وهكذا القول في المثل الثاني؛ وهو: الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوصُ أنها تَعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسَلُّ منه كما تسل الشعرة من العجين.
والناس مضطربون فيها:
فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: «إنها النَفَس أو الريح التي تتردد في البدن»، وقول بعضهم: «إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن».
ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: «لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض»!.
وقد يقولون: «إنها لا تُدرِك الأمورَ المعينةَ، والحقائقَ الموجودةَ في الخارج، وإنما تُدرِك الأمور الكلية المطلقة»!.
وقد يقولون: «إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة»!.
[ ٢٤١ ]
وربما قالوا: «ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها»، مع تفسيرهم للجسم بما يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تُلْحِقها بالمعدوم والممتنع.
يذكر الشيخ هنا المثل الثاني المضروب في الرد على نفاة الصفات فيمثل بالروح التي فينا، والتي جعلها الله قوامًا لأبداننا، فالإنسانُ مُكَوَّنٌ مِنْ روح وبدن، ولا قيمة للبدن بلا روح.
أما الروحُ؛ فهي: كائنٌ، موجود، قائم بنفسه، فلا تفتقر في وجودها إلى البدن، بدليل أنها تنفصل من البدن ويكون لها شأن بعد فراقها البدن.
(وهذه الروح جاء وصفها بصفات ثبوتية وسلبية، فقد أخبرت النصوص أنها تَعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تسل الشعرة من العجين).
فهذه الروح التي فينا رغم قربها واتصالها بنا، فالناس مختلفون فيها ومضطربون في شأنها اضطرابًا عظيمًا يصل إلى التناقض (^١)، ويلخص الشيخ مواقفهم في ثلاثة اتجاهات:
_________________
(١) «الروح» ص ٢٧٢.
[ ٢٤٢ ]
الأول: طوائف من أهل الكلام: جعلوا الروح من جنس الأجسام المشاهدة، وعبَّروا عن ذلك بعبارات مختلفة؛ منها:
١ - البدن.
٢ - جزء من البدن.
٣ - صفة من صفات البدن، أي: عَرَض.
٤ - النَفَس. أي: ما يحصل بعملية التنفس من تردد الهواء في البدن.
٥ - المزاج. أي: مجموع الطبائع في ذات الإنسان.
وكلُّ هذه العبارات التي ذكرها أهل الكلام في الروح؛ باطلةٌ، لا تعبر عن حقيقتها، وهي مخالفة لما جاء في النصوص من صفاتها، فالروحُ ليستْ هي البدن، وليست جزءًا منه؛ كالكبد والطِّحال، وليست صفة من صفاته؛ كالطول، والبياض، وليست هي النَفَس الداخل إلى البدن والخارج منه، وليست هي المزاج؛ بل هي شيء آخر، جاء وصفه في النصوص الشرعية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وكما يأتي شيء من ذلك إن شاء الله.
الثاني: قول طوائف من الفلاسفة، وهو قول مناقضٌ لقول أهل الكلام، فقد وصفوا الروح بضد ما توصف به الأجسام المشاهدة، فوصفوها بما يصفون به واجب الوجود من الصفات السلبية؛ بل بسلب النقيضين، مما لا يتصف به إلا المعدوم والممتنع.
[ ٢٤٣ ]
فيقولون في الروح؛ إنها: (لا داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض)!.
وقد يقولون: (إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة)!، ونحو ذلك من العبارات التي نجدُ أنَّ بعضها مقاربٌ لبعضٍ في المعنى، وأكثرُها دالةٌ على سلب النقيضين، مما لا يوصف به إلا المعدوم، الممتنع.
وقد يقولون: إن الروح «لا تدرِك الأمور المعينةَ والحقائقَ الموجودة في الخارج» - أي: أنها لا تدرك شيئًا من الموجودات المشاهدة -، «وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة». أي: المعاني الكلية التي لا توجد إلا في الذهن؛ كالمعنى المفهوم من كلمة: «إنسان»، أو «حيوان»، أو «وجود»، ونحو ذلك من المعاني الكلية المشتركة.
ويلاحظ أن هذا القول؛ هو في المعنى: نَفْسُ قولهم: «إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات»!، وهذا المعنى باطل؛ فإن الروح حقيقة قائمة بنفسها، ولها إدراك.
وبهذا يتبين أن حقيقة مذهب الفلاسفة؛ إنكار الروح، وإن زعموا أنهم يُقِرون بها؛ لأنهم وصفوها بما يمتنع وجوده.
الثالث: من الأقوال في الروح: القول الحق؛ وهو: «أن الروح حقيقة موجودة قائمة بنفسها، موصوفة بصفات»، مثل: أنها تذهب وتجيء، وتصعد وتهبط، وتُقبض وتُرسل، وتُنَعَّم وتُعَذَّب، وهي:
[ ٢٤٤ ]
عالمة، وقادِرة، وسميعة، وبصيرة، وغير ذلك مما جاء من صفاتها في النصوص، وهي مع ذلك مغايرة في حقيقتها للأجسام المشهودة (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح حديث النزول» ص ١١٨، و«درء تعارض العقل والنقل» ٨/ ٥٢، و«الفتوى الحموية» ص ٥٤٣، و«مجموع الفتاوى» ٤/ ٢١٦، و«الروح» ص ٢٧٧.
[ ٢٤٥ ]
وإذا قيل لهم: «إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل».
قالوا: «بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات موجودة وهي غير مشار إليها».
وقد غفلوا عن كونِ الكلياتِ لا توجدُ كليةً إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدإ والمعاد على مثل هذا الخيال، الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال.
يعني: إذا قيل لهؤلاء الفلاسفة: «إن وصفكم الروح بهذه الصفات ممتنع، فليس هناك موجود موصوف بسلب النقيضين».
قالوا: «إن هذا ليس بممتنع بدليل أن الكليات موجودة وهي غير مشار إليها».
والرد عليهم أنَّ الكلياتِ - أي: المعاني الكلية - لا توجدُ كليةً إلا في الذهن، ولا يمكن أنْ توجد في الخارج؛ إلا ممثلة في: الأجزاء، والأفراد، والأعيان.
وهؤلاء الفلاسفة إنما يعتمدون فيما يقولونه في المبدإ والمعاد على مثل هذه الخيالات والأقوال المتناقضة التي لا يخفى فسادها على غالب الجهال؛ فضلًا عن العقلاء، والعلماء.
[ ٢٤٦ ]
واضطرابُ النفاة والمثبتة في الروح كثيرٌ، وسبب ذلك أن الروح - التي تُسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة - ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها؛ بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس.
فصار هؤلاء لا يُعرِّفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكِلا القولين خطأ.
يبيِّن الشيخ هنا سبب كثرة اضطراب الناس في الروح من المثبتين والنفاة، ويدخل في المثبتين: أهل الكلام، وأما النفاة؛ فهم: الفلاسفة الذين يسمون الروح بالنفس الناطقة.
فيَذكرُ أنَّ سبب ذلك الاضطراب: (أن الروح ليست من جنس البدن، ولا من جنس العناصر) - يعني الأصول التي تتكون منها الأشياء -، ولا من جنس (المولدات) الناشئة عن العناصر؛ (بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس)، ولذلك اضطرب فيها المنحرفون عن منهج الرسل.
[ ٢٤٧ ]
فمنهم من لا يُعرِّفها إلا بالسلوب؛ وهم: الفلاسفة، ومنهم مَنْ يجعلها (من جنس الأجسام المشاهدة)؛ كما هو مذهب طوائف من أهل الكلام.
وكلا القولين خطأٌ، أي: قول من يجعل الروح من جنس الأجسام المشاهدة، وقول من لا يصفها إلا بالسلوب المستلزمة لامتناع وجودها.
* * *
[ ٢٤٨ ]