فصل
وأمَّا المثلانِ المضروبانِ:
فإنَّ اللهَ ﷾ أخبرنا عمَّا في الجنة من المخلوقات، من أصناف: المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح، والمساكن؛ فأخبرنا أنَّ فيها: لبنًا، وعسلًا، وخمرًا، وماء، ولحمًا، وفاكهة، وحريرًا، وذهبا، ً وفضة، وحورًا، وقصورًا.
وقد قال ابن عباس ﵄: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء»، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فالخالقُ ﷾ أعظمُ مباينة للمخلوقات مِنْ مباينةِ المخلوقِ للمخلوق، ومباينتُه لمخلوقاته؛ أعظمُ من مباينةِ موجودِ الآخرةِ لموجودِ الدنيا؛ إذ المخلوقُ أقربُ إلى المخلوقِ الموافقِ له في الاسم مِنَ الخالق إلى المخلوق. وهذا بيِّنٌ واضحٌ.
[ ٢٢٥ ]
بعد أنْ ذكرَ الشيخُ الأصلينِ اللَّذَيْنِ يُرَدُّ بهما على نفاةِ الصفات، شَرَعَ في ذِكْرِ المثلينِ المضروبينِ في ذلك.
فالمثل الأول: ما أخبر الله تعالى به عمَّا في الجنة من المخلوقات ممَّا أعدَّ لأوليائه من أصناف النعيم؛ من: (المطاعم، والمشارب، والملابس، والمساكن)، وغير ذلك، فأخبرنا أن فيها: (لبنًا، وعسلًا، وخمرًا، وماء، ولحمًا)، وغير ذلك، وقد قال ابن عباس ﵄: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء» (^١)، فموجوداتُ الآخرةِ موافقةٌ لموجوداتِ الدنيا في الاسم، وفي مسمى الاسم المطلق؛ وهو: «المعنى العام الكلي المشترك»، ولكنها مع ذلك ليست مماثلة لها؛ (بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى).
وإذا كان هذا التباين موجودًا بين المخلوقات، وفي صفاتها المتفقة في الأسماء، وفي المعنى الكلي المشترك؛ (فالخالقُ ﷾ أعظمُ مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوقِ، ومباينتُه لمخلوقاته أعظمُ من مباينةِ موجودِ الآخرةِ لموجودِ الدنيا؛ لأن المخلوقَ أقربُ إلى المخلوق - الموافق له في الاسم - من الخالق إلى المخلوق) (^٢).
_________________
(١) رواه هنَّادٌ في «الزهد» ص ٤٩ و٥١، والطبري في «تفسيره» ١/ ٤١٦، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٦٦، والبيهقي في «البعث والنشور» ص ١٦٣. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ٤٧٣: «إسناده جيد»، وقال ابن تيمية في «الفتوى الحموية» ص ٥٤٢: «قد ثبت».
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» ٦/ ١٢٣، و«منهاج السنة» ٢/ ١٥٧، و«شرح حديث النزول» ص ١٠٤، و«الفتوى الحموية» ص ٥٤٢، و«مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٠٧ و١١/ ٤٨٢ و٩/ ٢٩٥، و«الإكليل في المتشابه والتأويل» ص ٢٧٨.
[ ٢٢٦ ]
فإثباتُ القدرِ المشترك الذي به تفهم الألفاظ؛ لا يلزم منه التماثل في الخصائص.
فبينَ ماءِ الدنيا وماء الآخرة قدرٌ مشترك؛ وهو: «المعنى العام الكلي للفظ الماء»، وكذلك بين لبن الدنيا ولبن الآخرة قدرٌ مشترك، وبين خمر الدنيا وخمر الآخرة قدرٌ مشترك، وهكذا بقية الأمور التي أخبر عنها الرب تعالى، ولكل من موجودات الدنيا وموجودات الآخرة خصائص لا يشركه فيها الآخر.
فنحنُ نعلم وندرك: أن اللبن شراب يشرب، وهكذا الخمر، والماء، وبينها فروقٌ، وندرك أن هذه الثلاثة من أنواع الشراب، وليست شيئًا يلبس أو يسكن، فنحن نُفرِّق بين معناها ومعنى: المساكن، والملابس، والمطاعم، والحور العين التي في الجنة.
فلا بُدَّ مِنْ إثباتِ القدر المشترك بين الأشياء المتفقة في أسمائها، وهذا القدرُ المشترك؛ هو: المعنى العام، وهو: مسمى الاسم عند الإطلاق، الذي به يفهم معنى اللفظ المطلق والغائب، ثم عند إضافته وتقييده؛ ينضاف إليه معنى آخر يخصه غير المعنى العام المشترك، ولا بد من هذا القدر المشترك حتى تفهم الألفاظ ويمكن التخاطب بها.
وليس هذا المعنى العام والقدر المشترك؛ هو التشبيه الذي نفته الأدلةُ النقليةُ، والعقليةُ.
فالاتفاق في الأسماء، وثبوت القدر المشترك؛ لا يستلزم التماثل في الخصائص.
[ ٢٢٧ ]
وهذا المثل المضروب هنا قريب مما ذكره المؤلف سابقًا في مسألة «وجود البعوضة والعرش» (^١).
* * *
_________________
(١) ص ١٤٦.
[ ٢٢٨ ]