص ٥٢٢، و«أوضح المسالك» ٤/ ٢١١.
(٢) لأن جوابها يجب أن يقترن ب «الفاء»، كقول المؤلف: «أمَّا بعدُ؛ فقد سألني ..» إلا نادرًا. المراجع السابقة سوى «الكتاب».
(٣) «الانتخاب في شرح أدب الكاتب» ٢/ ٧، و«صبح الأعشى» ٦/ ٢٣١.
[ ٥٦ ]